منذ بدء جائحة كورونا وإعلان حالة الطوارئ، والسلطة الفلسطينيَّة تمارس سلسلة من الاعتقالات السياسية بحق النشطاء والصحافيين الفلسطينيين، مخالفة بذلك المواثيق والأعراف الدوليَّة بما يخص حريَّة الرأي والتعبير، فبعد أن صرَّح رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد شتيَّة بوعده قائلًا: «نعد بحريَّة سقفها السماء»، تزايدت الاعتقالات والانتهاكات الممارسة بحق المعتقلين على خلفيَّة المنشورات ليثبت لنا الواقع أن الحرية التي وعد بها شتيّة سقفها أنوفنا لا رموشنا حتَّى!

فُرضت القيود على حرية التعبير في الفضاء الرقميّ في التشريعات الفلسطينيّة: مثل قانون «الجرائم الإلكترونية» المعتمد في الضفَّة الغربيَّة، ومادة «إساءة استخدام التكنولوجيا» من قانون العقوبات في قطاع غزة، كما وتحيل فضفضة وضبابية الأحكام في قانون الجرائم الإلكترونية المعتمد بموجب المرسوم رقم ( 16) لعام 2018م إلى احتمالية الانتهاكات للحق في حرية التعبير والحق في الخصوصيّة، ويمكن أن تؤدي إلى سوء تفسير وسوء استخدام محتملين من قبل السلطات، وهذا ما وجدناه حاصلًا في الآونة الأخيرة.

اعتقال عبد الرحمن ظاهر، والتزام الصمت من قبل زملائه والمؤسسة الحاضنة!

موخرًا، اعتقلت السلطة الفلسطينية الممثل والمخرج عبد الرحمن ظاهر يوم 17 أغسطس (آب) بتهمة «الذم الواقع على السلطات العامة»، بعد أن نشر منشورًا كتب فيه «تعليقي بخصوص التطبيع الإسرائيلي الإماراتي أحتفظ به لنفسي، لكن آخر من يحق له التعليق السلطة الفلسطينية، وأي دولة شقيقة تقيم علاقات سلام أو علاقات تجاريَّة مع الاحتلال، وحتى جماعة «نحتفظ بحق الرد».
ولعلَّ أكثر الأمور فظاظة هو تخلي مركز الإعلام التابع لجامعة النجاح عن موظفها «الظاهر» فلم يصدر حتَّى هذه اللحظة استنكارًا أو تنديدًا باعتقاله، كما أن زملاءه في المركز التزموا الصمت، ولا ندري ما إذا كان صمتهم خوفًا من إجراءات ستنفَّذ بحقِّهم أم تخاذل، فسياسة تكميم الأفواه لم تكن لتتفرَّد بالمعارضين وحدهم، إنما تطال كل من يندرج في قائمة الصداقة والزمالة الخاصة بهم.
وما زال عبد الرحمن يقبع في سجون السلطة بعد تمديد توقيفه للمرَّة الثالثة، وقد نظَّم صحافيون ونشطاء وقفة احتجاجية أمام مجلس الوزراء للمطالبة بالإفراج عنه، جاء اعتقال عبد الرحمن بعد سلسلة من الاعتقالات في صفوف نشطاء حراك «طفح الكيل» ضد الفساد، فاعتقلت السلطات الناشط نزار بنات بتهمة «ذم السلطات» على خلفية منشورات فيسبوكيَّة، وأفرجت عنه بكفالة ماليَّة، كما واعتقلت الناشط فايز السويطي للسبب نفسه وهو «الكتابات على فيسبوك» ضد مؤسسات الدولة والتشهير بها، فلم تقم النيابة اعتبارًا لما نادى به فايز بما يخص الفساد وأفرج عنه لاحقًا بعد تمديد توقيفه، نتاج الضغط الشعبي نحو الإفراج عنه، كما اعتقل عشرات الشبّان في هذه الآونة؛ إذ إن فلسطين كمثيلاتها من الدول العربية التي تنخفض فيها نسبة الحرية والتعبير عن الرأي فيما يتعلق بتقييد المشاركة السياسية على وجه التحديد، وقد أدلى النشطاء بإفاداتهم فيما يتعلق بما مروا به في تجربة الاعتقال، وتنوَّعت التهم ما بين «إثارة النعرات الطائفية» و«إطالة اللسان على مقامات عليا» و«إهانة الشعور الديني» و«تهديد النظام العام للدولة» و«تحريض على الانقلاب» و«النيل من الوحدة الثورية» و«التحريض ضد الحكومة»، و«الإضرار بالممتلكات العامة»، و«الدعوة للشغب».

نظام ديمقراطي أم نظام ديكتاتوري قناعه الديمقراطيَّة!
وفي ظل هذه الاعتقالات المتكررة، أتساءل هنا إلى متى ستستمر أجهزة السلطة في ممارسة سطوتها وتغوُّلها في القضاء؟!
ولماذا يصرُّ الرئيس الفلسطيني على تمديد مجلس القضاء الانتقالي بدلًا من القيام بحلِّه، نحو تشكيل قضاء مستقل عادل؟ إلى متى ستظل السلطة التنفيذية تمارس سطوتها فوق القضاء!
هل تغيَّر الترتيب الهرمي للسلطات جائز في الدول التي تدَّعي ديمقراطيتها؟ هل كانت وعود د. محمد شتيّة – رئيس الوزراء الفلسطيني – إبر مخدَّرة خاوية من كونها حقيقة!
إلى متى سيظل المجلس التشريعي معدمًا في ساحة العدل؟! ولماذا لا يُسمح للنشطاء مجابهة القرارات التي تحض على إلغاء التعددية السياسية؟
وبعد ثلَّة من الانتهاكات الخطيرة من قبل السلطات فيما يخص حريَّة الرأي والتعبير، وإهانة القضاة ومنعهم من الوقفة الاحتجاجية والمؤتمر الصحتفي أمام مجمع المحاكم، مشكِّلة بذلك أخطر صور المساس بالعدالة، هل تقترب السلطة الفلسطينية من مشابهة نظام الحكم في اليابان وكوريا الشمالية فيما يخص الحريَّات؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد