من منا لم تفزعه حرائق أستراليا الأخيرة وقبلها الأمازون، كوارث بيئية تعني شيئًا واحد: أزمة بيئية راهنة وكارثة على المدى المتوسط والبعيد.

هذه السطور الكل يعيها أو على الأقل يفهمها، ولكن ماذا يفعل المنتظم الدولي حيالها؟ الإجابة هي: مؤتمرات المناخ التي تثير جعجعة كبيرة مثل صرخة جريتا تونبرج، التي تحولت إلى مجرد فقاعة إعلامية. جل هاته المؤتمرات تخرج بتوصية متكررة غير ملزمة بتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة والتي يمكن لترامب أن يسخر منها بسهولة.

في جذور المفهوم

تعد الإيكولوجيا (علم البيئة) فرعًا من فروع البيولوجيا (علم الأحياء) وهي مشتقة من الكلمة الإغريقية «oikos»، أي منزل الأسرة، ويعد العالم الألماني إرنست هيكل هو صاحب هذا المفهوم الذي حوله من منزل الأسرة إلى منزلنا الأرض.

وفي تعريف دقيق هو مجموع العلاقات التي تربط الكائن الحي بالوسط المحيط عضوية أو غير عضوية مباشرة أو غير مباشرة؛ ليتوسع المفهوم مع بداية المشكلات البيئية الناتجة عن التمدين والتصنيع.

الإيكولوجيا السياسية.. قلب للطاولة

في هذا المستوى يدخل مفهوم «الإيكولوجيا السياسية» على الخط ليقلب الطاولة على النزعات التي تحاول التكيف مع الأزمة دون القضاء عليها، فالنضال البيئي منذ بداية الستينات ركز – بحسب رواد النزعة الإيكولوجية – على الدعوة إلى حماية البيئة من التلوث، عكس الإيكولوجية التي تعد مقاربة ثورية، نقدية، فلسفية لا تهدف التحكم في الخراب، بل لها مهمة أكثر عمقًا وهو حرصها على الموارد الطبيعية، وتعزيز أسلوب الاقتصاد والتدبير إزاء الموارد الطبيعية، باختصار استئصال المنظومة البيئية الراهنة.

للمفهوم رواد كثر تبنوا الفكرة ودافعوا عنها مثل: أنطونيو نيجري، ألان باديو، إدجر موران، وغيرهم. للأسف لا يسعنا المجال لاستحضار فكرهم، وسنكتفي هنا بالفيلسوف النرويجي صاحب كتاب «الحكمة الإيكولوجية»، آرنه ناس، لمفهومه عن الإيكولوجية العميقة، والتي يقول عنها أنه من خلال «تجارب عميقة، وأسئلة عميقة نصل للإيكولوجية العميقة»، والتي تعني هدم النسق الحالي الذي يجعل الانسان مركز الأرض وإقامة «الإيكو مركزية»، أي مركزية جميع الكائنات الحية وعيشها في تناغم وتعايش.

إلى من توجه الايكولوجيا السياسية أصابع الاتهام؟

لا شك أننا سمعنا بالاحتباس الحراري والغازات الدفيئة، لكن من يقف وراء كل هذا؟

إن الفعل الإيكولوجي يلوم نظامًا عالميًا بأسره قائمًا على الاستهلاك وبضبط الشركات الكبرى العابرة للقارات والتي لا يهمها سوى الربح السريع ولو على حساب الأرض والإنسان واللولبيات التي تدعمها داخل الحكومات.

الأمر لا يتوقف هنا، بل يتعداه لجميع من يوجه الانسان نحو الاستهلاك المفرط بدل توجيهه لأن يكون كائنًا إيكولوجيا أي أنه مساو لجميع الكائنات الحية، وليس متعاليًا عليها وهنا يصبح الإعلام، شركات الموضة.. كل من يوجه الإنسان إلى ما هو خارج علاقته العضوية البيئية ويدفعه ليقوض هاته العلاقة يصبح فاعل في الضمار والخراب.

لماذا مصطلح «سياسية»؟

بدأ الوعي البيئي يعرف انتشارًا واسعًا اليوم، بالرغم من أنه ما زال إلى حد ما في موقف دفاع وان تبنته القوى اليسارية اليوم، بل حتى إن هناك أحزابًا بيئية تبوأت مراكز متقدمة، مثل حزب الخضر الألماني.

وفي الجهة الأخرى، فالقضية من الواضح أنها تتطلب ترافعًا سياسيًا لا يمكن أن ترفعه سوى قوى سياسية، وهذا لا ينقص من دور الجمعيات، لكن قلب أنماط الإنتاج السائدة اليوم يتطلب سلطة صنع القرار.

مستقبل الإيكولوجيا السياسية

الاهتمام بقضايا البيئة ليس وحده الكفيل بتنمية المفهوم، ولأن الإيكولوجيا تصوب سهامها نحو النظام الاقتصادي فهي تتقاطع مع الحركات اليسارية وحركات مناهضة العولمة؛ مما يجعل النضال البيئي يشمل عدة حركات وتيارات، لذا فالمستقبل رهين بتجذر هذا المفهوم داخل كل هاته الأوساط.

وعلى رأي أنطونيو نيجري: «إن الأزمة ليست نقيض التقدم، وإنما هي صورته ذاته».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد