إن ديباجة الخطاب السياسي الذي تستقطبه القيم «الغربية» و«غير الغربية» تخاطر بإلقاء حجب الغموض على الأجندات السياسية والاقتصادية التي يجري تنفيذها بالتعاون بين نخب معينة في الغرب وفي العالم الثالث، وإلى إي حد تنتقص من حقوق العديد الجم من المواطنين وجودة حياتهم في السياق الغربي وسياقات العالم الثالث كليهما.

مثل هذا الاستقطاب يصرف الانتباه عن واقع السياسات التي يحركها ترافق ناتج عن دعم غربي اقتصادي وعسكري لأنظمة حكم وحشية وغير ديمقراطية في العالم الثالث، ينهال عن كثير منها طوفان من الخطاب البياني «المناهض لما هو غربي حفاظا على الثقافة» حتى وهي غارقة إلى المناكب في التعاون الاقتصادي والعسكري مع الدول الغربية.

والأمر لا يخلو من المفارقة. فالدولة الديمقراطية والاقتصاد المنتعش قد خلقا بيئة يكون فيها بقاء اللغة هو العامل المشترك، «اللغة السواحلية» نموذجا. وعلى الرغم من السواحلية قد وصلت إلى الشاطئ من داخل أفريقيا منذ أكثر من ألف سنة، فقد انتشرت أولًا على طول الشاطئ عن طريق التجارة البحرية حيث أصبحت بالتدريج إلى جانب العربية هي لغة التجارة الثانية في الأهمية. ولزمن طويل كان هناك احتكاك لغوي شديد بين اللغتين، ومن المفترض أنه قد وجد نوعًا ما من الثنائية اللغوية السواحلية العربية. وقد كتبت السواحلية في البداية بحروف عربية، واستوعبت مقدارًا كبيرًا من المفردات العربية وبشكل خاص في مجال العقيدة. والمدى الذي انتشرت فيه التجارة من الشاطئ للداخل تقدمت به السواحلية في مقابل العربية واللغات الأخرى معًا، وقد استعمل التجار العرب السواحلية أيضًا، وقد ساهموا في انتشارها، ولكن هذا ساهم أيضًا بوصمها في بعض الأماكن باعتبارها لغة لتجار العبيد. فتزايد التجارة داخل الإقليم كان يتحكم فيه العرب إلى حد كبير، وهم الذين جهزوا القوافل لنقل العاج والجلود والعبيد من الداخل إلى الشاطئ ووسطاؤهم في الداخل، وكذلك العبيد المحررون، والجيل التالي الذي دخل في الإسلام من مختلف المجموعات الإثنية، وبسبب استعمالها (أي السواحلية) في المدن الناشئة اكتسبت أهمية للتجارة بين المدن والمناطق الريفية، وكذلك للاتصال بين القبائل. وعند وصول المستعمرين الأوروبيين كانت السواحلية بالفعل هي أهم لغة للتجارة في الإقليم.

قد أدركت الحكومة الاستعمارية الألمانية أهمية اللغة السواحلية، وعلى الرغم من أن هذه الحكومة لم تبق إلا زمنًا قصيرًا فقد كانت مؤثرة في نشر اللغة بشكل أكبر باستعمالها لها لإقامة بنية إدارية تحتية، وتنزانيا –أفريقيا الشرقية الألمانية السابقة– ما زالت هي البلد الذي يتقدم فيه انتشار اللغة أكثر من غيره، وبعد الحرب العالمية الأولى أعقب البريطانيون الأسياد الاستعماريين الألمان، وانسجامًا مع سياساتهم «فرق تسد» شجعوا اللغات المحلية والإنجليزية بدلًا من السواحلية، واليوم تُرى نتائج هذه السياسة في كينيا وأوغندا على نحو أوضح مما نرى في تنزانيا. وعلى الرغم من أن السواحلية قد أعلنت –بعد العصر الاستعماري– لغة قومية لكينيا أيضًا، فإنها لم تتمكن من إزاحة الإنجليزية هناك في مجال الحكومة والتعليم بشكل ناجح مثل تنزانيا، ولكنها تقوم بدور مهم في الاقتصاد، وفي أوغندا لا تتمتع السواحلية إلا بمكانة ضئيلة جدًا لأنها ارتبطت لزمن طويل بتجارة العبيد، ولذلك فقد شُجّعت الإنجليزية وبعض اللغات المحلية الأكثر أهمية (اللوجندا والسوجا بين لغات أخرى)، على حساب السواحلية التي استُبعدت لبعض الوقت من المناهج الدراسية. وكون السواحلية يُتحَّدث بها في تنزانيا على نحو أوسع مما هو الشأن في كينيا وأوغندا يرجع أيضًا إلى الأوضاع اللغوية المختلفة للبلدان الثلاثة.

لم يرتفع شأن السواحيلية لأنها لغة جماعة مهمة ديموغرافيا من المتحدثين الأصليين، أو بسبب تراثها الأدبي القيم، كما أن ارتباطها المبكر بالإسلام لم يعزز انتشارها كثيرا، كما أصبحت في بعض المناطق أمراً ممجوجًا يجب تركه. وفي الأمور السياسية كانت تستخدم فقط عندما لم يكن ممكنًا إغفال فائدتها في شرق أفريقيا، والقوة الدافعة الكبيرة وراء انتشارها كانت هي الاقتصاد، وخصوصا التجارة، والتي صارت بسببها تستخدم بوصفها اللغة الرئيسية للاتصال الأوسع عبر الحواجز اللغوية والأثنية.

وقد أوضح بارسونز أن النقود واللغة تكونان نظامين دلاليين بقدر ما تشكلان «أساسا مشتركا لنظام معياري» وقد حلل سيمل بالفعل التجريد الضروري لمثل هذه الأنظمة الدلالية بشكل موجز:

«كما نمّى الناس العلاقات فيما بينهم لزم أن تكون وسيلتهم للتبادل مجردة ومقبولة على نطاق عام، وبالمقابل إذا ما وجدت مثل هذه الوسيلة فإنها عند ذلك تسمح بضم الأشخاص الأكثر اختلافًا للمشروع نفسه،كما تسمح بتفاعل الناس، وبذلك توحدهم، هؤلاء الناس الذين كانوا من المحتمل ألا يتوحدوا في أي تشكيل لجماعة أخرى بسبب اختلافهم المكاني والاجتماعي والشخصي واختلاف اهتماماتهم».

وهذا هو ما يميز التغير في الوظائف للغة الذي يحدث مرتبطًا مع اتساع السوق، على الرغم من أن سيمل يتعامل فعليًا مع الوظيفة الاجتماعية للنقود التي تركز الضوء ثانية على التشابه بين اللغة والنقود بوصفهما عاملين من عوامل تطور النظم الاجتماعية، ويمكن لتلك العوامل أن تعكس أثر التراث اللغوي الاستعماري الذي يعد شاهدًا على العلاقات الاقتصادية في وظائف اتصالية واقتصادية عليا.

فقد صدر التجار الأوروبيون عملاتهم التي كان قبولها خارج الأقاليم التي استعملت فيها كعملة قانونية محدودًا جداً بشكل حتمي، ومقصورًا على الأنواع المسكوكة من المعادن النفيسة. وقد استعملت عملات معينة فقط في بعض الموانئ. ويذكر سيمل (186-1987) أنه في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر فقط أصبح «تالر» ماريا تريزا للعام 1780 مقبولا في الحبشة.

أما الأوضاع الاجتماعية السائدة في أمريكا كانت مهيأة على نحو أفضل للسماح لتأثير التجارة في تسوية الفوارق الاجتماعية بأن يسري مفعوله على اللغة، بدلاً من النظر إليه بازدراء باعتباره تلويثا للاستعمال المقرر، وقد عبر جوئل بارلو J.Barlow معاصر ويستر عن هذا الرأي تعبيرًا شعريًا وفي شكل يقرأ كأنه مرافعة عن التجارة الحرة:

أن تشارك كل الأراضي النائية في الثروة، وتتبادل ثمارها وتملأ خزانتها منها، أن تتشابه لغاتها وتندمج إمبراطوريتها، فالمصلحة المتبادلة ترسخ التآزر المتبادل.

أما ماكس فيبر فيرى أن «التجارة هي أم الحضارة… ودماثة الأخلاق وإنسانية القوانين والمؤسسات التي يمكن أن نراها في أي مكان تكون في تناسب مباشر مع مستوى التجارة».

وأسفرت الجهود السياسية والنقدية واللغوية مجتمعة عن الاستقلال الكامل للولايات المتحدة، أما المناطق الأخرى من العالم التي لم تخضع للهيمنة الاستعمارية الكاملة إلا في زمن الثورة الأمريكية، والتي تحررت من هذه الهيمنة في القرن الحالي فقد كانت أقل نجاحا. فعلى الرغم من إحراز السيادة السياسية فإن التبعية الاقتصادية المستمرة تكاد تصبح خاصية عامة للدول التي نشأت حديثًا،خاصة تلك الدول التي ظهرت للوجود نتيجة لموجة التحرر الأخيرة في الخمسينيات والستينيات. والمؤشرات النقدية واللغوية لهذا الوضع مؤشرات لا تخطئها العين.

فالعملة المستقرة لدولة متحررة من الاستعمار ومزدهرة اقتصاديا أمر نادر تمامًا ندرة وجود لغة وطنية لهذه الدولة،تكون مناسبة للقيام بكل وظائف كل لغة المستعمر. وهاتان الظاهرتان تشهدان معًا على حقيقة كون الأبنية التي فرضت على هذه المجتمعات من الخارج لم تمهد الطريق لتنمية تلك الأبنية التي حلت محلها، بل ربما أعاقتها عن النمو إلى حد معين.

وكان باراك أوباما في الماضي خير نموذج للغرباء الذين لا ينتمون إلى واشنطن.. لكنه جزء مما يسميه «جيل يشوع» (أي الشباب المؤمنين) –الذي يقف على أكتاف رواد الحقوق المدنية– فهو يفيد من روحية ستينات القرن الماضي السائدة لدى جيل البيض المولودين بعد الحرب العالمية الثانية. فالشبان الذين بلغوا سن الرشد وفي مطلع ذلك العقد وجدوا مصدر إلهام في آل كيندي ومارتن لوثر كينج الابن الذي رجمه بيض غاضبون بالحجارة عام 1966 لأنه ظهر في حي في شيكاغو غير بعيد عن المكان الذي يعيش فيه أوباما الآن، وهو مكان «لم يكن ينتمي إليه» كينج، بحسب اللغة المستعملة في ذلك الوقت، كان هؤلاء الناشطون يحلمون بعالم أكثر عدالة وسلاما.

وهكذا فالسمات الثقافية ليست مطلقات أو ببساطة فئات فكرية، ولكنّها تستحضر لتجهيز الهويات التي تشرعن المزاعم بالنسبة إلى الحقوق : إنّها إستراتيجيات أو أسلحة في المنافسات على السلع الاجتماعية النادرة.

فهل لجميع ما سبق، من علاقة مع الأهمية الاقتصادية للغة ومدى تأثير العوامل الاقتصادية في التطور اللغوي … باعتبار للغة كوسيط للتجارة، كما أنها رصيد في حد ذاتها، ولكنها قد تكون عائقا للتجارة في بعض الأحيان، وهل يُمكن أن نوجد مقاربة معيارية مع إشكالية السياسة الاقتصادية ومستوى النظام / التطور اللغوي – في اليمن – اللغة الرسمية «اللغة العربية، مع الاهتمام بتطوير اللغة المهرية والسقطرية» (وفقاً لوثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل – صنعاء 2013/2014)، في ظل الضرورات السياقية والموقعية القريبة التي يجب أن يتكيف لها المنطوق، والتي قد تقع ضمن تفسيرات التغيرات في الخريطة اللغوية في العالم، وعلى وجه التحديد العالم العربي، ويمكن اعتبارها كذلك في إطار فهم موجهات العلاقة القوية بينهما وبين التطورات الاقتصادية، والتي قد تأتي كركيزة أساسية للمخطط اللغوي في البلدان النامية. أم أنه يتم استخدامها أو استغلالها لإلغاء مختلف المطالب السياسية بالعدالة والمساواة والحقوق أو بالديمقراطية بوصفها رديفا لـ «الفساد السياسي» الذي أحدثته الافتراضات المسبقة لتلك العلاقة الجدلية عن طريق التأكيد على الفهم التاريخي للسياقات، وما قد ينجم عنها من تمثيلات معرفية وغايات سياسية مختلفة وتعمل على ترويجها في صورة تنمية موقف «يستعيد التاريخ والسياسات»، مما يؤدي إلى الخلط بينهما وبين التصورات الماهوية لـ«الاختلاف الثقافي» و «الحفاظ على الإرث الثقافي».

وغالبا ما نجد لهذه الأفكار / المناشط الناجمة عنها مثالًا ساطعًا في الخطاب السياسي أو المناورات اللذين يأتيان من الحركات السياسية الأصولية والمحافظة ؛ حيث إن « التجربة الدينية لا يمكن اختزالها بالضرورة في اللغة الدينية. لكن مع ذلك كلما شددنا على الشعور بالارتباط المطلق وعلى الثقة اللامحدودة وعلى الأمل بدون ضمانة وعلى الوعي بالانتماء إلى تراث حي، وعلى الالتزام الكلي في المستوى الأخلاقي والسياسي إلا ونجد أن كل لحظات التجربة الدينية تجد في اللغة وساطة ضرورية ليس فقط للتعبير عنها، بل لجعلها تتمفصل في المستوى نفسه الذي تظهر فيه وتنمو. فالتجربة غير الموصولة باللغة تظل عمياء مبهمة ولا تواصلية، وإجمالًا فالأمر لا يتعلق بلغة في تجربة دينية، بل لا وجود لتجربة دينية بدون لغة».

للتأمل

– فقوانين الملك حمورابي قد حفرت في الحجر للعرض العام لتعلن أن:

(… دع الُمساء إليه الذي يحمل شكوى يأتي أمام تمثالي، «ملك العدالة»، ويقرأ نَقشي المدون، ويستمع إلى كلماتي النفيسة، ودع نقشي يعرض شكواه …).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

" اللغة والاقتصاد " ، تأليف : فلوريان كولماس ، ترجمة : د.احمد عوض ، سلسلة علم المعرفة ، العدد (263)، الكويت ، نوفمبر / تشرين 2000م .
جون ميشام ، عصر أوباما ، مقالة في مجلة نيوزويك Newsweek، العدد(349) ، نوفمبر ، 2008م .
وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل – صنعاء 2013/2014م
عرض التعليقات
تحميل المزيد