تم تجميد العقول بنجاح، فاُنتزع ثوب الأدب، وعُقدت الحواجب، وحُنطت عبسةً على وجوه من هضموا الكآبة ومن حصلوا على شهادات تقدير على ألسنتهم الطويلة الممرنة على السب والشتم والاستهزاء وارتجال يشوه الواقع.

عزيزي القارئ اسمح لي أن أنعي فقيدتنا الغالية صاحبة الجلالة، مهنة الإعلام الصادقة التي اغتيلت بطعنات الفكر المضمحل بسبب الإدمان على الغيرة والتقليد الأبله للغرب.

فالتهاون الحاصل أن قناة إعلامية لديه وقت فارغ تريد أن تملأه بثرثرة تجني أرباحًا وتعلق أعينًا أكثر بشاشاتهم، حيث يتقدم شخص يطلق على نفسه إعلامي ويبدأ بتقديم برنامج مضمونه سياسي وظاهره سخرية بلا حدود.

فلم تعد السخرية السياسية مقتصرة على النكات التي كان يتناقلها المعارضون سرًّا فيما بينهم، فقد انتقلت إلى حيز البرامج التليفزيونية المتاحة للجميع.

فتحول الإعلام من حاضنة لمشاكل الشعب ومنفسًا لحاجتهم إلى إبرة استفزاز تثير غضب الجماهير وتشعل سخطهم.

ولأن العرب لا يجيدون سوى التقليد استنسخوا فكرة البرامج التلفزيونية الساخرة وأسقطوها في الوطن العربي حديثـًا، للاستهزاء بالسياسات والأحوال العربية المعقدة، وكان صدى مثل هذه البرامج ضعيفًا حتى ولدت الثورات العربية التي جعلت من الإعلام كهفًا تتردد كل كلمة يصدرها لترسخ في أذهان الناس وتبلور فكرهم.

وكان لمصر الصدارة والأثر الأكبر في بهرجة الكوميديا العربية، وكان رائدها الإعلامي باسم يوسف صاحب برنامج «البرنامج»، الذي كان يعرض على قناة ONTV ولحصيلة الجماهير الكبيرة انتقل إلىCBC  وبعد ملايين المتابعين حط رحابه في قناة MBC مصر، قبل أن يُسدل عليه الستار ويمنع البرنامج من العرض، لكن باسم يوسف ترك الباب خلفه مفتوحًا ليليه المقلدون من مهللين ومعارضين.

وبسبب غيمة الكآبة التي تهطل باليأس على كل الشعوب العربية وجد الشباب مُفاعلًا يبعث على الضحك في قلوبهم بدون أن يحركوا جيوبهم، وطريقة هزيلة ليتعرفوا من خلالها عما يجري في بلدانهم؛ فاصطفوا أمام التلفاز محدقين بفلسفة وتحليل منحاز لا منطقي.

لا يمكننا إقحام أنفسنا بالإعلام الكوميدي كما هو الغرب، لأن هذه المرحلة عندهم لم تأت من فراغ، بل تبعتها مراحل تدرجت مع الزمن وعوامل كثيرة، علينا أن نأخذها في الحسبان قبل أن نعمي عقولنا.

فمثل هذه البرامج التي بدأ ظهورها في ستينات القرن الماضي في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تعمل زرع البهجة وإلقاء ثمار السعادة بحجارة الغضب ونار الاستفزاز الملتهب؟!

رغم هذا تبناها الأكاديميون الإعلاميون ليعرفوا الكوميديا السياسية الساخرة على أنها «القوة الرائعة التي تعبر عن مشاعر الرأي العام لتعزيز الثقافة المتحضرة، وفكرة المواطنة للجمهور، وذلك بإثارة النقاش السياسي لجذب الجمهور إلى عالم السياسة بمهارة وإبهار».

فهذا الشكل من التفريغ العاطفي يتخذه كثير من إعلاميي اليوم وسيلة لاصطياد أكبر عدد من المتابعين غاضين الطرف عن الرسالة النبيلة التي من المفترض أن يهبوها للجماهير.

وما لا يستسيغه العقل شلال الشتائم الذي يفرغه مقدم البرنامج في بئر أجوافنا النظيفة،  فهنا يدفع قلمي للاعتذار؛ فمقدمي هذه البرامج الذين لا يليق بهم وسام الإعلام الذي يلتصق مع تدني الأخلاق، وربما لو جلست على ناصية الشارع لما تلوثت أذني، وما الفائدة لو أرغمت نفسي على مشاهدة برنامج مدة ساعة أكثر من نصفه «توت» أهذا إعلام؟

تقولون ديمقراطية فأقع على الأرض من فيضان ضحكاتي، الديمقراطية ليست برفع «الشعب يريد إسقاط النظام» ليست عبارة أولها «نريد» بل هي واجب عليك قبل حقك يمكنك المطالبة به، هي ثقافة لا يمكننا تعلمها بالصوت العالي أو تلوين أرضنا باللون الأحمر، وبصراحة نحن لا نستحق الديمقراطية، هذه ليست إهانة، لكن تقديسكم لهذه الكلمة يعمد ثقافتكم في بحيرة الأوهام الهزلية.

وكيف ننزع الرحمة من قلوبنا، وسط أرواح تتطاير وأشلاء تتقاذف، نسخر من هذا الوضع، ونضفي لامبالاة نرجسية متعالية على جراح أهالي الضحايا، وكيف نسخر من وطنية أو من دستور، من ضعيف وقوي، من آراء غيرنا، ونحن نطالب بالديمقراطية؟

والمشكلة أننا لا نستفيد من تجارب غيرنا، بل نقتبس دائمًا الفقرة الخاطئة منهم؛ ففي هذا المجال البرامج الكوميديا الغربية تستضيف الطرفين لتعرض اليمين واليسار، أما سيادة العرب يستضيفون من يأتي على مقاسهم ومن يصفق لرأيهم فقط.

وبدلًا من سكب أموالكم لإسناد السخرية أنشئوا بيئة ترفيهية لينمو أبناء شعبكم ويبروز التاريخ اسمك في قائمة من ضحوا لوطنهم.

فمهما كان السياسي أو الفنان من الذي أعطانا الصلاحيات لنجعله أضحوكة لنا، فالإعلام سلطة رابعة لتكشف الحقائق وتكون مرآة للعالم وتنقد بأخلاق، وليست مطرقة تحجم فكرنا ولا هادمة لأمة اقرأ.

أعتقد أنه يكفي علينا تمسكنا بطوق نجاة عضته الحيتان، هيا لنقفز إلى القارب ونصل إلى ضفة التنمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد