يمر المشهد السياسي الجزائري بمرحلة متسارعة من الأحداث، لم تشهدها الجزائر المستقلة، فعلى بُعد خطوة من تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 18 أبريل (نيسان) القادم، والتي أعلنت الرئاسة عن إلغائها دون سند دستوري، عرف الشارع الجزائري غليانًا اجتماعيًّا بمطالب سياسية، رافضًا ترشح الرئيس المنتهي ولايته «عبد العزيز بوتفليقة» لولاية خامسة، قبل أن يعلن الأخير عن العدول عن الترشح للرئاسة، مع إجراء ندوة وطنية.

قابل الشارع الجزائري هذه التنازلات بالرفض، مطالبًا الرئيس بالاستقالة، وعدم تمديد ولايته الرابعة، وبتغيير جذري للنظام السياسي، وإجراء تعديلات دستورية معمقة، وإصلاحات سياسية، واجتماعية، واقتصادية تُعيد للمواطن الجزائري عزته وكرامته، ممهدة للتوزيع العادل للثروات بين فئات المجتمع المختلفة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، تحفظ وتحافظ على مواطنة الفرد الجزائري.

شكلت الاحتجاجات السلمية التي تعرفها الجزائر، بداية انهيار العقد الاجتماعي أو نهايته، ذلك المبرم بين السلطة والشعب، وقد عَرَّف «جان جاك روسو» فكرة العقد الاجتماعي: «بأنها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أي بين السلطة الحاكمة والشعب». وقد عبَّر الشعب الجزائري عن موقفه السياسي الرافض لهذا العقد، ما يجعل هذا الأخير ملغى.

رغم كل المحاولات المكثفة من طرف السلطة الرامية لإعادة ذلك التوازن بين نظام الحكم والشعب، أي بين تلك الزمرة المتعلقة بحلم تحقيق مطلب الاستمرارية للرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» عن طريق التمديد، بعد إسقاط فكرة الولاية الخامسة، وإرغام الشعب لقبول فكرة أن التغيير بيدها، وأي تغيير خارجها يعتبر خطرًا يهدد أمن واستقرار البلاد، إلا أن الشعب رفض رفضًا قاطعًا لكل حل تكون فيه السلطة طرفًا.

إن مثل هذه الشعارات والمواقف السياسية غير المدروسة من طرف النظام الحاكم في الجزائر، إنما هي جرأة سياسية محفوفة بالعواقب والأخطار، وجهل كبير بالمجتمع الجزائري، الذي عبر عن رفضه القاطع لكل السيناريوهات التي تطبخها العلبة السوداء داخل هذا النظام، واستخفاف بالشعب الجزائري الذي صمت لمدة 20 سنة كاملة؛ قاد فيها الرئيس عجلة النمو والتطور إلى الوراء، عن طريق أحزاب السلطة المنطوية تحت لواء التحالف الرئاسي، التي جعلت من شعب بلد المليون ونصف مليون شهيد، مسخرة في كل العالم.

إن هذا الحراك الذي تعرفه الجزائر ليس ربيعًا، ولا خريفًا، ولا شتاءً، ولا صيفًا كما يعتقدون، بل هو صرخة أحفاد «فاطمة نسومر، والمقراني، وأبناء عميروش، وسي الحواس، وورثة عبان رمضان، ومصطفى بن بولعيد، وزيغود يوسف، وابن مهيدي». الذين لبوا نداء مقاطعة النظام السياسي، الذي لم يحافظ على الجزائر في فترة البحبوحة المالية، والرئيس بصحة جيدة، فكيف له أن يحافظ عليها في ظل الأزمة الاقتصادية والرئيس غائب؟!

أصبح الجزائري يحلم بالتغيير المقصود، نحو الأفضل الذي يختاره بطرق ديمقراطية وسلمية، قبل أن يقع في فخ التغيير البديل، وغير المقصود الذي عايشه خلال التسعينيات من القرن الماضي؛ فالتغيير الذي يطالب به الجزائريون هو الذي يأتي بالحلول وليس بالأزمات، والذي تقوده نخبة من خيرة أبناء الوطن، الذين يؤمنون بدولة القانون وحماية الحريات، وبالواقعية السياسية بعيدًا عن الاستغلال باسم الأيديولوجية، والدين، والعرق، والذين يؤمنون بالبراغماتية أو النفعية باعتبارها مبدأ للتعامل السياسي لصالح الوطن، بعيدًا عن النرجسية السياسية، والخطابات الشعبوية التي يختزل هدفها في إخضاع الشعوب والأمم لا بنائها وتطويرها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد