انتهت منذ أيام قليلة ما يعرف بانتخابات الرئاسة في مصر بعد أن رسخت النسخة الثانية بعد انقلاب يوليو (تموز) 2013 عدة مشاهد لن تُمحا من تاريخ الحياة السياسية من أبرزها فقرات الرقص خارج وداخل اللجان الانتخابية.

ورغم ما قابلته هذه الظاهرة من سخرية وتندر على مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ لكونها ظاهرة مستهجنة تتعلق بخدش الآداب العامة، وفعل في غير محلّه ولا ظرفه، أجد نفسي متعاطفًا معها!

المواطنون والمواطنات الذين ظنوا أن هزّ الوسط فعل سياسي يكيد مخالفيهم، ويثبت ولاءهم، أو كما قال أحدهم: رسالة دعم إلى النظام ضد مخالفيه، عبَّروا بتلقائية عن اتجاهاتهم السياسية في حدود معرفتهم وادراكهم، وهامش الحرية المتاح لهم.

وفي الوقت الذي اندفع فيه الجميع لذبح هؤلاء المساكين لم ينتبه أحد إلى أن قامات سياسية مارست نفس الفعل – الرقص السياسي – قبل أن يقوم به العامة بسنوات؛ فالجبهات التي شُكلِّت إبّان التجربة الديمقراطية اليتيمة بعد ثورة يناير (كانون الثاني) بغرض المكايدة كانت رقصًا سياسيًا يهزّ المشاركون فيه ضمائرهم وعقولهم، والاعتراضات على نصوص الدستور للمناكفة ولتشويه سمعة وجهد الخصوم السياسيين ليست سوى ضربًا من ضروب الهزّ الأنيق الذي يُؤدَى في القاعات المكيَّفة ومن خلف منصات المؤتمرات، وشاشات الفضائيات.

ماذا يمكن أن نسمي هذا الموقف الذي ذكره المهندس حاتم عزام في مقال له بعنوان: (اللقيطة)، نشر على موقع الجزيرة في 26 سبتمبر 2013 غير رقص سياسي:

وفي لقاء جمع بين عضوي الجمعية التأسيسية جابر جاد نصار ومنار الشوربجي، والأستاذ وائل قنديل وآخرين في مكتب جريدة الشروق بالمهندسين، أسرّ لهم جابر نصار بأن هذا الدستور هو أفضل وثيقة دستورية مصرية على الإطلاق، فتعجب الحضور، وسأله وائل قنديل مدير تحرير جريدة الشروق في حينها – ولم يكن عضوا بالجمعية التأسيسية للدستور – لماذا إذًا تهاجمه وأنت عضو بجمعيته التأسيسية؟ فرد نصار قائلًا: الهجوم محاولة ضغط لتحقيق أقصى المكاسب.

إذًا الرقص السياسي ليس بدعة أتى بها المهمشون، وإنما سنة استنتها النخبة المصرية التي ارتأت أنّ إغاظة الخصوم وإغضابهم مقدم على المنفعة العامة ومصلحة البلاد.

لقد اتهمنا العامة الذين رقصوا أمام لجان الانتخابات الخاوية بتقويض المبادئ والقيم لكن ماذا عن القيادات الحزبية ورؤوس النظريات الأيدولوجية الذين خانوا أفكارهم وملايين الشباب الذين اعتقدوا في نبلهم وقدسية منطلقاتهم؟

ألم نغض الطرف عن رموز أسست هالتها الثورية بأطروحات الفاشية العسكرية، والدولة المدنية فلمّا انقلب العسكر على الحكم المدني لم يجدوا غضاضة أن يكونوا ركنًا من أركان دولة الانقلاب العسكري قابلين بمناصب الصف الأول، ممثلين لدولة العسكر في المحافل الدولية؟

إذا كُنَّا نوجه سهام الازدراء إلى الراقصين أمام اللجان بدعوى خيانة الأمّة المصرية التي تئن تحت ثقل البيادة العسكرية على كافة المجالات، سواء المعيشية أو ما يتعلق بالحقوق والحريّات، فلماذا لا يزال البعض حريصًا على احترام من دلسوا على الشعب في المسارات السياسية منذ الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن؟

أليس من شاركوا قائد الانقلاب انتخاباته السابقة، وهرعوا إلى التنافس على مقاعد برلمانه، وكلّ من أسهم في إضفاء شرعية شعبية على مؤسسات الانقلاب يخون الأمة المصرية؟

ارفعوا أيديكم عن الراقصين والراقصات أمام اللجان الفارغة، فالجميع رقص في مصر رقصته الخاصة، لكن هؤلاء العامة أكثر وضوحًا وصراحةً من البعض، إنهم يرقصون دون أن يغطوا وجوههم، يرقصون أمام الكاميرات لا من خلفها، يرقصون في الشوارع والطرقات، وليس في الغرف المغلقة.

إنها فقط مواسم الرقص السياسي في مصر التي قد يختلف أوانها ومواقيتها، لكن لا تختلف أبدًا مرارة ثمارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد