تبدو الحالة اللبنانية للمتابع مع تطوراتها اليوم، حالة حراك شعبي ضد فساد طبقة حاكمة، وكما في العراق اليوم وسوريا سابقًا فإن هذه الحالة مشتركة بين شعوب تحكمها ديكتاتوريات الفساد، أو سلطة أمراء الحرب، لكن لتتبع مشكلة الشرق والانحياز الطائفي فيه علينا أن نستنطق التاريخ القريب.

بدأت الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف سبعينات القرن الماضي، كحالة لتراكمات خلافات الصراع على الحكم الذي أسس له الميثاق الوطني برئاسة رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، الميثاق الذي أنهى الانتداب الفرنسي بتاريخ 1943. وفيه تقاسم للسلطة بين مختلف الطوائف اللبنانية

لم يكن عامل الطائفية حاسمًا في دفع بلد مختلف الانتماءات كلبنان إلى أتون حرب أهلية، لكن دخل عاملان جديدان على الساحة دفعت في البلاد إلى الانحلال كمفهوم وطن والتحول لمفهوم محاصصة.

العامل الأول: المخيمات الفلسطينية وتشكل منظمة التحرير الفلسطينية وارتباطها بالكتلة الوطنية اليسارية برئاسة كمال جنبلاط، في المقابل تشكل الجبهة اللبنانية لتضم الأحزاب المارونية اليمينية، إذًا تحولت الطائفة من علائقية دينية إلى علائقية سياسية (ويمكن تتبع هذه العلائقية بملاحظة قادة الطوائف اللبنانية، فكمال جنبلاط وكميل شمعون، وبيير جميل، وسليمان فرنجية) هم قادة جهوية لهم زعامة اجتماعية لا زعامة دينية.

العامل الثاني الحاسم: هو دخول القوات السورية إلى لبنان تحت ذريعة قوات حفظ السلام أولًا، ثم تحولها «قوات الردع» المشكل بالكامل من القوات السورية تحت مظلة الجامعة العربية. هذان العاملان لعبا الدور الأساس في تحول المواجهات المشتعلة مسبقًا اعتراضًا على التسليح الفلسطيني داخل المخيمات بين اليمين اللبناني متمثلًا في الموارنة، واليسار اللبناني مدعومًا  بالقوى الفلسطينية، ومؤيدًا شعبيًا من المسلمين إلى ما بات يعرف بالحرب الأهلية وكلاهما عام 1976.

مرحلة الوصاية

مع دخول القوات السورية إلى لبنان أعلنت القيادة السورية أنها دخلت البلاد للدفاع عن المسيحيين (شهادة جوني عبدو رئيس شعبةالمخابرات العسكرية زمن الحرب، وأمين جميل الابن الأكبر لبيير جميل مؤسس حزب الكتائب).

في تأسيس واضح لبداية صراع طائفي عميق، انجرت له سوريا ولعبت فيه دورًا محوريًا، فقد عمقته باغتيالات الزعامات السياسية المختلفة، كاغتيال كمال جنبلاط زعيم الكتلة الوطنية بتاريخ 1977؛ ما أدى إلى تأسيس صراع بين الدروز والمسيحين، وأثمر بمقتل 144 مسيحيًا في منطقة الشوف، تسهيل مجزرة إهدن بقيادة حزب الكتائب وتنفيذ سمير جعجع، دعم قائد ميليشيا الجناح العسكري لحزب الكتائب بشير جميّل في الوقت الذي كان يتلقى فيه الدعم الإسرائيلي، ثم اغتياله بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 14 سبتمبر (أيلول) 1982، الاغتيال الذي أدى بدوره لمجزرة صبرا وشاتيلا تحت غطاء الاحتلال وبتوافق سوري بتاريخ 16 سبتمبر 1982، تأسيس حركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري على قاعدة حركة المحرومين التي أسسها الإمام موسى الصدر، وتشكيل قوات الصاعقة وعمالة الجبهة الشعبية القيادة العامة داخل منظمة التحرير بقيادة أحمد جبريل، لمحاربة ياسر عرفات الذي رفض القبول بظل الدولة السورية على منظمة التحرير وبداية حرب المخيمات بتاريخ 1985، وانتهاءً بدعم حزب الله اللبناني الذي بدء كحركة مقاومة شيعية بدعم إيراني، بعد أن تبين للسوري الدعم الشعبي الشيعي للحزب على حساب «حركة أمل» التي أسسها.

مرحلة المحاصصة بين أمراء الحرب

أسس اتفاق الطائف بتاريخ 1989 بتوافق عربي – أمريكي إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، على أساس تشكيل نظام محاصصة طائفي على الشكل المعروف، تقاسم بارونات الحرب النظام السياسي، وتحولت الطائفية الدينية  إلى طائفية سياسية، ترأس نبيه بري قائد حركة أمل الشيعية المؤسسة بدعم سوري كامل رئاسة مجلس النواب لست فترات متوالية حتى اليوم، دخل الجنرال عون مخطط حصار مخيم تل الزعتر 1976 هذه المنظومة بعد عودته من منفاه في باريس، وتشكلت حركة «14 آذار» بتوافق الحريري السني مع «الكتائب» و«التقدمي الاشتراكي» برئاسة وليد جنبلاط، وسمير جعجع، فرقاء الحرب السابقين، لتبدأ مرحلة محاصصة قائمة على إتباع الشعب لزعماء أُجبروا على القبول بهم، دون إمكانية التفكير في غيرهم، ليستغل الفرقاء اتفاق التقاسم، لتشكيل حالة من وجاهة السلطة أسستها حالة الانتماء المضطر في سنوات الحرب للزعماء التقليديين، ودفعت ببارونات الحرب ليتسلموا البلد حتى اليوم، اضطرت سوريا إلى إنهاء الوصاية بعد اغتيال الحريري في 2005، وتحول لبنان وطنًا يتقاسمه بارونات حرب محركهم الوحيد النفوذ والسيطرة والسلطة، واستغلال الوجاهة والزعامة الطائفية لتحقيق هذه المصالح الفردية.

لم يتم تأسيس الحرب الأهلية على غطاء طائفي تمامًا، رغم استغلال عامل الخلاف الموجود مسبقًا، فالقيادات السورية التي تسلمت الملف اللبناني (عبد الحليم خدام – السني، غازي كنعان – العلوي، رستم غزالي – السني) لم تكن خلفيات طائفية بقدر ما كانت تأسيس لسلطة وصاية، انتهت الوصاية السورية مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري 2005، لتبدأ الثورة السورية بتاريخ 2011، وتتبع القيادة السورية النموذج الذي انتهجته وخبرته في لبنان، لقمع الحراك الشعبي، وتحويل البلد إلى معسكرات طائفية وتفتيت الأرضية الثابتة للوطن السوري إلى صراعات طائفية مخترعة استغلت أصولية دينية متصاعدة ثمرة سقوط السوفيات والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان.

والسؤال المهم: هل المشرق العربي موبوء بالطائفية والتعصب الطائفي؟

يجيب عليه الدكتور مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور بأن مثلث «العصبية الطائفية، الأصولية الدينية، الاستبداد» مؤسس للتخلف العربي، وحل هذه المشاكل يجب أن يسبق أي سؤال حول الديمقراطية، لكن لماذا لا تتمظهر الطائفية إلا وقت الأزمات والخلاف حول السلطة؟ لماذا تتعايش منطقة المشرق العربي في أوقات السلم بتوافق وحالة زواج وتعايش أقرب لحالة اندماج؟

يجيب الدكتور عزمي بشارة في كتابه الموسوعي الأخير «الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة» الكتاب الأفضل الذي حلل الارتباط السياسي الطائفي بشكل عميق وجذري، بأن الطائفية في الدولة الحديثة تختلف اختلاف جذري عن مذاهب وملل ونحل العصر الوسيط، وأن المصطلح هنا مصطلح استعارة، فالطائفية في الدولة الحديثة في المشرق العربي لا تلعب دور العصبية المؤسسة للدولة عند ابن خلدون، لكنها تتحول مع التشكل والتأسيس للدولة، إلى أداة استعمال سلطوي، تتحول الطائفة من دينية إلى اجتماعية سياسية، تستغلها الدولةفي تثبيت سلطتها بدءًا، ثم تستدعيها في أي حالة ضعف أو تخلخل، بوصفها حصن التفاف متخيل، وما يدعم هذه النظرة أن الحرب السورية لم تنتج صراع طائفي بالشكل الديني، وإلا لما التفتت قيادات من انتماءات مختلفة حول السلطة.

مشكلة المشرق العربي كانت ومازالت مشكلة صراع بين سلطة ديكتاتورية فاسدة ومصالح أفراد السلطة وشعب يريد الخلاص من التسلط والفساد، ومهما حاولت لعبة المصطلحات تحويلها حربًا أهلية تختفي معها الوجاهة الأخلاقية للثورة، وحتى لو حاولت الأطراف المختلفة ابتلاع الطعم الذي ترميه السلطة بحالة الخوف والانتماء والالتفاف حول الطائفة وامتداداتها الإقليمية، فإن المشكلة كانت وستظل ثورة ضد استبداد وتسلط.

هناك خلاف حقيقي، لكن الخلاف ليس بين جماعات متخيلة أو أحزاب وطوائف دينية ومهما عمّق غياب الوعي السياسي لدى شعوب المنطقة هذه النظرة، وانجرارهم خلف مشاريع عابرة للحدود سهلت لها السلطة الطريق كي تدعم وتؤسس هذه النظرة.

ليتساوى الجلاد والضحية أخلاقيًا، فإن القضية مختلفة ومشكلة الشرق ليست في استحالة تعايش أطرافه المختلفة الانتماءات تحت ظل المواطنة، إنما الخلاف الجوهري خلاف الاستبداد والشعب.

والجواب على هذا الخلاف، جواب قادم، يختنق به المشرق العربي، مهما بدا بعيدًا ومستحيلًا في عقول المنفيين المبعدين، مهما استبعدته حالة القهر والعجز، مهما حولته السلطة إلى صراعات مختلفة هي المنتصرة فيها دائمًا، ومهما بدا جوابًا مهزومًا ومنتهيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد