إن البشرية اليوم تعيش لحظة فارقة، منذ أن اكتسح فيروس كورونا المستجد المعروف بكوفيد-19 Covid ربوع العالم، وتحول من وباء Epidemic إلى جائحة Pandemic، لا تبقي ولا تذر، حيث إنه مستمر في تخليف إرث وركام ثقيل من التداعيات السلبية التي لم تكن متوقعة ولا منتظرة البتة، على جميع المستويات، سواء منها الاقتصادية أو الجيوسياسية أو السيكوسوسيولوجية.

فبدايته كانت بخلق حالة من اللاتوازن واللاسيطرة في أعتى وأقوى الأنظمة الصحية، من جراء كثرة الإصابات التي تعد بالآلاف وحالات الفتك التي تسجل بالمئات يومًا بعد يوم، وامتلاء المقابر عن بكرة أبيها، الأمر الذي استدعى إحداث مقابر جماعية والاستعانة بغرف تبريد ثابتة أو متنقلة، خصوصًا في القارة العجوز، وبعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية،  ومؤخرًا في أمريكا اللاتينية، أربك أيضًا مخططات الدول واقتصاداتها بما فيها تلك المصنعة، فمن الطبيعي أن ترتبك الاقتصادات في ضل معامل موصدة الأبواب وخطوط إنتاج متوقفة وسياحة معطلة ومبادلات تجارية محدودة أو منعدمة وحدود مغلقة.

لن نتحدث في هذا المقام عن سبب الجائحة وسرعة الانتشار والمنحى الوبائي وسباق البحث المخبري الجاري لإيجاد اللقاح، والروايات المتعددة والمتضاربة في آن واحد، عن وجود مؤامرة بيولوجية وبائية في إطار تجارب عسكرية، من عدمه أو عن تصفية حسابات سياسية، وما لوحظ من تراشق للاتهامات بين بكين وواشنطن، فالتاريخ وحده كفيل بفك الألغاز، والاحتفاظ بأجوبة لكل التساؤلات.

لكن ما يلفت الانتباه وما وجب الوقوف عنده من وجهة نظري، هو مدى شفافية ومصداقية الفيروس، كونه عرى عبر العديد من الوقائع عن عورة المنظومة الأخلاقية لكثير من البلدان، تلك البلدان المتقدمة والمتحضرة التي طالما نسمع عن توفرها على منسوب عالٍ من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقبلهما الأخلاق السياسية، دول لا تكتفي بممارسة تلك القيم العليا في التدبير على أراضيها وحسب، بل تسعى جاهدة عبر الهيئات الدولية والموازية للترويج لها والحرص على تطبيقها، وفق فلسفتها الخاصة وزاوية إدراكها للأمور، كل هذه الممارسات تسائلها اليوم وبشدة عن مدى صدقية تلك الشعارات والمناظرات، ومدى تماسك صرح التعاون الدولي، أمام الامتحان العسير، في خضم سؤال الأخلاق والسياسية بوصفهما ثنائية، يجب أن تكون متجانسة لا متضادة، ولا يمكن تجاوزها ما دامت ترتبط بموضوع يمس البشرية بل يمس فرضية بقاء البشرية.

لقد وقف الجميع مندهشين بعد قراءة، مشاهدة أو سماع الأخبار التي تتحدث عن اعتراض شحنة من الكمامات هنا، والسيطرة على أدوية ومعدات علاجية ومستلزمات مخبرية هناك، وامتناع بعض الدول المصنعة للمواد الطبية وشبه الطبية من تصديرها لمن هم في أمس الحاجة لها، الأمر الذي يكشف حجم الأنانية المستبطنة، لدى بعض الدول والتي ما زالت تؤمن بسمو الأعراق وعقدة الهيمنة المشبعة بالفردانية والامتلاك المطلق للحقيقة والمعرفة وسبل العيش والبقاء، وتشتغل بالمنطق الميكيافيلي؛ الغاية تبرر الوسيلة، بل إن الغاية السياسية تمر عبر تجاوز المبادئ والقيم، حيث الأخلاق تعد حاجزًا أمام تطور الدولة، بل قد تضعفها وتحطم هيبتها، ولو بلغت تلك الوسيلة كونها ستحكم على شعوب أخرى بأكملها بالفناء والاندثار، وهو المنطق السياسي المتطرف الذي يأتي في مقابل المنطق الفلسفي للوجود.

إن أزمة كورونا جعلت من سؤال الأخلاق الدبلوماسية والاجتماعية، حقيقة لا مفر منها، خصوصًا بعد حجم الغرور الذي اتضح أنه يشوب البشرية ومدى تضخم الأنا لدى بعض الأجناس، في غياب تام للالتزامات الأخلاقية ومواثيق الأمم المتحدة، هذه الأخيرة التي تتبنى شعار المساعدة الإنسانية، إلى جانب قيم التكافل والتضامن وأشياء أخرى.

كما أن هذه الأزمة، ستعيد خلط الأوراق وترتيب الأولويات، ومن ضمنها الأخلاق السياسية وحجم الفقاعات الدولية الهلامية التي لم تكن سوى أوهام لنظام عالمي إنساني منسجم ومتحد، فإنها ستخضع مفهوم العولمة لتمحيص عسير، بعدما كان بقيادة رأسمالية متوحشة لا يعير اهتمامًا لحدود ولا يعترف ببعدي الزمان والمكان.

ارتباطًا بما سبق ذكره، وجب وضع السؤال الآتي وبشدة؛ هل العالم العربي سيخضع هذه المعطيات المستجدة لمنطق الفهم والتحليل، ويبدأ الاشتغال وفق رؤية استراتيجية بعيدة الأفق، حيث لا مزيد من الاتكالية فيما يخص الصناعات الحيوية الغذائية والطبية، وقبل كل ذاك الاستثمار في الرأسمال البشري خير استثمار، أم أنه سيستمر في الثقة غير المحسوبة العواقب في منتظم دولي بدت عليه الأنانية كسمة طاغية في ظرف حالك؟

أحسب أن هذه فرصة للبلدان العربية والنامية لكي تعيد فهم الأمور بمنطق آخر يغلب عليه طابع الاكتفاء الذاتي في إطار الاستثمار الوطني، حيث لا مجال لمزيد من الاتكالية العمياء والثقة المطلقة في المنتظم الدولي الذي أثبت فشله كما سبق البيان، وبالتالي فإعادة اعتبار الدول لنفسها ولقدراتها وطاقاتها كفيل بضمان خروجها السلس من الأزمات في ظل واقع ومستقبل بيئي، اقتصادي، اجتماعي وسياسي كوني، يطرح أكثر من علامة استفهام، ويحتمل أكثر من علامة تعجب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد