أدت آليات الفساد إلى سيادة قيم جديدة في المجتمعات مع بروز بعض النظريات، مثل النظرية الأخلاقية Moral Theory، والتي مفادها أن الفساد رذيلة يلحق الضرر بالاقتصاد والسياسة، وعائق غليظ أمام التنمية وكل المفاصل المتعلقة بهيكل الدولة وأخلاقياتها. أما النظرية البنيوية Structralist Theory، فهي تسوق للفساد منتجًا وله الفضيلة من كونه رذيلة، ومن مؤيديها صموئيل هنتيغتون الذي أفاد بأن الفساد الناتج من المشاركة السياسية يساعد علي دمج فئات جديدة في النظام السياسي، وبين ظاهرة البخشيش في الهند، قد أعطت شيئًا من المرونة في ظل نظام إداري جامد ومعقد. ونجد في هذه النظرية مغالطة وبدعة كبيرة فاضحة تروج للفساد الذي من شأنه أن يدمر المجتمع ويوثر في قيمه ومبادئه.

ما حدث في السودان وما زال يحدث كل يوم منذ يونيو (حزيران) 1989، عدم تكافؤ الفرص جملة وتفصيلًا بين المواطنين مما ولد الظلم، والغبن، والنزوح القصري، وفصل جزء يثمل الشريان النابض لاقتصاد الدولة «جنوب السودان»، وفتح أبواب الصراعات والتمرد في عدة جبهات، البعض منها لم تُطفأ ناره إلى يومنا هذا، مما عطل الاستقرار السياسي والتنموي وأجج الصراعات القبلية، والتي بدورها جلعت من السودان نموذجًا في الشتات، والولاء للقبيلة يمثل قوة لها دورها سواء في معتقدها أو رؤياها، بزاوية تطغى على قوة الدولة نفسها، وإن كان هذا من المخيال، ساعد كثيرًا في تشكيل ملامح الدولة العميقة والسلطوية التي فرضت حكمها دون النظر إلى الخصائص والتنوعات الثقافية والدينية، وكيفية دمجها اجتماعيًّا لصناعة ثقافة متنوعة لها أكاديمياتها، ممثلة نموذجًا يُحتذى به في المنطقة الشرق وسط أفريقية.

تكمُن رؤية الحكومة في غير ذاك الاتجاه، منذ مجيئها بسياسات التمكين وفرضية الولاء دون التطرق للمؤهلات والخبرات وطبيعة ما تزخر به البلاد من ثروات متعددة، وحوجتها لذوي العقول الذين أصبحوا فيما بعد «الصالح العام» روادًا في بلاد المهجر وصانعي أمجاد، كانت رؤية قاصرة ومختزلة من نظام الإنقاذ، تذوق مرارتها بعد ثلاثة عقود من جلوسه على سُدة الحكم، لفقد هذا النظام المفكر والمخطط بداخله الذي يمكن أن يعيد للبوصلة شيئًا من توازنها، اعتمد النظام السياسي للإنقاذ على مبدأ القمع والمساومة الاستهلاكية في بعض الأحيان، مثل ما أسماه الحوار الوطني، داعيًا أطراف النزاعات والقوى السياسية، من أجل الوصول إلى الوئام الوطني، متناسيًا الإفرازات العقيمة التي أنتجها النظام نفسه، وخلقت هذه الصرعات، وتبنت الأزمات الاقتصادية والصحية، وانعكاساتها على المستوى الداخلي من تدهور في البنية التحتية «الطرق والجسور، والخطوط الحديدية، والمستشفيات» والبنية التحتية للمشاريع الزراعية، وكذلك تدهور التعليم، والصحة، والخدمة المدنية، ما أصاب الدولة بشلل كامل، إضافة للعزلة الدولية بعد فرض عقوبات اقتصادية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1997، إذ قرر الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون تجميد الأصول المالية للسودان، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له وحظر الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع البلاد، وإن كان هذا القرار ظاهريًّا يقتصر على الشركات والمواطنين الأمريكيين: إلا أن معظم حلفاء الولايات المتحدة شملوا أنفسهم بالقرار لتدخل الخرطوم في حصار كامل، قطع حبل التواصل مع المنظومة الاقتصادية العالمية.

لم يراع هذا النظام لكل هذه المعوقات، بل شرع في خصخصة مؤسسات القطاع العام ببيع أملاك الدولة بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية، إذ يتعامل الرئيس وعائلته وكبار المسؤولين مع المال العام كحساب مصرفي خاص بهم، فتخصص مبالغ طائلة لسفريات ونثريات لا تخدم مصالح الشعب، وهذا منافٍ لقواعد الشفافية المالية، غير امتلاك الشركات والمنازل الفاخرة داخل السودان وخارجها، من جعل معظم السودانيين يعيشون تحت خط الفقر، وبحسب تقرير للأمم المتحدة فإن 50% من المواطنين؛ أي أكثر من «15 مليونًا» يعيشون تحت خط الفقر، في حين يبلغ معدل البطالة في 20.6% وفق تصريحات سابقة لوزير العمل والإصلاح الإداري الأسبق أحمد بابكر نهار.

إن السودان يواجه تحديات صعبة للخروج من أزماته السياسية والاقتصادية، في ظل استمرارية الرئيس البشير على هرم الدولة، فهل تستطيع الإدارات السياسية فرض قوة وإبعاده عن السلطة مع ضمانات رنانة مثل حواره الوطني؟ في عصر التحولات المهولة والأكثر تعقيدًا من ذي قبل، إن المشكل هنا ليس نكون أو لا نكون؛ لأن المجتمعات لا تفنى، ولكن التحدي يبقى قائمًا، والأمل واجب وطني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد