وأريد بالثقة اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة، حينما نذكر الثقة التي ترتبط بالتنظيمات الإسلامية يرتبط بأذهان أبناء التيار الإسلامي الثقة في القيادة التي هي أساس نجاح الدعوات كما جاء في استكمال ركن الثقة كأحد أهم أركان البيعة، وقد يتفق البعض ويختلف من أبناء التيار الإسلامي على توصيف دقيق لمعاني الثقة وآليات تحقيقها، ولكنها ليست محور حديثنا في هذا المقال، فقد قتلت بحثًا وتحقيقًا وما زالت تحتاج إلى الكثير من الضوابط التي يجب أن تتواكب مع المتغيرات الواقعية المتسارعة.

ولكننا اليوم سوف نتحدث عن أزمة الثقة الحقيقية التي تواجه التيار الإسلامي، والتي لم تفرد لها أبواب التحليل والتدقيق والمنتديات والنقاشات لإيجاد توصيف دقيق لها، والوصول إلى رؤية واقعية لحلها، ألا وهي أزمة الثقة مع الآخر، فطالما تحدث الجميع ولا يزال عن ضرورة الانفتاح على الآخر من التجمعات والتيارات المختلفة دوليًّا وإقليميًّا دون أن يحدد كيفية هذا الانفتاح ومقاصده، فهل هو انفتاح تكتيكي مؤقت يهدف إلى تجاوز أزمات محددة مع القناعة الكاملة بعدم أهلية تلك التجمعات والتيارات وقدرتها على إحداث التغير المطلوب والإصلاح المنشود، وأنها غالبًا ما تحتاج إلى من يقودها إلى ذلك (نحتاج تغييرًا نقود الأمة إليه ولا ننوب عنها فيه)، صحيح لا ننوب عن الأمة فيه، ولكننا على قناعة كاملة بأن القيادة لا بد وأن تكون معنا، فماذا لو اعتقدنا أنها ممكن أن تأتي من الآخر فندعمه ونرعاه حتى وإن كنا جسرًا لتحقيق التغير؟

أم أنه انفتاح استراتيجي يهدف إلى بناء شراكة حقيقة مع مختلف تلك التجمعات والتيارات بغض النظر عن أيديولوجياتها وتوجهاتها الفكرية بغرض إعلاء وتحقيق الأهداف والقيم المشتركة، والمتفق عليها من الجميع كالحرية، والديمقراطية، والعدالة، والحق في الحياة الكريمة، وحقوق الإنسان، ونهوض الأمة سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، وغير ذلك من الأمور التي لا يختلف عليها الجميع، وإن اختلفوا في وسائل تحقيقها والوصول إليها.

الحقيقة إنها المعضلة والأزمة الحقيقية التي لم يناقشها أو يوصفها التيار الإسلامي، ولا يستطيع تجاوزها، والتي تعتبر من وجهة نظري هي نقطة التحول الفارقة في إعادة بناء التكوين الفكري للتيار الإسلامي تجاه قدراته وأدواته المتاحة له في تحقيق أهدافه.

فالمسئولية هنا تقع على عاتق دعاة التجديد والتطوير من أبناء التيار الإسلامي في بناء المناهج التربوية والدعوية والحركية ومراجعتها بما يتوافق مع متغيرات الواقع المتسارع؛ فلا بد من إعادة بناء ركن الفهم بمتغيرات العصر، وبما لا يتعارض مع الثوابت الشرعية، وإن كنا نرى أن بعض الثوابث الفكرية والحركية هي التي تحتاج إلى الكثير من الضبط بما يتوافق مع المتغيرات الدولية والإقليمية.

فالخلاصة أن التيارات والتنظيمات الإسلامية لا تنوب عن الأمة في شيء، وليست هي الأصل في النهوض، ولكن ربما تساعد الأمة في انطلاقها، وتساهم في استنهاض طاقاتها وإمكاناتها، مع تأكيد أن بقاء الأمة ونجاحها ليس محصورًا ولا مرهونًا بوجود تلك المؤسسات والتيارات، ومن هنا لم يتبق إلا خيار وحيد نُدفَع إليه مجبرين، يتمثل هذا الخيار في الانحياز الكلي لقضية صلبة، أو أرضية مشتركة، أو مشروع جامع تتوفر فيه المشروعية المجتمعية، والمظلة الشرعية، والإجماع الشعبي.

فهل يدرك أبناء التيار الإسلامي وقياداته حاجته إلى الثقة والانفتاح على الآخر؟ وكيف تكون آليات هذا الانفتاح ووسائله بما يحقق الأهداف الكبرى؟ أم ستظل الثقة في القيادة والمنهج والثوابت بما لها وما عليها هي محور منتدياتنا ولقاءاتنا الفكرية؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد