الديموقراطية التي تحتاج إلى الدبابة لحمايتها هي ديموقراطية مريضة لكن كون الشعب يرتاح لرؤية الدبابة هذا مشكل سياسي كبير.

*عبد الحميد مهري

استنزف الساسة الجزائريون كل ما بجعبتهم من خطابات سياسية موجهة للعامة، كانت تعتبر بالأمس القريب مُخمدًا لغليان الشارع الذي أرهقته المشاكل الاجتماعية، ولكن ذلك النوع من الخطابات المنومة اندثر بعد الأزمة الصحية للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لندخل مباشرة إلى حقبة جديدة من الخطابات «الغبية» وغير المدروسة التي أيقظت ضمير الشعب، الذي أدرك بأن الوطن في خطر بسبب هؤلاء، عجزت الأحزاب السياسية التي شكلت كتلة لصّمود والدفاع عن الرئيس المريض قبل الحراك الحفاظ على استمرارية الخطاب، وكانت في كل مرة تتدخل فيها لتُحدث مهزلة غير مسبوقة على مستوى الخطاب السياسي الجزائري.

وهذا ما دفع بالشباب الجزائري إلى تبني نوع من الخطاب  الصريح، كان منبره مدرجات ملاعب كرة القدم التي انبأت بطفرة في المستقبل السياسي للجزائر وأدرك السياسيون بأنهم في مواجهة خطاب موازٍ سبقهم بعدة مراحل يصعب الرد عليه أو مجاراته، وهذا ما أفقد السياسيين تركيزهم وأصبحوا يدلون بتصريحات تعجل بإقالتهم أو بالسخرية منهم ليتفاجأ العالم بحراك جزائري يرغب في التغيير وإيجاد حل في أسرع وقت.

خطاب ما بعد بوتفليقة

سكن صوت أحزاب المولاة بعد سقوط الرئيس ودخلت في فترة يمكن وصفها بمرحلة «هدوء الرعب» كل حزب ينتظر في صمت مطبق و يدقق في الوضع من أجل العودة إلى الساحة السياسية وفي نفس الوقت برز أفراد من نفس الأحزاب أرادوا الانفراد ولكنهم صدموا بوعي الشعب الذي أبعدهم عن استغلال الحراك الشعبي لصالحهم؛ هنا أدركت السلطة أن الشعب يرفض كل المقترحات التي تأتي من السياسيين السابقين مما عجل بالأحزاب السياسية لاعتماد خطة بديلة وهي التطهير الداخلي لكل الوجوه التي شاركت بدعم الرئيس وتصارع الجميع في أحزاب المولات من أجل البقاء «يعرف حزب جبهة التحرير الوطني خلافات حادة، خاصة بعد اشتداد التضييقيات عليه من طرف الحراك الشعبي، الذي جعله مستهدفًا بالتصريحات الرافضة له كل جمعة، ومخاطبته بـ«أفلان ديقاج»، ليدخل مرحلة تموقع داخلية، حيث بادرت عدد من الوجوه الشبانية بحسب ما وصفته نفسها لبعث الحزب، قائلين أن رهانهم هو استرجاع الحزب من القيادات التي حادت عن خطه الأصلي».1

انتخبت أحزاب المولات أمناء عامين جددًا وخرجوا لطلب الصفح من الشعب الجزائري كما لو أن شيئًا لم يكن.

«طلب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر محمد جميعي الصفح من «فخامة الشعب الجزائري»، وأكد أن الحزب كان «مختطفًا».2 كما نددت أحزاب المولاة من الإقصاء المنتهج ضدها في لجنة الحوار الوطني التي طالها نقد لاذع بسبب الشخصيات المختارة للتحدث باسم الشعب واكتفت الأحزاب السياسية «بتنظيم ندوات ومنتديات وإصدار بيانات وإلقاء خطب، داخل قاعات مغلقة حتى الآن حتى بالنسبة لتلك القيادات التي لا تحسن الخطابة السياسية أصلا. خطابات لم يصل صداها إلى الموطنين الجزائريين الذين استمروا في موقفهم المتحفظ من هذه الأحزاب».3

 خطاب فرّق تسد

تفطن الشعب الجزائري لخطاب ينشر التفرقة والعداوة بين أبناء الشعب الواحد خطاب مجهول المصدر يعتمد في مجمله على أيقاظ نعرات تاريخية وتخوين أجداد الشعب الواحد في الثورة التحريرية المجيدة، أصوات لا تستند لدلائل تاريخية ولا إثباتات تملكها تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لا تجد لها أثرًا في أرض الواقع هذا ما قزم من فعليتها وأسقط هذا المخطط لضرب استقرار وطن أبناء الشعب الواحد كما تبقى بعض الأحزاب المجهرية تدعو للتحريض رغم فشلها الذريع في الحياة السياسية، ولكنها لا تجد آذانًا مصغية باعتبارها من مخلفات الرئيس المستقيل.

صوت الشعب الخطاب الموازي

بزغ صوت الهامش لينبأ عن فجر جديد للكلمة الحرة ورسم بدايته من مدرجات الملاعب، فاحتواه الشباب في حراكه أغاني ولاد البهجة أصبحت نشيدًا تتلذذ به أذن الشعب ويرقص على أنغامها بعد أن قضّ مضجع السلطة وهدد وجودها قبل بداية انتفاضة الشعب أغنية «يونمار ..يونمار» التي أطلقتها فرقة «ولاد البهجة» المرافقة لفريق اتحاد العاصمة، وعرفت صدّى واسعًا في الأوساط الشبابية؛ تقول كلماتها في إحدى مقاطعها: «y ‘en a marre.. y ‘en a marre. عيينا من هذا الـ puvoir»، وتعني: «ضقنا ذرعًا.. ضقنا ذرعًا.. تعبنا من هذا النظام»4.

بعد أن اشتد عود الحراك وقام الشعب كله وأنظم الفنانون بأغانيهم كل وإبداعه هُزم الخطاب السياسي في مواجهة صوت المقهورين الذين كتم صوتهم في الأزقة المنسية والروايات المتآكلة، لكنه لطالما أنقذ الوطن من براثن المتربصين به فالحنجرة الصادقة هي التي تقف عارية الصدر أمام أبواب القصور لتصرخ بأعلى صوتها «يتنحاو قااع» أي يرحلون جميعًا يرجع الفضل كله في بروز صوت الهامش إلى غياب المنابر الإعلامية كذلك تراجع دور النخبة والمثقفين هو من أجبر الشباب على نقل صوت الكرامة إلى المدرجات والملاعب فربما ينقذ هذا الإبداع الجماعي الجزائر.

 الخطاب السياسي المنشود

تستكين الشعوب في الأزمات إلى مظاهر القوة وهذا ما يؤشر على خلل في الديموقراطية مما ينبئ بوجوب التغيير في الخطاب السياسي المنتهج.

لهذا عندما نعود إلى الماضي القريب نجد أن الشعب يلتف حول أي شخصية قوية تشعره بالأبوة شخصية ذات كاريزما وشخصية قوية تتبنى خطابًا قويًا في محاربة الفساد واستتباب الأمن، فالرجل المفقود اليوم لدى المولاة والمعارضة هو ذلك الشخص الأب الذي يلقي خطابًا واحدًا ليجد كل الجزائر تراهن عليه أنها شخصية قريبة من فلاديمير بوتين أو أردوغان ما إن تقف هذه الشخصية في شوارع الجزائر ليتبني مطالب الحراك سيقف حوله شعب عظيم يقوده نحو قصور المرادية فمن هو ثامنهم الذي سيتربع على عرش الجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد