كم تحلو الحياة بألوانها، ألوان البحر ألوان الشجر، ألوان السماء ألوان البشر، ألوان القلوب ألوان القدر، ألوان مشبعة بمشاعر متناقضة كأمواج بحر متلاطمة، مشاعر خوف مشاعر فرح، مشاعر راحة مشاعر قلق، مشاعر أنس مشاعر جفاء، إذا غاب عنك لون من ألوانها ضرب بينه وبين وجه من أوجه الحياة بسور ليس له باب باطنه لونه بلون العتمة وظاهره جامد بجمود الصمت، فما بالك إن غابت عنك كل الألوان؟!

كانت أولى قراراتي بعد خروجي من المعتقل أن أسير في الشوارع دون توقف حتى أصل أطراف مدينتي أو يُهلكني المسير، ولكني وقفت ضائعًا عند أول مفترق طرق فقد أصبح لزامًا علي أن أختار أيهما أسلك، ظللت مكاني متسمرًا وكأني أتخذ قرارًا بشن حرب نووية على العالم كل العالم حتى استغرب الدمع وحجبت غرغرة العين الرؤية، الحقيقة أنني ولإحدى عشر شهرًا لم أتخذ لنفسي قرارًا واحدًا حتى إن أمد رجلي بطولها فذلك القرار كان يحتاج قبلها إلى ترتيبات ونقاشات ثنائية مع جاري المقابل، لقد فشلت في أول اختبار لي وكأن الحياة ترسل لي برسالة فحواها أني لم أعد صالحًا لخوض تلك الحياة بمعتركاتها، فهمت الرسالة وعدت من حيث بدأت.

عنبر 21 بسجن برج العرب والذي يكمن في أطراف مدينة الإسكندرية مثل الثعلب ينتظر بمكر فرائسه من الغزلان، يركن عنبر 21 في إحدى زوايا السجن الضيقة بلونه الباهت وبلون بهوتته هذه يمد روحك ببهوتة مثيلة لتصبح في لحظتها جزءًا لا يتجزأ منه، عند بابه تنقطع عنك الوان الدنيا وكأن الشمس قد كُسفت والأرض قد خُسفت والأخضر قد يبس وجمعت ألوان الدنيا في لون واحد وهو لون العنبر الباهت.

أخطأ أحدهم يومًا في وصفنا عندما قال «ما نحن هنا إلا أرقام»، لكن الحقيقة أننا لسنا إلا رقمًا واحدًا وهو «صفر» يعلم مكانه بالضبط في الزاوية أقصى الشمال لا يعبر عن شيء بل تستطيع القول إنه يعبر عن اللاشيء، نعم كنا أصفارًا متراصة.

كان عنبر 21 هو دولتي التي أعيش فيها وأرفع علمها الباهت وأنشد نشيدها الصامت المخيف وأحمل بطاقة هويتها المهترئة، وكانت زنزانتي هي الحي الذي أقبع فيه مع جيراني والمتشابهون في عيني في كل شيء كما هم متشابهون في الأشبار والقبضات التي تحتلها أجسامهم، وكانت دورة المياه كصالات السينما أقف بشوق في طابورها الذي لا نهاية له لأقطع تذكرة للدخول من أجل مشهد واحد كثيرًا ما كانت تفسده علي أصوات أمعاء المتراصين في الخارج والطامعين جهلًا بمشهدي الذي أشاهد، أما ساحة التريض فكانت بالنسبة لي ككورنيش الإسكندرية المبهج، أخرج إليها كل يوم لتبقى عيناي عالقة بنقاط التماس التي تلتقي عندها زرقة السماء بسور عنبرنا العقيم واتنفس وفقط، وبعد 10 دقائق فقط اقضيها في هذه الفسحة أعود أدراجي مرة أخرى، أعود إلى الحي الذي أقبع فيه وإلى جيراني المتشابهين، أما عن جلسات المحكمة فقد كانت لي كرحلة إلى جزر المالديف فقد كنت أتهيء قبلها بأيام بل قل بأسابيع وكل كياني معلق بتلك الدقائق الثلاث التي اقف فيها أمام رئيس نيابات غرب الإسكندرية وأنظر من شرفة مكتبه في الطابق الحادي عشر في مجمع المحاكم بحي المنشية على هذه اللوحة الفنية للبحر المتوسط وكأني ألتقي حبيبتي المغرم بها بعد غياب طويل بروح أذيبت بفعل وهج العشق وفرط الوجد لأخذها وننعزل بعيدًا عن عالمي الباهت إلى أن تقطع رحلتي هذه درجات أو قل دركات سلم المحكمة، كانت درجات سلم المحكمة العجوز المتهالكة شاهدة على شرودي وكأن لسان حالها يقول «انتبه يا ولدي لقد انتهت الرحلة» وها أنا أعود مرة أخرى إلى وطني الباهت وجيراني المتشابهين، تقطع بنا عربة الترحيلات بسيوفها الشوارع بكل عنف لتقطرنا قطرًا إلى وطننا الباهت عنبر 21.

المعتقل بأسواره وأبوابه وعنابره وزنازينه كقابض الأرواح يسلب منا كل شيء ببطئ شديد، ويبقى المعتقلون أصفارًا متعلقة بتلابيب الأمل، أمل يهدم أسوار العتمة، أمل يمحو لون سجنهم الباهت، أمل يقتل الموت، أمل يعيد لهم لوحتهم بألوانها المتعددة الثرية، أمل يعطيهم فرصة للحياة بل يعطيهم الحياة نفسها، أعطوا للمعتقلين الحياة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات