تذهب أطروحة الحوكمة الرشيدة، أو ما يعرف أيضًا بالرشادة في شقيها العالمي، أو المحلي إلى أن فاعلية الأنظمة القائمة -وهيكلتها المؤسساتية، وأجهزتها البيروقراطية، وكل مجموعة التنظيمات الرسمية وغير الرسمية- تقاس وتصنف بمدى اقترابها في أدائها أو ابتعادها عن معايير الشفافية، التي تتحقق وتتكرس في ظلها بدرجات متفاوتة قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون في منحى تطوري تصاعدي، إلى مستوى الترسخ كثقافة وممارسة يومية.

إن الحوكمة أو الرشادة السياسية تعتمد أساسًا على قياس درجة الأداء وفاعليته استنادًا إلى قيم ومعايير الديمقراطية والحكم الراشد، والتنمية الاقتصادية المستدامة، كما تقارن وتفاضل بين القطاعات المختلفة داخل النظام الواحد وبين النظام نفسه كمعطى كلي واحد وبين نظام آخر في المقابل، وذلك من خلال عمليات ومستويات متعددة داخلية وخارجية، يتكـفل منهج القياس المقارن ومناهج تحليلية أخرى بخطوات التقصي والبحث فيها.

عليه فإنه كلما زادت درجات الشفافية وترشيد السياسات والسلوكيات في نظام سـياسي معين كان أكثر انفتاحًا ومرونة في ممارسة أدائه، وفي التعاطي مع مختلف المدخلات المحلية والخارجية التي ترد إليه، و كانت مخرجاته أكثر استجابة وتلبية للطموحات والرهانات القائمة والعكس صحيح! أي إن زيادة درجات الغموض، ونقص قنوات الاتصال، وحجب المعلومات، كل ذلك يؤدي بالنّظم لتصبح أكثر انغلاقًا وتصلبًا في التعاطي مع المدخلات الواردة إليها، وبالتالي تقهقر فاعلية الأداء، وعدم بناء السياسات الملبية لأدنى التحديات؛ مما يؤدي بحكم حتمية ترابط القطاعات وتأثرها البيني المتبادل إلى الانسداد والانغلاق في كافة المستويات.

عكس ما تنادي به الحوكمة الرشيدة كمفهوم أو معطى توصل إليه الركب الحضاري الإنساني عمومًا، والمجتمعات الديمقراطية خصوصًا، هو ما حصل في الجزائر في المرحلة البوتفليقية، ومراحل أخرى سابقة شكلت تراكماتها الوضع القائم اليوم بما يحمله من تدهورات لشتى المجالات.

فإن ركزنا على مرحلة حكم بوتفليقة، خاصة في سنونها الأخيرة، فإننا نجد أنها فترة لم تكتف فقط بغلق قنوات الاتصال والتذبذب متسارع التقهقر في الأداء، وانعدام الشفافية، وعدم توفير المعلومات الصحيحة والحقيقية، وأكثر من ذلك الترويج للمغالطات، وقلب الحقائق، وعدم التوزيع المقبول كي لا نقول العادل للقيم والمخرجات التي من شأنها أن توازن الأوضاع قليلًا كي لا تتفاقم على الأقل لدرجة الوضع المؤدي للانفجار.
بل إنها عمدت إلى التنكر لدرجة إلغاء جل أنماط التفاعلات المحسوبة والموزونة التي تبنى على التخطيط والاستراتيجية الهادفة لبناء الدولة وتطورها، واستبدلت بممارسات أخرى خرقاء شبيهة بنظم العصابات المافياوية القائمة على ارتجالية مركزية تعدت جميع حدود العقلانية و أُطر اللياقة الأدنى، التي تكون مقبولة في أي فضاء من فضاءات الدولة، وهو ما جعلنا نشهد يومًا بعد يوم على احتضار السياسة وموتها المتسارع قبل العمد إلى محاولة وأدها، والتخلص منها نهائيًّا بكل غلو وفجاجة واستبدالها بالتصرفات الأنانية الرعناء، خاصة تلك اللحظة المجنونة التي دفعت الجماعة المقربة من دائرة السلطة لإعلان ولائها للإطار (كادر الصورة)، وترشيحه لعهدة رئاسية خامسة! هذه الأخيرة التي كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، ولحظة غلق جميع المنافذ التي يمكن أن تترك أي فرصة للانفتاح في المرحلة البوتفليقية، ما عدا الانفتاح والانحلال الأخلاقي الذي استشرى في العباد بطريقة سرطانية متفاقمة مع بدايات العهدة الأولى.

إن غياب الحد الأدنى من الفاعلية في الأداء، وعدم الإبقاء على أقل مستوى مرن ومقبول للتعامل به ضمن التفاعلات السوسيوسياسية الأفقية والعمودية في أواخر المرحلة البوتفليقية، ألغى كل أشكال التفاعل الإيجابي لدى الجماعة الحاكمة؛ مما أدى إلى تحولها من نخب سياسية إلى عصابة متسلطة، دينها «الغلو السياسي» فيما تراه وتقرره، ضاربة عرض الحائط كل أشكال المبادرات التي طرحت عليها من مختلف الأطراف الوطنية، معتبرة إياها غير حقيقية وغير اقعية، بل ناكرة وجود أي أزمة سياسية أو مجتمعية في البلاد من أساسها، نهجها في ذلك ومرتكزها المبدأ الفرعوني القائل: «لا أريكم إلا ما أرى»، ولا تسمعوا إلا لما أخبركم به.

من رحم المعانات المنجرة عن ذلك الخبط العشواء في ممارسة أعلى الوظائف وأسماها وأدقها، جاءت اللحظة الفارقة والموعد الكبير وهو يوم جمعة 22 فبراير (فيفري) 2019، لحظة الفيصل التي خرج فيها الشعب الجزائري، وفيما تلاها من مواعيد الحراك الشعبي التي صارت معلومة المكان والزمان بالملايين في هبة شعبية عارمة لأخذ زمام المبادرة في اقتلاع رموز الفساد، وتصحيح المسار النبيل لهذا الشعب العريق في النضال والتحدي، الذي شوه وحرف عن جادة الصواب من طرف تلك الجماعة المتسلطة على رقابه منذ عقود، والتي لا تمت لعراقة هذا الشعب وتضحياته وحبه لوطنه بأي صلة.

إن قناعة الشعب الجزائري بأن لا مأمول من صدور أي بادرة للانفراج عن الذين نَصّبوا أو نُصّبوا أولياء عليه، إضافة إلى إحساسه بكونه طرفًا هامشيًّا ورقمًا جانبيًّا في معادلة تسيير الدولة الذي استبدل باقتسام الريع من موارد وخيرات الشعب باسمه، ولا يناله شيء منها، أضف إلى ذلك تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي صارت بمثابة الحبل الخانق الملتوي على رقاب الناس، والمطرقة الساحقة لكل ما تبقى من كرامة المواطن، دفع بالانتفاضة الشعبية المباركة للشعب الجزائري إلى الانقلاب على كل الجماعة التي تتحدث من داخل دائرة السلطة، وهو ما عبر عنه في شعاراته وهتافاته «الراديكالية»، كما حدا به إلى الكفر و«الإلحاد» بكل عمل أو مقترح سياسي يصدر عن تلك الجماعة؛ لتوجسه مما يخفيه ضمن طياته من ألاعيب ودسائس قد لا تلاقي طموحاته وآماله.

إن مثل هذا الإلحاد السياسي الناجم عن الغلو السياسي، الذي يمكن تفسيره ووضعه في خانة ردة الفعل المتطرفة على ممارسات متطرفة مورست و تراكمت على عاتق شعب بأكمله، هو أمر يمكن تفهمه وتقبله من الناحية السايكوسوسيولوجية في مراحل الحراك الأولى، إلا أننا ومن مقترب سياسي نصر على ضرورة عدم الحذو بأثر العصابة التي تسلطت علينا من قبل، وأننا يجب أن نتفوق بأفكارنا ونشاطاتنا السياسية، وألا نكون مفلسين مثلما كانوا هم من قبل، خاصة في مرحلة إعادة البناء والتأهيل، وألا نقتصر على عدم فعل إلا ما كان ردًّا للفعل.

إننا ندعو كل الجزائريين اليوم، وبالأخص شباب الحراك بكل فئاته، إلى ضرورة التعلم والتنظيم والنشاط في كل مجالات الحياة، وأن يرفع درجات وعيه السياسي بالانخراط في السياسة وممارستها في مختلف مستوياتها، وأن يغوص في أغوارها ويلج دهاليزها كي يستطيع أخذ زمام المبادرة، وانتزاع مشعل القيادة؛ إذ هي الضامن الوحيد لألا يكون منقادًا خاضعًا لأي قوى ذات نية غير حسنة تعبث بوطنه ومستقبله، ولكي نبني وطننا الذي نحبه ونفخر به ونعتز بريادته التي ترقى على سواعد أبنائه وبناته الأحرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد