«عندما يضيع الحب يضيع الوطن»، قلتها ذات مرة مصدقًا كذبة الوطن الواحد، مستغرقًا في حلمي الوردي ذي البعد الوهمي، متشوقًا رؤية هذا الكيان ليحدد الزمن الذي سيرقع جسده المليء بالجراح العميقة التي أثقلت بقسوتها كاهل مواطنيه، لكن! لا بُد للحلم أن ينتهي فنفيق مع شعاراتنا المخدرة لواقعنا المصنوع من ممارسات ساسة بلادنا الأبطال، حيث منحونا شرف الحقد الدفين والمعلن لشعبنا حتى وصلنا إلى مرحلة المطالبات المتطايرة بالانفصال الفوري عن بعضنا تحت أي عباءة كانت.

تساؤلات كثيرة دقت الأذهان ودخلت بصخب افتراضاتها العشوائية دون استئذان، إذا أنتجت تكهنات مختلفة لم يعرف لأي منها صدى شفاف يضع النقاط على الحروف التائهة بين احتمالات هذا وتفلسفات ذاك، ما أودت بالشارع العراقي للعيش في جحيم المنادي بالمنقذ في ظل سيادة بيئة منظمة من التناحرات السياسية مطلقة الحدود بين السنة والشيعة والكرد ومن يتبعهم، والجدير بالذكر أن الأقطاب الأخيرة لا تتفق حتى على اختلافاتها، فهذا الثالوث يرتفع درجات في احتقانه الطائفي والعرقي المريض مقيمًا مشاريعه الإقصائية بقوة القوة على حساب الآخر. والحل الأخير حسبما سوَقه لنا الحاكم المدني «بول بريمر» من خلال المادة الدستورية (١١٩) عام (٢٠٠٤) والذي يدفع نحو الفيدرالية، وهكذا وصلنا إلى القناعة الحتمية التي لا تقبل التفاوض ولا الحوار، حيث أمسينا نحن العراقيون نتعطش للانفصال معتبرين إياه سر الحياة كما الماء، والآن ها هم سياسيونا الخجلون يخططون لإشباع مشاكلهم الانتقامية، ويوزعون قطعة الكعكة «الوطن» بينهم وبين أجدادهم الخارجيين.

العراق يقبل قريبًا على عملية سياسية كبيرة ضمن خطوات تغيير جذرية لم يشهدها منذ عام (٢٠٠٣) ولن يشهدها ربما مرة أخرى، وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار القرار المجتمعي الشامل بفشل تجربة توحيد الدولة على مدار (١٣) سنة ماضية، فالمنظومة التعايشية شائكة في برامجها المصلحية بين اللاعبين الأساسين في العراق، والشهوة السياسية تستدعي تطبيق نظام المحاصصة على الموارد الاقتصادية في ما يتعلق بالنفط بالدرجة الأساس بتصدره قائمة إجمالي الدخل بنسبة (٩٥٪)، ثم انتقالًا إلى المناطق المتنازع عليها فإن المتوقع توزيعها حسب مساحات الأقاليم التي سيتم الاتفاق على حدودها، ولحسن الحظ توحي المؤشرات بتقسيم البلاد باعتباره الرأي القاضي لاستقرار الحياة بين مكونات الشعب، علمًا بأن مخطط التقسيم الذي اقترحه «جو بايدن» عام (٢٠٠٦) يبدو أنه سيرى النور فيحول الدولة إلى (٣) أقاليم مستقلة حكمًا وسياسةً واقتصادًا، كالتالي (الإقليم السني) تكون تبعيته لتركيا بأدوات خليجية تمثل السعودية المعول الأبرز فيه، (الإقليم شيعي) تبعيته إيرانية حصرًا ضمن الخطة الإستراتيجية للامتداد التاريخي في المنطقة، و(الإقليم الكردي) تبعيته أمريكية خالصة إذ ربما أنه سيتحول إلى دولة مستقلة على المدى المستقبلي القريب.

العراق

السنة يطالبون ويسعون بشدة للانفصال الفوري عن الحكومة الاتحادية في بغداد، والتي يسيطر على مواقعها الحساسة شخصيات من المكون الشيعي، وهذا المطلب المستعجل نابع من عدم بقاء أي لغة تفاهم في التعايش السلمي وغير السلمي مع الطرفين، والسعودية لها دور جدي واضح في تشكيل هذا الإقليم، لكن التحدي الأكبر لهذا الإقليم هو غياب قيادة موحدة تقود الدفة السنية لبر الأمان وفقًا لرؤية دقيقة المعالم مع زيادة التخبطات السياسية وسلسلة عدم التنازلات بين الأطراف المكونة لهذه الفئة ما يدل على تأخر تشكيله، أما الإقليم الشيعي فهنا المعادلة تخضع لإرادة إيران وسياستها في نشر المشروع الشيعي بشتى الوسائل والإستراتيجيات حتى إن اضطرت لاستخدام السلاح والقوة، وفي هذه الحالة ستسعى أمريكا جاهدةً لبناء هذا الإقليم، وذلك لتقويض مصالح إيران وحصر أعمالها وتوريطها بمخالفات إنسانية سياسية هادفةً أضعاف وتقليل دورها في المنطقة، أما الكرد فكما عهدنا تبعيتهم التي كانت وستكون لأمريكا ضمن التخطيط العسكري الأمريكي في المنطقة لتوازن تحركاتها السياسية الضاغطة على دول الجوار، كما أن الحكومة الكردية ستستمر بتقمص دور المظلوم المهمش لاستحصال أكبر قدر من الأسلحة والأموال من دول التحالف الدولي، وذلك في طريق تحقيق الحلم الأزلي القديم بإعلان دولة مستقلة.

الأزمة السياسية العراقية قلبت مجريات الحياة الاقتصادية رأسًا على عقب، وحولت الحياة الاجتماعية إلى نوع من الصدمة الضاربة بجميع أجزاء العلاقات وظهور حالات سرقة البنوك والبيوت والاختطاف من جديد، والضرورة تلح بتشكيل إدارة سياسية تحقن الدماء بإشراف أممي عالمي، تكون لها السلطة العليا بحل المعضلات الوطنية، وبلا شك المشروع السياسي العراقي لن يتم الا بالانسجام الزمني المصيري الذي سيرتبط مباشرةً بالقضاء على تنظيم داعش وتحرير الأراضي العراقية التي يسيطر عليها، فالظروف المتغيرة ستكون سيدة الموقف والمفاجآت ستبقى ضبابية حتى يحن البيت الأبيض على أرواح العراقيين فيكشف عن أوراقه القادمة، وحتى ذلك الحين نعبر عن عشقنا الممنوع لأمريكا ونصرح «شكرًا».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد