يختلف الحراك السياسي من آن لآخر, صعودا وهبوطا, شدا وجذبا, نجاحا وإخفاقا، لكن تبقى في عالم السياسة «مسلمات» لا تنحني للتقلبات السياسية، وحقائق لا تمتزج مع موجات الطوفان السياسي الهادر, هذه المسلمات ما هي إلا خلاصة تجارب أمم، وقراءة لأحداث التاريخ، واستقراء لمجريات العصر، ومن الحماقة أن نتغافل عنها إذا أردنا أن نتفاعل مع واقعنا بضمائر نقية ونيات صافية ورغبة صادقة في التغيير والإصلاح.

 

اﻷمم تبنى من القمة, من الرأس, مِن مَن يملك زمام اﻷمر، ودور الشعوب يأتي مكملا ومساعدا، وانظروا لوقائع التاريخ كدولة عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن الداخل ومحمد الفاتح ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وقطز, ومن التجارب المعاصرة: أردوغان تركيا ومهاتير محمد ماليزيا ولي كوان يو سنغافورة, وغيرهم.

ولا شك أنه كلما ارتقت ثقافة الشعوب، كان أداء المؤسسات السياسية أكثر فاعلية، لكن الثقافة أيضا تتأثر ابتداء بالمؤسسات، بمعنى أن إقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية ووضع منظومة شاملة لتحقيق الرخاء وللثواب والعقاب, هو الأسلوب الأول لارتباط الجماهير بدولها، وتعزيز انتمائها لنجاحها.

وهذا لن يتحقق إلا عبر المؤسسات السياسية النزيهة، والقضاء المستقل، ومؤسسات الرقابة الفعالة، والمجتمع المدني الحر، والأنظمة التعليمية المتقدمة، والجامعات الرصينة، والإعلام الحر, على أن يتم هذا كله طبقا لخطة وطنية مدروسة وعبر مدى زمني ممتد كما حدث ويحدث في دول كثيرة.

أولى أولويات الطغاة تجريف الشعوب تعليميا وثقافيا ﻻستنساخ قطيع من الشعوب يسهل اقتياده.

مشكلة الإصلاحيين والمخلصين ليست مع الطغاة فقط، بل مع النسبة الكبرى من الشعوب التي أصبح أفيونها «العبودية», إن ذهب طاغية يصنعون طاغية آخر.

ما أنفقه الزعماء الطغاة محتكري السلطة على القمع ومكافحة ما يدعونه باﻹرهاب أضعاف أضعاف ما أنفقوه ﻹقامة أمن ورخاء أممهم, لكنها سكرة العروش التي أحدثت فجوة بين أنظمة الحكم والشعوب المقهورة، وصارت الدولة ملكا للنخب السياسية الحاكمة فقط التي تعمل على ضمان بقائها بأي أسلوب كان وبأي تكلفة، والحفاظ على استقرارها وثباتها في مراكزها ومناصبها العليا، وقد تعمد هذه النخب إلى شن حروب أهلية ضد مواطنيها بواسطة أجهزة مخابراتها المتعددة.

في الأنظمة الاستبدادية يتم التزاوج بين السلطة التنفيذية والدولة، في حين أنّ الحكومة ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مؤقتة، وأنّ الدولة ومؤسساتها هي الدائمة وتهم جميع المواطنين.

نجح الليبراليون والعلمانيون في ترسيخ قناعة أن الحكم الإسلامي دموي لأبعد غاية واستغلوا فقه الحدود في الترويج لذلك، رغم أن أحداث التاريخ شاهدة على المجازر البشعة التي ارتكبها هؤلاء في حق الإسلاميين, فطريقة الفض الدموية للاعتصامات السلمية فضحت سياسة العلمانيين وتبين للجميع مَن الدمويين؟ ومَن اﻹقصائيين؟ ومَن الذين يحكمون بالنوايا؟ ومن الذين يحتكرون الرأي؟ اﻹسلاميين أم الليبراليين !!

السلطة الدينية العدو اللدود الخفي للملك الغاشم ﻷن سلطانها على القلوب, لذلك يختار الطغاة بعناية رجال الدين الذين يدينون لهم بالوﻻء ويبرعون في لي عنق النصوص الدينية كي تزين للناس باطل الحكم, ونستطيع أن نقرر أن من يتولى منصبا دينيا لحاكم ظالم تسقط عدالته.

تداول السلطة والتوزيع العادل للثروة مفاهيم ﻻ يستسيغها الطغاة, يقول د. عبد الله التركماني: «ولعل الإشكال المركزي الذي أعاق دور الدولة في تأمين سلامة الإنسان العربي راجع إلى افتقاد سلطتها إلى الشرعية الدستورية في أغلب الأحيان، فهي مفروضة على المجتمع، قائمة بإرادة غير إرادته، لا تعمل من أجله ولا مع أماني جماهيره ومصالحهم. فهي ليست دولة لها كل مكوّناتها القومية والدينية, إنها في الغالب دولة «فئة» مغتصبة كلَّ المكوِّنات الأخرى، تهيمن عليها زورا وخداعا باسم «الوطن»، مقدمة مصالحها الفئوية على المصلحة الجماعية. إذ أنّ أغلب البلدان العربية تحتل مواقع متقدمة في تقارير منظمة الشفافية الدولية عن حالة الفساد في العالم، فثمة فساد مالي وإداري كبير، وثمة استغلال للنفوذ من أجل مراكمة الثروات ولو على حساب مصالح المواطنين وسلامتهم، وثمة زبائنية ومحسوبية في الوصول إلى المراكز ومواقع القرار».

مع الاستبداد يتم مواجهة الطموح الشعبي للتغيير بالقوة، وعندئذ تطفو على السطح ظاهرة الاحتقان السياسي والاجتماعي، أما السجون فارتبطت بالسلطة الغاشمة, ليس لحبس الجنائيين كما يدعي الجبابرة ولكن لسحق المعارضين. فنظرة السلطات القمعية إلى المواطن نظرة تشكيكية ارتيابية، إن لم تكن عدائية، وفي المقابل فإنّ نظرة الفرد للدولة سلبية، متربصة، تعارضية، حتى إزاء الخدمات والمرافق العامة، خصوصا في ظل التمييز وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص وعدم احترام الحق في المشاركة وضعف الحريات.

النهضة في الدول الاستبدادية نهضة شكلية أكثر منها جوهرية, نهضة استهلاكية لا إنتاجية، تعتمد على الاقتصاد الريعي أو الموارد الذاتية لكل قطر، لذلك تباينت مستوياتها وأشكالها من قطر لآخر.

ما أكثر من يدورون في فلك الطغاة، وما أقل من يقفون في وجوههم, يقول الأستاذ عبد الفتاح ماضي: «إن أزمة العرب في الأساس هي أزمة مع النخب وثقافتها وليست مع الشعوب. فالنخب التقليدية هي التي تصدرت المشهد في أكثر من بلد عربي بدلا من إفساح المجال للشباب والطلائع التي حركت وقادت الحراك الشعبي، وهي التي صدّرت خلافاتها التاريخية وتناقضاتها الفكرية إلى الشعوب، وهي التي تصر على تحميل الشعوب كل الخطايا وتمارس كل أنواع الوصاية عليها، وهي التي ارتكبت الكثير من الأخطاء وفشلت في البناء والتأسيس».

الخيانة كان لها دور بارز في سقوط ممالك وفناء عروش.

يخطئ من يعتقد أن للمسارات السياسة قواعد تحكمها بل العملية السياسية وليدة اللحظة، فاليوم تحالفات وغدا تفككات، وقد تتشارك المواقف وبعد حين تتضارب, لكن تبقي الشفافية والعدالة اﻹطار العام للسياسة الناجحة ﻷنها تخلق نوعا من التناغم بين الحاكم والمحكومين وﻻ يوجد أقوى من الغطاء الشعبي في تدعيم مسيرة الساسة الناجحين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد