الواقع والتحديات

تشهدُ الأمةُ الإسلامية اليوم ثورة عظيمة في مجال الوعي السياسي لم يسبق أن عاشتها في تاريخها الحديث والمعاصر، ورغم التسلط والاستبداد في معظم بقاعها، ورغم الخلافات السياسية بين الدول والأنظمة، إلا أن هذه القشرة الخارجية تخفي تحتها وميضَ نارٍ ويُوشِكُ أَنْ يكُونَ له ضِرامُ، و إِنّ غَداً لنَاظِرِهِ قَرِيبُ.

ويتلخص واقع الأمة المعاصر في ستّ نقاط:

الأولى: تراجع مظاهر الانتماء للدولة القُطْرية، التي وَضَعتْ حدودَها «سايكس بيكو» وأخواتها، وعودة الانتماء الحقيقي للأمة الإسلامية؛ بعد ظهور المخطط الغربي الذي يستهدف الأمة الإسلامية كلها، وليس مجرد دولة من الدول، أو ثورة من الثورات.

الثانية: الميل الجارف لدى شعوب العالم الإسلامي قاطبة نحو الحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، وتوفير سبل العيش الكريم، بحيث أصبح من المستحيل نجاح أية محاولات لاحتواء حركة هذه الجماهير، أو حرفها عن مسارها. وقد اعترفت دول الغرب بخطورة هذا الحراك، وجنَّدت كل قواها لمحاربة هذه اليقظة.

الثالثة: استنفاد معظم الأنظمة الحاكمة في بلدان العالم الإسلامي لكل ما تملك من مخزون شعاراتها وأطروحاتها، بحيث لم تعد قادرة على إشغال المسلمين بأي شيءٍ جديد، يمكنها من تثبيت وجودها في الحكم، فقد سقطت شعارات القومية، والاشتراكية، والوطنية وغيرها، واستُهلكت واستنفدت كل هذه الدعاوى والدعوات، ولا يوجد لديها شيء جديد تقنع به عموم الناس.

الرابعة: انكشاف تبعية وعمالة الكثير من الحكام، بشكلٍ لافتٍ لا مجال لإخفائه، وانكشف دور الأنظمة الوظيفية التي زرعها الغربُ في أرضنا، ولم يعد المواطن العادي يفرق بين تصريحات المسؤولين الأجانب وحكام البلدان الإسلامية، فكلها تدعو لمحاربة الإسلام تحت مسميات الأصولية والتطرف والإرهاب؛ أدى هذا إلى ارتفاع وعي الشعوب الإسلامية بطبيعة المعركة وأطراف الصراع، وعرفتْ من معها ومن عليها، خاصة بعد الممارسات الوحشية ضد المسلمين في مصر وسورية وليبيا واليمن وأفغانستان والعراق وغيرها.

الخامسة: فقدان ثقة الشعوب الإسلامية بالمؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات القضاء، ومنظمات حقوق الإنسان، والقنوات الفضائية، والنخبة الإعلامية، بعد أن أظهرت الأحداث أن الجميع مجرد أدوات للقوى الصليبية تستخدمها في استعباد الأمة ونهب ثرواتها، واستنزاف خيراتها، وتعطيل نهضتها، وعرقلة وحدتها.

السادسة: ظهور عجز الأحزاب والجماعات الإسلامية التي تقوم على أسس السرية والهرمية التنظيمية عن حمل هموم الأمة، أو حلّ مشاكلها، بعد أن أثبتتِ التجاربُ فشلَها، وإفلاسَها، ودناءةَ بعضِ قادتِها، واختراقَها من كافة أجهزة الأمن والتخابر، وهنا يجب على الأمة أن تتقدم لتحمل المسؤولية بنفسها، والقيام بواجباتها، لتصبح المعركة معركة الأمة مع أعدائها، وليست معركة فصيل من الفصائل، أو جماعة من الجماعات، دون سندٍ شعبي أو حاضنة اجتماعية.

هذه النقاط الست توضح المسار الإجباري الذي تسير فيه الأمة، بتدبيرٍ من الله عز وجل، رغمًا عنها، وبلا إرادة منها أو اختيار؛ «لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».

والعزيمة الآن هي صيانة هذا الوعي من التبديد أو التزييف أو النسيان؛ حتى لا نشرب من ذات البئر جرعتين، ولا نُلدغ من نفس الجُحر مرتين. ومن لُدغ مرتان فليس بمؤمن.

يجب أن تظل هذه المآسي حاضرة في الأذهان، ويجب صيانة ذكرى هذه الممارسات الوحشية ضد أمتنا من النسيان، ويجب أن نحافظ على هذا الألم الذي في الصدور بلا تخدير أو مسكنات، فهذا الألم وحده هو الذي سيبقينا متيقظين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد