كانَ الشيخ سعيد النورسي رحمهُ الله سياسيًّا إصلاحيًّا، وهو صاحب القول المشهور «أعوذ بالله من الشيطان والسياسة»، وذلك بعد اعتزاله السياسة والعمل الجهادي مع الشيخ سعيد الكردي الثائرُ ضد مصطفى كمال أتاتورك، فتحوّل الشيخ سعيد إلى الاهتمام بتنوير الأفكار كما سمّاه، وهذا هو الوعي المطلوب العمل على بنائه في المجتمعات العربية، فإن من يعمل بالسياسة في مجتمعات لا تملك الوعي الكافي؛ يفاجأ بمواقفَ خاذلة وصادمة له ولمبادئ العمل السياسي.

بعد ثورات الربيع العربي فُتحت أبواب العمل السياسي على مصرعيها، وأصبحت الحرّيّة والديمقراطية واقعًا تعيشه المجتمعات على الأقل في سنواتها الأولى، فعكف الجميع على العمل السياسي من تشكيلٍ الأحزاب والممارسة الحيّة للسياسة، منهم المتمرّس الذي لا يفقه الواقع ولا يقرأهُ بشكل صحيح، ومنهم الفاهم للواقع، ولكنه ليس صاحب تجربة، وغير مدرك لمبادئ العمل السياسي، وأصناف وطبقات كثيرة غيرهم، ولم يدركوا جميعهم حقيقةَ الواقع الذي هم فيه وحجم التركة التي خلّفتها الأنظمة السابقة، فتجاوزوا بناء الوعي وتسابقوا على المناصب والمحاصصات، وهنا لا ألوم الشعوب فهي كانت رهينة للأنظمة السابقة لعقود طويلة؛ مما جعلهم لا يفقهون حقيقة الأشياء ويستميتون على معتقداتهم التي غُرست في عقولهم من شيطنة الخصوم وإنكارهم للمشروع وإقبالهم على الخاطئ من الخيارات وما زُرع في عقولهم، وبعد ثورات الربيع العربي كان من المفترض أن تتلوها ثورات ثقافية تنشر الفهم وتبني الوعي وتُصحح المعتقدات والأفكار، ولنا في ذلك مثالٌ آخر وهو مالك بن نبي رحمه الله والذي عُرف عنه مناداتهُ بإصلاح الأفكار وتقويمها، وكلهم كانوا يرون أن ذلك مرحلة أساسية تأتي قبل الإصلاح السياسي والممارسة للعمل السياسي، وهو في الحقيقة بناءٌ لوعي يساعد المجتمعات على إدراك العمل السياسي وإدارة ذاتها سياسيًّا وبطريقة ناجحة، والوعي بالحقوق والواجبات والدستور والأنظمة وإدراك واقع المجتمع والظروف السياسية المحيطة به.

ولا يظن عقلك أن المطالبة بالوعي السياسي هي مطالبة بوعي جميع أفراد المجتمع! وهذا غير ممكن وغير منطقي، لكن ما أتحدث عنه وما يجب أن يكون هو وعي القيادات الدينية والاجتماعية والسياسية والنخب الثقافية والشباب وأصحاب الأموال؛ لأنهم هم من يصنعون الرأي العام في المجتمعات، وغياب هذا الوعي سبّب لنا كثيرًا من الإشكاليات، منها خروج فئات شباب الغلوّ، وانحراف فئات من المجموعات التي تعادي قيم المجتمع وأعرافه، والبائسين المطالبين بفصل الدين عن السياسة، فتُخلط الأوراق وتطفو الخباثة والفجور في الخصوم لثقتهم بأن لا وعي لهذه المجتمعات فاعمل بما يريحك من أدوات الشرّ، وأريد التعريج قليلًا على المطالبين بفصل الدين عن السياسة اقتداءًا بالمجتمعات الغربية أقول لكم: فصلت أوروبا بين الدين والسياسة؛ لأن دينها المحرّف يقبل القسمة بين القيصر والرب، وبين الدين وشؤون الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعملت به لأن تشريعاتها لا تشمل جميع شؤون الحياة، ولأن كنيستها منعتها من الاهتمام بالحياة الدنيا، ولأن النبي عيسى عليه السلام بُعث إليهم ولم يبعث لكل الناس، وهذا كله ليس في الإسلام؛ فكيف تطالبون بما عمل به أولئك الغربيين أن يكون عملنا ومنهجنا.

وكل ما تحدثت عنه من مطالبة بالعمل على بناء الوعي السياسي الصحيح في المجتمعات هو في حقيقته (دعوة) والدعوة إلى الخير من أجلّ القربات إلى الله، فبها تُصحّحُ الأفهام وتُقوّمُ العقول والأفكار، وما السياسة إلا جزء من ديننا وداخل إطاره، فهو مرجعيتنا الوحيدة والخالدة.

إن من الواجب على كل متعلّم في أي جانب من جوانب العلم وأقسامه ومدارك العقل وأحكامه وأفهامه أن يُعلّم الناس ما يعرف، وهي مسؤولية جماعية نتحملها أمام الله عز وجل، فلا تكرروا الأخطاء فتُصعقون بنتائج أشد من سابقاتها، لذلك فإن الحكمة السياسية تستدعي منا العمل على تقليل وتخفيف الصراعات في المجتمع ببناء وعيٍ صحيح في إطار ديننا الحنيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد