بعد كثرة القيل والقال عن حمس وقياداتها

موجة الوباء الأخيرة التي أصابت العالم، والتي قد نالت الجزائر قسطًا غير يسير منها، خلف أربع حالات وفيات وما يزيد عن الخمسين حالة تأكد إصابتها ومئات من المحتجزين تحت الحجر الصحي، والذين هم في مستشفيات الوطن يعانون الأمرين بطبيعة الحال، فهذا هو حال الصحة العليلة في وطننا، كل هذا خلف حالة من الهلع داخل الوطن لم يسبق لها مثيل، خاصة وأنها تزامنت مع أزمة اقتصادية حادة تلوح في الأفق الجزائري.

العديد من الجزائريين المتابعين للشأن الدولي وصفوا فيروس كورونا بأنه «تكتيك سياسي» جديد يستخدمه النظام الحاكم في الجزائر وسيلة لإضعاف الحراك الشعبي ووسيلة للضغط على المحتجين للعودة لبيوتهم، خاصة بعد أن جاء القرار الجزائري بتفعيل الخط الجوي الجزائر – بكين والتي اعتبرها الجزائريون مصدرًا للداء وبؤرة له، كما أن التماطل الذي لاحظه الجميع في اتخاذ قرارات حاسمة في قطع الرحلات الجوية والبحرية من وإلى الدول الأوروبية والتي بها آلاف الحالات المصابة أعطى هذا الرأي نوعًا من المصداقية ونوعًا من القبول داخل النازلين للميادين من حراكيين كل جمعة، أضاف لهذا الأمر الاعتقالات التي طالت أناسًا أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم عبروا عن رأيهم بسلمية، في محاولة واضحة لتكميم الأفواه وقمع للحريات التي يكفلها الدستور بنصه الصريح في المادة 49 منه.

رغم أن هذا الفرض والذي يبدو مصادمًا للواقع وللعقل قليلًا، إلا أن هذه الدهشة منه قد تؤز البعض للغوص في غيابات جب الحيرة من مصدر الطرح، ولعل الإشكال الناجم عن هذه الحيرة من سبب السذاجة في تصوير الأمر يقودنا لوضع سؤال بالصياغة التالية:

ماذا لو كان الكورونا فيروسًا فكريًّا؟

لا شك وأن طرح السؤال بهذه الصيغة سيعرض صاحبه للسخرية من طرف العوام وسيجعل المخاطب والقارئ يضحكان في الحالة العامة، وفي أحسن الأحوال يستغربان من هذا السؤال، إذ إنه هل من المعقول بفيروس يفتك ليلا نهارًا بحياة الآلاف من الناس أن يكون فكريًّا؟

نعم يمكن أن يكون فكريًّا لم لا؟ فـ«الكورونا الواقعية» كانت سببًا للوفاة الجسدية في حين أن «الكورونا الفكرية» تفتك بعقول الناس وأدمغتهم. وجهة النظر التي أريد الوصول إليها أن الناس إذا شكلوا مجتمعًا ما وصاروا يمشون وفق نمط فكري يجعلهم كالقطيع إذ يسقط منهم الهبة الربانية المتمثلة في العقل، فيغيبه ويجعل الإنسان «مستهلكًا فكريًا»، غير واع بما ينتجه له غيره ويبلع النظريات التي تتعارض مع معتقداته جملة وتفصيلًا، فيعطل فكره ويتلقى ما تعطيه له بضع قنوات تستحمره بفتاة رشيقة أنيقة، فيكذب الواقع ويصدق الوهم، هنا حق علينا القول أننا في طامة عظمى وكارثة حقيقية.

حق للناس أن يطالبوا ببرهان القول وبيان للطرح الذي قدمت، ولعل المثال الذي سأقدمه لن يستسيغه من جعلوا القنوات مصدرًا للمعرفة الحقة وأداة لبناء الثقافة السياسية. تخيل معي يا قارئ المقال أن هناك منظمة في الجزائر ضحت فيما مضى ولا زالت تضحي إلى يومنا هذا بكل ما تملك من أجل الجزائر ولم تدخر يوماً جهدًا من أجل الوطن سواء على مستوى مناضليها في القواعد أو على مستوى القيادات الوطنية، ليأتي في نهاية المطاف أناس لا علاقة لهم بالعمل السياسي الميداني فيسبونها ويجرحون فيها غير معترفين بكل الجهود التي بذلتها هذه المنظمة والرصيد والأعمال التي قدمتها والشهداء الذين ضحت بهم فداء الجزائر، ومحاولًا المسح بكرامتها أرضًا رغم أن جل أعمالها لصالحه هو، ألا يمكن اعتبار هؤلاء الأشخاص موبوؤين فكريًّا؟

أخذت هذا المثال ولعل الجميع يعلم أني أتكلم عن حزب سياسي جزائري، ألا وهو حركة مجتمع السلم والتي يرأسها حالا د. عبد الرزاق مقري، هذا الأخير الذي يعلم الجميع وطنيته خصومه قبل مناصريه والذي طالما تفانى في خدمة الجزائر آخذًا هذه المآثر من الشيخ محفوظ نحناح -رحمه الله-، حيث تنازل عن المناصب المعروضة عليه وضحى أيما تضحية من أجل الجزائر لا غير، مقري الذي كسرت يده سنة 1997 في المسيرة المشهورة في الجزائر العاصمة المناهضة لآلة التزوير، مقري الذي رغم التضييق الممارس على النشاط السياسي في الجزائر إلا أنه خرج في مسيرة مناهضة للعهدة الرابعة سنة 2014 في قلب العاصمة أين كان التجمهر ممنوعًا حينها، وقد وصفهم الشعب كل من خرجوا معبرين آنذاك عن رفضهم المطلق لترشح بوتفليقة بالتهريج والفلكلورية.

 مقري الذي خرج سنة 2016 في مسيرة ضد قانون الغاز الصخري وتوجه حنها للصحراء متضامنًا مع المحتجين هناك فوجد الترحاب بالصدر الواسع وليعبر حينها بطريقة غير مباشرة أنه ابن الشعب، حمس التي قدمت برنامجًا متكاملًا تحت عنوان «البرنامج البديل» والذي خاضت به غمار الانتخابات التشريعية -البرلمانية- سنة 2017 ليكون بذلك أول حزب سياسي يقدم برنامجًا شاملًا مكتوبًا في الجزائر، حمس التي قدمت سنة 2018 الحل من أجل جزائر الهناء والنماء المتمثل في «مبادرة التوافق الوطني»، جالت من خلالها مقرات الأحزاب ورئاسة الجمهورية، ليس من أجل استوزار أو مصالح شخصية إنما من أجل إنقاذ الجزائر، فكان الرفض بينا من السلطة، ولتتقدم بعدها بفارسها لخوض غمار رئاسيات أفريل 2019 -الملغاة- مقدمة للشعب برنامجها «الحلم الجزائري» الذي أشرف على إعداده أكثر من 100 خبير في مختلف القطاعات، ثم انسحبت بقرار سيد لمجلس الشورى الموقر وهذا استجابة لتطلعات الشعب الجزائري واحترمًا للحراك الشعبي الذي كانت حمس من أول يوم له وفي نقطة الصفر أين نزلت القيادة مع مناضليها للميادين واحتضنها الشعب وليكون الحزب الوحيد آنذاك الذي يصنع الحدث.

نعود لمقري الذي كما هو معروف لدى الناس كافة أنه الأمين العام لـ«منتدى كوالالمبور للفكر والحضارة» الذي يرأسه رئيس وزراء ماليزيا السابق «د.مهاتير محمد» حيث ينخرط العديد من الشخصيات الإسلامية على المستوى العالمي داخل هذا الفضاء على غرار د.طارق السويدان والشيخ محمد ولد الددو والكثير الكثير.

للأسف أبواق الإعلام الجزائري لا تنزل الناس منازلهم ولا تعطي كل ذي حق حقه، لكن تتخير ما يضر بهوية الجزائريين وما يخدم خلفياتهم الأيديولوجية، فصاروا عميا وأعموا الناس معهم، فلا الإعلام صار ينصف ولا سياسيو الجزائر صاروا في المستوى -إلا القلة- لرفع سقف النقاش السياسي، وكل هذا والجزائر هي الخاسر الأكبر.

بعد هذا العرض ألا يحق لنا القول أن الإعلام موبوء في الجزائر، وإذا كان الإعلام موبوءًا، فالناس سيكونون على شاكلته، وسيكون هنا كورونا فكري بامتياز يقودنا نحو الهاوية.

لك الله يا جزائر.. لك الله يا جزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد