مقدمة:

إن عملية بناء المفاهيم بالمعنى الذي نريده لا تقتصر على تحديد المعاني، التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة عن الركب الحضاري، وظهور صراعات الحضارات، وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة على الحضارة المغلوبة، وفي هذه الحالة تشوه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تُفرغ شيئًا فشيئًا ويعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة[1]، عليه فإن عملية بناء المفاهيم الإسلامية ضرورة منهاجية بالمعنى الواسع لكلمة «منهج» وما تتيحه من معانٍ ودلالات[2].

غير أن المفاهيم بذاتها تعلقت ماضيًا بفهم الذات، وتتعلق حاضرًا بالخطاب، وكذلك تتعلق مستقبلًا بتكوين الذات[3].

فقد بات مصطلح التغيير السياسي من المصطلحات الشائعة استخدامًا في العصر الحالي، وزاد من شيوع المصطلح ما سُمي بـ«الربيع العربي»؛ وإن كان تداول المصطلح من قبل؛ إذ أعيد النظر في صياغة العلاقة التعاقدية بين الشعوب وحكامهم، وأدى ذلك إلى التجديد في رؤية الفرد للحاكم، وكذلك الواجبات والحقوق المشتركة.

ويعد مفهوم التغيير من أكثر المفاهيم التي تنازعتها التيارات الفكرية والثقافية المختلفة، وقد انعكس هذا التنازع على المفهوم ذاته من حيث المعنى والدلالة، وكذلك ساهمت المعاني الغربية لهذا المفهوم بدورها في إضافة بُعد جديد إلى التنازع؛ إذ لم يقتصر احتلال المفهوم على المعنى، بما يعكس مسلمة أساسية هي أن التغيير على المستوى النظامي والحركي تخفق أهم جهوده نظرًا إلى عدم وضوح التأصيل الفكري والمنهجي لعملية التغيير والتجديد من المنظور الإسلامي.

وسنتناول في هذا التقرير عدة محاور رئيسة أولها: الأهمية العلمية والعملية لبناء المفهوم وثانيها: الإجراءات التي من الضروري اتباعها في عملية بناء المفهوم ثالثها: السياق التاريخي للمفاهيم ورابعها: نظرة حول المفهوم وآخرها: موضع مفهومي الثورة والاصلاح من مفهوم التغيير.

أولًا: أهمية بناء المفهوم

وبالحديث عن أهمية دراسة مفهوم التغيير السياسي بوصفه أحد المفاهيم الكلية في منظومة المفاهيم الإسلامية، نجد أن لهذه الأهمية جانبين أساسيين:

جانب الضرورة العلمية[4]:

إذ يتراكم النتاج العلمي بصدد قضية التجديد والتغيير بوصفه من أهم مسائل الرأي، دون محاولة لفحص هذا التراكم الذي اختلطت فيه التوجهات العلمية بالانطباعات الشخصية والذاتية، وتعرض معظم العلماء والمثقفين لهذا الموضوع من قريب أو بعيد بصورة مباشرة – أو غير مباشرة– على الرغم من ابتعاد تخصصات بعضهم عن الخوض في هذا الموضوع، وأسميت كثير من تلك المحاولات بالاجتهاد، وليس لها من مسمى الاجتهاد وفق أصوله ومقتضياته من نصيب، لأنها افتقدت المفهوم وغاب عنها المنهج، فضلًا عن عدم اهتمامها بالتأصيل وتأسيس المعيار.

ومن هنا تبرز أهمية التعرض لبناء المفاهيم الإسلامية خاصة، وتحقيق الضبط المنهجي في الدراسات الإسلامية عامة، وتقويم مداخل دراسة الواقع المعاصر في ضوء عناصر الرؤية الإسلامية وتكاملها.

جانب الضرورة العملية[5]:

إن قضية التغيير والتجديد من أهم القضايا التي تطرح على كافة المستويات: النظرية والنظامية والحركية، وهي على أهميتها وخطورتها وعلى كثرة الدراسات المتعلقة بها ما تزال تعاني كثيرًا من الغموض لعدة أسباب، من أهمها أنها قضية ذات طابع قيمي، وكذلك لأنها قضية من طبيعة فكرية وإنسانية عامة.

لذلك تبدو قضية الدراسة في مفهومها تثير إشكالًا قد يستعصي على الحل، وخاصة إذا ما تعلق بالرؤية الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي، وهذا القول لا يعبر بحال عن مبالغة من بيان مدى صعوبة البحث، ولكنه يعبر حقيقة عن ضرورة الاهتمام بالمتطلبات المنهاجية للخوض في دراسة من مثل هذه النوعية.

ثانيًا: إجراءات بناء المفهوم [6]

وتفترض عملية بناء مفهوم «التغيير السياسي» منا القيام بأكثر من عملية متشابكة، ومجموعة من الإجراءات حين الشروع في تلك العملية الكبرى.

أولًا: تحديد المفهوم وإلى أي تصنيف ينتمي بمعنى «نسب المفهوم» – إن صح هذا التعبير- هو جل اهتمام هذه الخطوة، لذا فنجد أن مفهوم التغيير السياسي ينتمي إلى حقل العلوم السياسية، ومن ثم العلوم الاجتماعية؛ وإن اتسمت عملية التغيير بشكل عام، والتغيير السياسي على وجه التخصيص، بالدينامية – لا شك– في أن ذلك يرجع لنسبها.

ثانيًا: تحديد المقاصد التي من أجلها تتم عملية البناء، نجد أن المقصد الرئيس من عملية بناء مفهوم التغيير السياسي في الإسلام هو وضع عملية التغيير السياسي وانتشالها من حيز التغريب والتشويش والتفريغ الذي أصابها.

ثالثًا: ثم البحث عن هوية المفهوم من حيث «مرجعيته– ومصدريته»، بما يفيد في النظر إلى سيرة المفهوم وذاته وتطوره، وإن كان قابلًا للتطوير، أو التعديل، أو الإضافة، أو الإسقاط؛ ويكفي هنا أن نشير إلى أن مصطلح التغيير ورد في القرآن في ثلاثة مواضع مختلفة، كما سيرد الذكر بشيء من التفصيل، غير أن التراث الإسلامي يعج بالحديث عن عملية التغيير السياسي «المفهوم، والأبعاد، والمصدر، والآليات، والمراحل، والأنواع».

رابعًا: وفي ضوء الخطوات الثلاثة السابقة «الإسناد– المقاصد– الهوية» يجري البحث في الوضعية الراهنة للمفهوم «ما آل إليه المفهوم من تعامل»، سواء في بنيته المعرفية، أم في البنية المعرفية الناقلة؛ وهنا تجدر الإشارة إلى أن عمليات التغيير الراهنة تشي بأن المفهوم مر بالعديد من المراحل بدءًا من نشأته إلى الشكل الحالي.

خامسًا: تشكل العناصر الأربعة السابقة «الإسناد– المقاصد- الهوية– المآل» مستلزمات أساسية لاتخاذ المواقف تجاه المفهوم: تجاه «اللفظ»، «المعنى»، «اللفظ والمعنى»، «أثر تركيب المفهوم وبساطته على الموقف من المفهوم».

سادسًا: وبناء على الموقف الواعي من المفهوم تجري عمليات «المراجعة»، «النقد».

سابعًا: وفي ضوء الموقف المفاهيمي، وعناصر المراجعة للمفاهيم، وحيثيات النقد، تبدأ خطوة مهمة في تحديد إعادة البناء وفق إجراءات محددة وقواعد منضبطة وغايات دقيقة.

ثامنًا: وعلى أساس ملاحظة مآل المفهوم، والموقف الواعي المستند إلى دليل، وعناصر المراجعة، وقواعد النقد؛ يجري تبني المفهوم، أو ربما رفضه، أو التحفظ عليه أو على أحد جوانبه.

تاسعًا: عملية إعادة بناء المفهوم أو بنائه تتطلب إنشاء علم ضمن أصول الفقه الحضاري، ويمكن الإشارة إليه بأكثر من مسمى «هندسة المفاهيم»، «العمارة المفاهيمية»، يتضمن الإشارة إلى «نماذج من المصادر»، «كيفية استخدامها»، «التعامل معها»، وسائل البناء، وحدات البناء، كيفيات البناء، الموضع من العمارة المفاهيمية، والوزن والتأثير، ودراسة مقارنة من آثارها في العمليات المنهجية والبحثية «الرصد– الوصف– التحليل– التفسير– التقويم».

ثالثًا: السياق التاريخي للمفاهيم[7]

ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المفهوم من ناحية، وبين الواقع أو السياق التاريخي الذي يظهر فيه (أي المفهوم) من ناحية أخرى، والسؤال الأساسي هنا هو أيهما أكثر تأثيرًا في الآخر وأقل تأثرًا به: المفاهيم أم الواقع والسياق التاريخي؟ أم أنه لا توجد قاعدة واحدة مطرده تتحكم في ضبط علاقة التأثير والتأثر هذه، أو في تحديد اتجاهها؟

وإذا كنا نسلم – بدايةً– بوجود تلك العلاقة، فما الآليات العملية التي تجري خلالها في الواقع؟ وما علاقة هذا بمسألة بناء المفاهيم، أو ظهورها، وتطورها، وانتشارها أحيانًا، وهبوطها وانحلالها أحيانًا أخرى؟

إن الهدف الأساسي من البحث في علاقة المفهوم بسياقه التاريخي في مجتمع معين هو محاولة التعرف على أثر «عامل الزمن»: من حيث طوله وقصره، وما يتفاعل فيه من أفكار وأشخاص وأحداث. وما التحولات التي تطرأ على المفاهيم والمصطلحات أو على الواقع الذي تنتشر فيه حقبة من الحقب؟

ونظرًا إلى أن كل إجابة من إجابات هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسة منفصلة؛ ولأن هذه الإجراءات – السابق ذكرها- تحتاج إلى مجهود بحثي أكبر وتفصيلات أكثر – والتي نرجو من الله أن يوفقنا لاستكمالها- فإننا سوف نلقي نظرة سريعة حول مفهوم التغيير السياسي، وكيف بدأ وكيف جرى تناوله.

رابعًا: حول مفهوم التغيير السياسي

قبل الحديث عن التغيير السياسي مفهومًا معاصرًا والـدخول فـي تفاصـيله وحيثياتـه المختلفة، لا بد ابتداء من تقديم تعريف ولو مختصر لمفهوم التغيير بشكل عام، ومن ثم الانتقال للحديث عن التغيير السياسي بمفهومه الواسع العام والمحدد الخاص، إذ يشكل مفهوم التغييـر الحاضنة لمفهوم التغيير السياسي.

التغيير لغةً: لمعرفة دلالة التَّغْيير لا بد من معرفة مفهوم مادة «غَير» ومعناها في اللغة، إذ نجدها تدور على أصلين، هما:

* إحداث شيء لم يكن قبله.

* انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى.

فمن الأصل الأول «غير الشيء» أي جعلَه غَير ما كَان، و«غَيره»: حولَه وبدَله، ومـن الأصل الثاني «الغِير»، أي: تَغَير الحال وانتقالها من الصلاح إِلى الفساد.

والتغيير في المعجم الوسيط: جعل الشيء على غير ما كان عليه[8] أما فـي العلوم الاجتماعية فيعني: «التحول الملحوظ – في المظهر أو المضمون- إلى الأفضل»[9].

التغيير في القرآن:

لقد جاء مصطلح التغيير في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع مختلفة في سور مدنية النزول.

1 – في سورة النساء[10] «وَلَأمُرَنَهم فَليُغيّرن خَلقَ الله» يشير العلماء إلى أن التغيير هنا يعني تغيير فطرة الناس المبنية على الإسلام أو تغيير الحلال حرامًا والحرام حلالًا، إذ تشير هذه الآية الكريمة إلى غواية إبليس للبشر[11].

2- فيما جاءت في سورة الأنفال في إشارة إلى تغير نعمة الله على عباده إن هم قابلوا نعمه بالكفر والفسق والعصيان في قوله تعالى: «ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» [12]

3- وفي سورة الرعد بمعنى تغير ما بأنفس القوم إذ يقول عز وجل «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[13].

التغيير السياسي عند المودودي*:

يعد المودودي من أبرز المفكرين الإسلاميين في العالم الذي كان له أثر عميق في أفكار سيد قطب.

ينطلق أبو الأعلى المودودي في تحديده لمنهاج التغيير السياسي من فهمه للحضارة الإسلامية، إذ يرى أن مفهوم التغيير السياسي يندرج تحت عدد من المحددات يمكن إيجازها بما يلي:[14]

  • أن الهدف الأسمى للتغيير السياسي هو إقامة الدولة الإسلامية التي تطبق القانون الإلهي، وأن هذا التغيير هو من واجب كل المسلمين الذين من واجبهم العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تقيم الشرع وتنشر الدعوة في العالم.
  • هناك مراحل حتمية لعملية التغير السياسي تستمد من القرآن الكريم، والسنة النبوية والسيرة، وبالتالي فإن المودودي يرى أن أي عملية تغيير يجب أن تقتدي بتجربة الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم- وإلا فإن مصيرها الحتمي هو الفشل.
  • يرى المودودي أن التغيير السياسي هو تابع للتغيير الاجتماعي؛ فالدولة الإسلامية هي حصيلة التغيير النفسي والاجتماعي.
  • يرى المودودي أن أدوات التغيير مرتبطة بقدرات الإنسان واجتهاداته، ويستخدم مصطلح التجديد الإسلامي للدلالة على المصطلح، إذ يقصد به تحرير الإسلام من كل أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا قدر الإمكان.

وما يزال مفهوم التغيير – خاصة في الحالة العربية- يكتنفه الكثير من الغمـوض، وذلـك لتداخله مع العديد من المفاهيم السابقة على مستوى الفهم والممارسة، ومع ذلـك فإنـه يمكـن استخدام التعريف التالي لمفهوم التغيير السياسي للدكتور عبد الإله بلقزيز بوصفه واحدًا مـن أفضـل التعريفات التي تناولت التغيير السياسي المعاصر وأشملها: «التغيير والتعديل نحو الأفضل لوضع شاذ أو سيئ، ولا سيما في ممارسات وسلوكيات مؤسسات فاسدة، أو متسـلطة، أو مجتمعـات متخلفة، أو إزالة ظلم، أو تصحيح خطأ أو تصويب اعوجاج[15]».

كما يتسم مفهوم التغيير السياسي بنوع من الشمولية والاتساع، ويقصد به أيضًا كما جاء في موسوعة العلوم السياسية: «مجمل التحولات التي تتعرض لها البنى السياسية في مجتمع ما، بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها أو دول عدة، كما يقصد به الانتقال من وضع لا ديمقراطي استبدادي إلى وضع ديمقراطي أو دستوري[16]».

تثير هذه التعريفات المتعددة للتغيير السياسي تساؤلًا فيما إذا كان يقود بالضرورة إلـى وضع أفضل من الوضع السابق؟ إذ يرى دعاة وأنصار الفكر الماركسي أن كل الإصلاحات والتغييرات التي يمكن أن تحدث في الفكر الرأسمالي لا جدوى أو قيمة لها؛ لأنها عاجزة كليًّا عن حل تناقضات النظام الرأسمالي البشع، وهي لا تهد ف إلا إلى استمرار سيطرة الطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة واستغلالها، وبالتالي فإن وظيفتها الأساسية هي تأخير قيـام ثـورة الطبقـة الكادحة على النظام الرأسمالي، فالثورة هي الحل الوحيـد للمشـاكل السياسـية والاقتصـادية والاجتماعية[17].

أما الإسلاميون في الوطن العربي فيرون أن كافة الإصلاحات والتغييرات التي تتبناها الأنظمة العربية لن تفلح في حل مشكلات وأزمات المجتمعات العربية، وذلك كون هذه الأنظمة تعاني من خلل بنيوي أساسي قائم على استبعادها الإسلام بوصفه حلًّا لهذه المشكلات، واعتمادها على حلول أخرى ذات خلفيات وأيديولوجيات غير إسلامية، وهي ترسم صـورة واضـحة لعمليـة التغيير عبر تبني الحل الإسلامي ونظام الحكم الإسلامي.

ويبرز هنا أيضًا تساؤل آخر حول المدى أو الحجم الحقيقي للتغيرات المطلوبة، بحيث يمكن أن تندرج تحت مفهوم التغيير السياسي؟ فأحيانًا يمكن إحداث تغييرات رمزية أو صورية أو تجميلية في مؤسسة معينة أو سياسة ما، فهل في حقيقة الأمر يمكن عد ذلك تغييرًا أم إصلاحات قد تكون مبتورة بلا جدوى أو مضمون. وبالنظر إلى التعريف الذي يرى أي تغيير حقيقي يعني الانتقال من وضع إلى وضع مغاير كليًّا فإن التغييرات المحدودة أو الشكلية أو الصورية ذات الأثر المحدود لا يمكن أن تدخل ضمن نطاق مفهوم التغيير[18].

خامسًا وأخيرًا: التغيير: الثورة والإصلاح

نتناول – بالتفريق– مفهومي الثورة والإصلاح نظرًا إلى أنهم من القضايا التي تشترك في بعض الجوانب مع قضية التغيير السياسي.

فالثورة – ككثير من قضايا ومباحث وتطبيقات العلوم الاجتماعية والسياسية الإنسانية– مما تتعدد لها وفيها التعريفات، فهي نقطة تحول في الحياة الاجتماعية، تدل على الإحاطة بما عفا عليه الزمن، وإقامة نظام اجتماعي تقدمي جديد؛ وهي وفي التعريف الذي يفضله د. محمد عمارة – العلم الذي يوضع في الممارسة والتطبيق، من أجل «تغيير» نظم ومجتمعات الجور والضعف والفساد تغييرًا جذريًّا وشاملًا، والانتقال بها من مرحلة تطورية معينة إلى أخرى، أقل قيودًا، وأكثر حريةً، وأبعد في التقدم، الأمر الذي يتيح للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في هذا «التغيير» أن تأخذ بيدها مقاليد القيادة، فتصنع الحياة الأكثر ملاءمة وتمكينًا لها، محققة بذلك خطوة على درب التقدم الإنساني نحو مثله العليا، التي تظل دائمًا وأبدًا زاخرة بالجديد الذي يغري التقدم، ويستعصي على النفاذ والتحقيق[19].

والثورة، في علوم الاجتماع الغربية، هي غير «الإصلاح» لأن الإصلاح في تلك العلوم، لا يعني التغيير الجذري والشامل وإنما: الترقيع، والتغيير الجزئي السطحي؛ أما في الإصلاح العربي والإسلامي، فإن المغايرة بين الثورة والإصلاح، في هذا المقام غير قائمة، والتمييز بينهم يجري بناءً على الأدوات والأساليب[20].

خاتمة:

إن تبني المفاهيم التي تفرض علينا نتيجة لعملية التغريب القائمة دون مراجعتها يفرض اتخاذ مواقف سلبية من الدين والتراث والسلف من جانب، ومن جانب آخر يؤدي إلى عدم وضوح أساس للحركة ومقاصدها، وبناء مشروع حضاري للمستقبل يتخذ من الغرب القدوة والقبلة في كل ذلك.

فكان من الضروري إعادة النظر في معظم مقولات الحضارة الغربية ومراجعتها على أساس من نسق قياسي لمفهوم إسلامي، مثل مفهوم التغيير، وهو ما يحقق الضبط في النظر، مع مراعاة اتخاذ المواقف الفكرية الواضحة التي تتسق مع الحركة الحاضرة والمستقبلية.

[1] صلاح إسماعيل عبدالحق، توضيح المفاهيم: ضرورة معرفية، في: بناء المفاهيم ص ص 22: 23.

[2] سيف عبدالفتاح، بناء المفاهيم الإسلامية: ضرورة منهجية في: بناء المفاهيم ص 53.

[3] محاضرة غير منشورة للدكتور إبراهيم البيومي بعنوان «مدخل بناء المفاهيم» بمركز الحضارة للدراسات السياسية بالقاهرة.

[4] المرجع السابق ص323.

[5] المرجع السابق + يحيى هاشم فرغل، مفهوم الضرورة العملية، مدخل العقيدة الإسلامية، القاهرة، مطبعة طنطا (1985)، (ص 270).

[6] سيف عبد الفتاح (مرجع سابق)، مقدمة أساسية حول عملية بناء المفاهيم، ص 28.

[7] إبراهيم البيومي، السياق التاريخ والمفاهيم في: بناء المفاهيم ص 107.

[8] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، ط 2004،4، ص 668.

[9] صافي الياسري: «التغيير»، موقع كتّاب من أجل الحرية، -http://www.iwffo

[10] سورة النساء: 119

[11] عبد الحكيم درقاوي، مفهوم التغيير في القرآن الكري م، موقع آفاق للشريعة، 16/ 1/2010.

[12] سورة الأنفال: 53

[13] سورة الرعد: 11

* أبو الأعلى المودودي: (1903- 1979)، ولد بمدينة «جيلى بورة» القريبة من أورنج أباد في ولاية حيدر أباد بالهند من أسرة مسلمة محافظة اشتهرت بالتدين والثقافة، أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، كان ظاهر هذه الجماعة هو الإصلاح الشامل لحياة المسلمين على أساس الفهم الصحيح النقي للإسلام، تأثر بأفكاره عدد من مفكري جماعة الإخوان المسلمين.

[14] محمد سليمان: التغيير السياسي عند المودودي، 2003.

[15] عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الأيوبية، 1998، ص.13.

[16] إسماعيل صبري وآخرون: موسوعة العلوم السياسية، مرجع سابق، ص 4.

[17] أولدوف أ ك: الوعي الطبقي، ترجمة ميشيل كيلو، بيروت، دار ابن خلدون، 1978، ص 74.

[18] منى خويص: الأبواب المغلقة، دراسة حول أزمة التغيير في العالم العربي، بيروت، دار الفارابي ص 166 – 155.

[19] د. محمد عمارة، الثورة، في: معركة المصطلحات ص138.

[20] المرجع السابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد