تتَفاوتُ الأحزابُ والجَماعاتُ ذات الخلفيّات الأيديولوجيّة في الصّيرورةِ التّاريخيّةِ والفِكريَّةِ لِتَشَكُّلِها؛ فَمِنَ الأحزابِ ما تَتْشَكَّلُ بِفعلِ الحاجَةِ المُجتَمَعيّةِ ثُمّ تُطَوِرُ مَنهَجيَّةً فِكريّةً وهويَّةً خاصَّةً بِهِا، ومِنها ما تَتَشَكّلُ على أثرِ نُضوجٍ وسِجالٍ فِكريٍّ طويلٍ، وهذا غالِبًا ما يَنشأ في بيئةٍ ناضجَةٍ فِكريَّا.

 

ومِثالُ الحالَةِ الاولى، الخوارِجُ، فإنّ الخوارجَ قبلَ مَعركَةِ النّهروان لَم يَكونوا قد تَشَكّلوا فِكريًّا وأيديولوجيًّا، ولَكِنّهم تَشَكّلوا في سياق الواقِع السّياسيّ، ثمّ بدأ هذا التّيارُ يبحَثُ لِنَفسِهِ عن تماهي وهويّةٍ يتمايزُ بها عَن التّيارِ العريضِ السّائدِ في المُسلمين، ولِذا رأينا انّه اختَلَقَ طوامًّا كُبرى كانَ الخِلافُ فيها صَغيرًا، فَجعلَوهُ كبيرًا حتّى قالوا بخلود مُرتَكِبِ الكَبيرَةِ في النّارِ.

 

وبِسَبَبِ الظُّهورِ المُفاجئِ، فإنَّ هذه الجماعاتِ والأحزاب تبدأُ بالبَحثِ عنِ امتِدادٍ لَها في عُمقِ التّاريخِ لِشَرعَنَةِ الذّات، ولِذا فإنَّ بعَضَ مُتأخّري الخوارِجِ حلا لَهم أن يَعودوا بِهذا الفِكرِ إلى ذي الخويصرة- عبد الله ذي الخويصرة التميمي-، وكانَ هذا الأخيرُ، قَد اعترضَ على النّبيّ الكريمّ (صلّى الله عليه وسلّم) في بَعضِ الغَزواتِ، وانتَ تَرى انَّ في ذَلِكَ تَمَحُّكًا كَبيرًا ، لَكِنَّ هذه الفِرقَةَ – كَغيرِها-  أمعَنَت في البحثِ لَها عَن سَنَدٍ تتّصلُ بِه وتعتزي إليه.

 

ومِثالُ الثّاني –أي نُشوء الجَماعَةِ على إثرِ نُضوجٍ فِكريٍّ- المُعتَزِلَةَ؛ فإنّ (واصِلَ بَنَ عَطاءٍ) تَربّى على إمامِ أهل السُّنَّةِ في زَمانِهِ (الحَسَن البَصريّ)، إلا أنّه كانَ يُطوّرُ – بينَما هو على بِساطِ الحَسنِ البَصريِّ – مُقارَباتٍ بل مُقارَناتٍ ما بينَ مَنهَجِ الحَسنِ البَصريِّ والمُرجِئَةِ حَتّى تولَّدَ لَديهِ مَنهَجٌ خاصٌّ، اعتَزَلَ على إثرِهِ مَجلِسَ الحَسَنِ، وسُرعان ما تَشكّلَ من حولِهِ التّلاميذُ الّذين وإن ترامَت بِهم الأقطار، جَمَعهم المنهَجُ العَقليُّ الثّوريُّ، تارَةً، والتشيُّع لآل البيت الكِرام في أُخرى، فرأوا في اهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ انّهم: نصّيّونَ، ” حَشَويّونَ”، “صِفاتيّونَ”، بل نَشأت لَدَيهم فِكرة استِعلائيّة على سوادِ المُسلمينَ العظَمِ، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

 

هَكذا نشأت أغلَبُ الحَرَكات، الجَماعاتُ والأحزابُ ذات الخلفيّات الأيديولوجيّةِ في مَشرِقِنا العربيّ. وإذا أرَدنا أنْ نَقرأ الوَضعَ الإسلاميَّ الرّاهِنَ والوَضعَ في المَرحَلَةِ القادِمَةِ بِصورَةٍ صحيحَةٍ ودَقيقَةٍ، فإنّ عَلَينا أن نَستَحضِرَ هذه الصّورَةَ في أذهانِنا.

 

الانتِماءُ للماضي

تَنافَسَت الحَركاتُ الإسلاميَّةُ والمَعاهِدُ الدّينيّةُ في بداياتِ القَرنِ الفائتِ على مَرجِعيّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فقد كانَت كُلُّ جماعَةٍ او حِزبٍ تَخُطُّ لِنَفسِها مَنهَجًا اجتِهاديًّا يرسُمُ علاقَتَها بِمَفهومِ الاعتِصامَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وقَد كانَ هذا الشّعارُ في تِلكَ المَرحَلَةِ شِعارًا كافيًا، إذ إنَّ الحَرَكاتِ الإسلاميّةَ لَم تَحكُم بالفعلِ، ولِذلِكَ لَم تُطالَب بان تَعكِسَ فهمها الفقهيَّ والفِكريَّ لنُصوصِ الوحيين (القُرآن والسُّنّة) إلى أرضِ الواقِعِ، سيّما فيما يتعلّق بالعباءَةِ السّياسيّةِ.

 

بَدأ عَهدٌ جَديدٌ في تاريخِ الحَرَكاتِ الإسلاميَّةِ على إثرِ السّماحِ لَها بِخَوضِ الانتِخاباتِ في أكثَرِ من وَطَنٍ عَربيٍّ، وهُنا وُضِعَ هذا الفَهمُ الحَركيُّ للقُرآن والسُّنّةِ على المِحَكِّ، فبعدَ أنْ كانَ القُرآن والسُّنّةُ مَرجِعَينِ في السّياقِ الأصوليّ العامّ، صارا مَرجِعَينِ في السّياقِ الفِقهيِّ التّطبيقيّ. و السّياق الفِقهيِّ مَعناهُ أنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ ستُبينُ عَن فَهمِها للقُرآنِ والسُّنّةِ في السّياقِ العَمليِّ، سيّما فيما يتّصِلُ بمَيدانِ الفِقهِ السّياسيِّ.

 

في تِلكَ المَرحَلَةِ بدأ النّقاشُ يَنتَقِلُ من الطّورِ التّنظيريّ، إلى الطّور العَمَليِّ، فَبَعدَ أنْ كانَت بَعضُ النّصوصِ الشّرعيّة تُقدّمُ كَمَنهَجٍ، صارَت الحَركَةُ الإسلاميَّةُ المُعاصِرَةُ مَطالَبَةً، ببيانِ رأيِها التّفصيليِّ في هذه القَضايا السّياسيّةِ الكُبرى منها مَفهومُ الشُّورى، وهل هي مُلزِمَةٌ أم مُعلِمَةٌ، مِنها طاعَةُ الأميرِ او الحَاكِمِ ومدى إلزاميّتها، والتعارُض بين طاعة وليِّ الأمر وأميرِ الجَماعَةِ، وما هي مُكَفّراتُ الحاكِمِ، والتّحالُفاتِ الحِزبيّةِ، والفِقهِ الثّوريّ، أو فِقهُ الثّورَةِ والخُروجِ..؟

 

إنَّ هذا التّيارَ الحَرَكيَّ الّذي عايَشَ هذه المَرحَلَةَ في كثيرٍ من البُلدان، منها: السّودان، الكويت، الأردُن، لُبنان، مصر، الجزائر، وتركيا آمَنَ أنّه لا بُدَّ من الاجتِهادِ في الفِقهِ السّياسيِّ، وإنَّ آلَةَ الاجتِهادِ وإن تفاوتت تعاطيًا ومَعرِفَةً في هذه البُلدانِ، إلا أنّها صارَتْ مُستَخدَمَةً، وظَهرَ مُنذُ فَترَةٍ مُبكّرةٍ النّقاشُ حولَ مَفهومِ النّظامِ السّياسيّ في الإسلام، لعلَّ محمد رشيد رِضا في كِتابهِ ( الخِلافَةَ) ثم عبد الرزّاق السّنهوري ومحمد درّاز مرورًا بالأستاذ عبد القادر عودة كانوا من اوائلِ من ناقَشَ هذه الأمور. وسواء وافَقنا او اختَلَفنا، فقد توالت النّقاشاتُ الحَرَكيّةُ في الفِقهِ السّياسيِّ بَعدَ ذلِكَ حتّى بَلغَت مدىً بِعيدًا في كِتاباتِ الدَكتور حسن التُّرابي وغيره. وللتذّكير، فليس هدفي من هذه الوَرَقَةِ أن أُناقِشَ من كانَ مُصيبًا ومَن كان مُخطئًا، بِقَدرِ ما انّني أتتبَّعُ السّيرورَةَ التّاريخيّةَ للقضيّةِ.

 

مَعَ بُروزِ التّيار الجِهاديِّ السّلَفيِّ في أفغانِستانَ ثُمّ العِراقِ والشّام، بدأ يَظهَرُ تَصورُّ جَديدٌ وهو العَودَةُ للقُرآنِ والسُّنَّةِ، وِفق فَهمِ سَلَفِ الأُمّةِ، حتّى في سياقات الفِقهِ السّياسيّ. إنّ هذا التّيارَ رأى في أيِّ مُقارَبَةٍ لِفَهمِ القُرآنِ والسُّنَّةِ لا تَخرُجُ عَن عباءَةِ السّلَفِ، والمَذاهب الفقهيّةِ المُعتَمَدَةِ سَتَكونُ مَردودَةً. وإنّما شَدّدَ هذا التّيارُ على فِكرَةِ القُرآن والسُّنّةِ بِفَهمِ سَلَفِ الأُمّة، لأنّه رأى في بَعضِ تعاريجِ المَذاهِبِ الفقهيّةِ دَعوةً إرجائيّةً، خاصّةَ فيما يتعلّقُ بالفَتاوي التي نَظَمَت العلاقَةَ بينَ الحاكِمِ والمَحكومِ، ووجوبِ طاعَةِ وليِّ الأمرِ إلا في الكُفرِ البَواحِ.

 

لِذلِكَ رأى هذا المَنهَجُ الفِقهيُّ أنَّ السّبيلَ الأقصَرَ والأيسَرَ هو الحُكمُ بِكُفرِ الحاكِمِ، وفي تعاريجِ الفِقهِ السّلفيِّ ما يُمكِنُ ان يَخدِمَ هذه الفِكرَةِ، وبالفِعل، فقد تمّ الحُكمُ بِتَكفيرِ الحُكّامِ، وهذا فَتَحَ بابَ إعادَةِ إسقاطِ الفِقهِ السّياسيِّ، كما لَم يَكُن يومًا من الأيّام. فإنّ الفُقهاءَ تَعاملوا دَومًا مع “الخَليفَةِ” على أنّه مُسلِم وإن جلدَكَ وظَلَمَكَ. لَكِنَّ هذا التّيارَ وَجَدَ نَفسَهُ إزاءَ إشكاليَّةٍ أُخرى حينَ يَستَجلِبُ الفِقهَ السّياسيَّ بِعباءتِهِ المَذهبيَّةِ وهيَ أنَّ الكثيرَ من الفرائضِ الكِفائيّةِ مَنوطَةً بِوجودِ الخَليفَةِ الحاكِمِ.

 

الخَليفَةُ المُسلم

بينَما تَشَكّلَ تَيارٌ جِهاديٌّ سَلَفيٌّ في العِراقِ، ظَهَرَت ثوراتُ الرّبيعِ العربيِّ، وامتَدّت حتّى وصَلَت الشّامَ ووصَلَت مُحافَظاتِ الأنبار السُّنّيَّةِ السّبعَةِ تقريبًا. عِندَها وَجَدَ التّيارُ الجِهاديُّ نَفسَهُ إزاءَ واقِعٍ وهو انّه يُقاتِلُ إلى جانِبِ أُناسٍ يَقبَلونَ اصلاً بِالمَنهَجِ الدّيمَقراطيّ إمّا في سياقاتِهِ الفلسَفيَّةِ – كما هو الحالُ مع الثّوار الليبراليينَ- أو فقط في سياقاتِها الإجرائيّة والاجتِماعيّةِ كما هو الحالُ مع كثيرٍ منَ التّياراتِ الاسلاميّةِ، ولأنَّ هذا التّيارَ يرى أنّ الدّيمُقراطيَّةَ على صَعيدَيها؛ الفَلسَفيِّ ومُفرزاتِهِ الإجرائيّةِ كُفرٌ، بل رِجسٌ مِن عَملِ الشّيطانِ، رأى نَفسَهُ يُقاتِلُ إلى جانِبِ من يرى فيه كافرًا ما إن لو حَكَمَ على هذه الطّريقةِ الّتي يَطرَحُها. وهُنا واجَهَ هذا التّيارُ الإشكاليَّةَ الكُبرى، وبِفِطرةِ الارتِباطِ بالفِقهِ السّياسيِّ القَديم، ومِن غير وجودِ أيِّ شَهوَةٍ في الحُكمِ والسّيادَةِ رأى هذا التّيارُ أنّ الحلَّ الأنسَبَ يكمُنُ في إعلانِ الخِلافَةِ.

 

إذ يَفتَرِضُ مُنَظّرو هذا التّيارِ أنّهُ وقتَذاكَ، يُمكِنُ القولُ: إنّه قَد صارَ للمُسلمينَ خَليفَةٌ شرعيٌّ، عِندَها تُطَبّقُ كاملُ الآراءِ الفِقهيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بالخَليفَةِ من وجوبِ البَيعَةِ والطّاعَةِ والقِتالِ تَحتَ لوائِهِ وقَتلِ من يُبايعُ على بيعَةِ الأوّل، والتّعاطي معَ المُخالِفِ على أنّهُ باغٍ … إلى ما هُنالِكَ من الآراءِ الفقهيّة الّتي افرَزتها كُتُبُ الأحكامِ السُّلطانيَّةِ والسّياسَةِ الشّرعيَّةِ والسّيرِ والجِهاد.

 

الفقه السّياسي وتجييره

إنَّ الإشكاليَّةَ الكُبرى الّتي تواجِهُ الفقيهَ الأصوليَّ عِندَما يَتعاطى مَعَ الموروث الفقهيِّ السّياسيِّ (قولي الموروث الفقهي لا يَعني ابدًا أنني أفتَرِضُ أنّه إرثٌ ماضَويٌّ)، هو أنَّ هذا الفِقهَ كُتِبَ ـ يومَ أن كُتِبَ ـ ومَدارُهُ على المَصلَحَةِ المُعتَبَرَةِ شَرعًا، ولِذلِكَ، فإنَّ اغلَبَ ما يَحكُمُ هذا الفِقهَ هو، إمّا آياتٌ او أحاديثُ مُجمَلَةٌ، وإمّا قواعِدُ فقهيَّةٌ جامِعَةٌ، فَمِن مِثال النُّصوصِ المُجمَلَةِ، قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وَمِثالُهُ من السُّنَّةِ، حديثُ (الإمامِ مُسلِمٍ) عنه صلّى الله عليه وسلَّم: “اللهم من وَلِيَ من أمر أمّتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومن ولي أمر أمتي فرفَق بهم فارفق به.”، وأمّا من القواعد الفقهيّة الجامِعَةِ فهي كثيرةٌ، لعلَّ أهمَّها قاعِدَة،: “تصرُّف الإمام على الرَّعيَّة منوطٌ بالمصلحة”، عقّبَ الإمامُ السّيوطيُّ في (الأشباه والنّظائرِ) عليها قائلاً: “هذه القاعدة نصَّ عليها الشّافعي وقال ” منزلة الإمام من الرعية منزلة الوليِّ من اليتيم “.

 

إنَّ هذه الرّوح الّتي بُنِيَ عَلَيها الفِقهُ السّياسيُّ في الإسلامِ، تَجعَلُ مِنهُ فِقهًا ناميًا مُتَطوِّرًا بِخلافِ فِقهِ العِباداتِ، فقد وصَلَ إلى رُشدِهِ واستوى على سوقِهِ، حتّى صارت الزّيادَةُ فيه ضَربًا من الخَيالِ، وذلِكَ لأنّ مدارَ فِقهِ العِباداتِ قائمٌ على اساسِ الدّليلِ المُباشِرِ الجُزئيِّ، بينما مدارُ الفِقهِ السّياسيِّ قائِمٌ على الدّليلِ المُجمَلِ الكُليِّ، وهو في الحالَةِ الأولى قد لا تَبدو علّتُهُ (أي فقهُ العِباداتِ) – عِندَ من رأى أنّ الشّريعَةَ مُعلَّلَةً كُلَّها بما في ذلِكَ العِباداتِ ـ بينَما لا بُدَّ من ظُهورِ عِلّيَّتِهِ في الحالَةِ الثّانيَةِ، أي الفِقهِ السّياسيّ.

 

إذن، فالإشكاليَّةُ اليَومَ، تَبدأُ عِندَما يُستَجلَبُ الفِقهُ السّياسيُّ بِعباءَتِهِ الأولى، من غَيرِ النَّظَرِ في مآلاتِ الأمورِ، معَ أنَّ النّظَرَ في مآلاتِ الأمورِ أصلٌ أصيلٌ في الشّريعَةِ الإسلاميَّةِ، ولذلكَ قالَ الإمامُ الشّاطِبيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): “النظر في مآلات الأفعالِ معتبرٌ مقصودٌ شرعاً؛ -سواء-  كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ”. وفي هذا الكلامِ من إمامِ عِلمِ المَقاصِدِ ما يُغني عَن كُلِّ شيءٍ، وإذا كانَ هذا نَظَرُ الإمامِ الشّاطِبيِّ للأعمالِ الفرعيّةِ كُلِّها، فلأن يَكونَ مُعتَبَرًا في الفِقهِ السّياسيِ من بابِ اولى. وذلِكَ لأنّه كما تَقدّمَ فإنَّ مدارَ عَمَلِ الحاكِمِ على المَصلَحَةِ فيما لا نصَّ فيه، ولأجلِ ذلِكَ فليسَ غريبًا قولُ الإمامُ ابنُ قيّم الجوزيَّةِ (رحمه الله): ” الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ، ودلائل الحال ، ومعرفة شواهده ، وفي القرائن الحاليّة والمقاليّة ، – كفقهِهِ في كليَّات الأحكام (أي الكُليَّات الكُبرى الّتي تُرَدُّ إليها الجُزئيّاتُ وتحتَكِمُ إليها) – أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها ، وحكم بما يعلم الناس بطلانه ، لا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله .”

 

إنَّ الإشكاليَةَ اليَومَ، هيَ أنَّ بعضَ التّياراتِ الجِهاديَّةِ استَقدَمَت، بل استَخدَمَت الفِقهَ السّياسيَّ، من غَيرِ نَظَرٍ في مُتَغيَّراتِ الأحوال، وتبدّلاتِ المآل، فبدا الفِقهُ السّياسيُّ كما لو أنّه غريبٌ لا يَحمِلُ الرّوحَ التّوحيديّةِ التّجميعيّةِ، ولا الرّوحَ التّيسيريَّةَ، بل ولا يَمُتُّ للآصِرَةِ الإنسانيَّةِ…

 

خَطر دعوة التّقليد

إنَّ التّقليدَ على من لم يَملِكْ آلَةَ الاجتِهادِ واجِبٌ، لَكِنّنا عِندَما نتَكلَّمُ عنِ الفِقهِ السّياسيِّ، فإنّنا نتكلَّمُ عن اختلافِ زَمانٍ لا اختِلافِ فَتوى، وعليه، فإنّ دَعوَةَ التّقليدِ المُطلَق فيها خَطَرٌ كبيرٌ عِندَما تُؤخَذُ في سياقاتِها السّياسيَّةِ، فإنَّه قد شاعَ في الآوِنَةِ الأخيرَةِ، انّه يَكفي ان يَكونَ لَك إمامٌ مَتبوعٌ فيما بينَكَ وبينَ الله تعالى، وذلِكَ في عُمومِ فُروعِ الفِقهِ الإسلاميِّ. بِمَعنى انّ أيَّ رأيٍ فِقهيٍّ تَتبنّاهُ ما دامَ بينَكَ وبينَ الله تعالى في العَمَلِ بِهذا الرّأيِ أمامٌ كبيرٌ من الأئمّةِ الأربَعَةِ – بوجهٍ خاصٍّ- فقَد اعذَرتَ إلى الله تعالى. وهذا الكلامُ عِندَما يتعلّقُ بِالفِقهِ السّياسيِّ يَكونُ غايةٌ في الخُطورَةِ ، لأنّ هذا الفِقهَ مبنيٌّ على النَّظَرِ في مآلاتِ الأمورِ، ومَبنيٌّ على الاجتِهادِ التّطبيقيّ والرّقابيِّ أكثَرَ مِنهُ على الاجتِهادِ الاستِنباطيِّ.

 

ولو انَّ الأئمَّةَ أنفُسَهَم عاشوا في زَمانِنا لأعادوا النّظَرَ في الكثيرِ من الفَتاوي الّتي أطلِقوها، لأنّها وقتَ الاجتِهادِ الرّقابيّ المآليِّ سيَتَضِّحُ أنّها تُفضي إلى خِلافِ مَقصِدِها، بالرّغمِ من أنّها كانَت صالِحَةً لِزَمانِهم ومَكانِهم.

 

وفي المُقابِلِ، فإنّ فَتح باب الدّعوة للاجتِهادِ السّياسيِّ على مِصراعيهِ، سيجعَلُ هذا البابَ نَهبًا، لِمَن لهُ مَعرفةٌ، ومَن ليسَ لَهُ ادنى مَعرفة، وبِذلِكَ، فإنَّ الواقِعِ السّياسيَّ سيواجِهُ سَيلاً من الأفكارِ، منها ما هو مُستَقيمٌ على قواعِدَ من العَدلِ والهِدايَةِ، ومِنها ما هو مُعارِضٌ تَمامًا لِهذين المَفهومينِ. وعَلَيهِ، فالّذي يَعتَقِدُهُ صاحِبُ هذا المَقالِ، هو انّه آنَ الآوانُ أنْ تُنشأ مَجامِعُ فِقهيَّةٌ خاصّةٌ للتصدّي للفِقهِ السّياسيِّ، لا يَكونُ أفرادُها مِمّن لَهم دِرايَةٌ عَميقَةٌ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ والفِقهِ والأصولِ فقط، بل عبرَ سُؤال أهلِ الذِّكرِ في تَخصُّصاتِهم الأُخرى كالتّاريخِ، والسّياسَةِ وعلوم الاجتِماعِ… عِندَها سيعلَمُ الجَميعُ أنَّ التمسُّكَ بِقَولٍ لعالمٍ قالَهُ في سياقاتٍ مُختَلِفَةَ، وغرَضَ لِتَحقيقِ أهدافٍ مُختَلِفةً، لا يُعتَبرُ دَليلاً من غَيرِ عرضِهِ على الفِقهِ الرّقابيِّ والمآليِّ في سياقِهِ الجَمَعيِّ وليسَ الفَرديِّ، وبِذلِكَ نُسهِمُ في تَعزيزِ خيريَّةِ الأُمّةِ من جِهَةٍ، وعِصمَتِها ككُلٍّ من جِهَةٍ أُخرى. ويَنشَأُ فِقهُ سياسيٌّ أساسُهُ العَدلُ وتَحقيقُ مَفهومِ الخَيريّةِ في ظِلالِ التّوحيدِ كما يَطرَحُهُ القُرآنُ الكَريمُ، ويُنظَرُ للأُمّةِ كمَجموعٍ على أنّ وَظيفتها الكُبرى هي أن تَكونَ حُجّة الله تعالى على خَلقِهِ (لِتكونوا شُهداءَ على النّاسِ)! كما وأنَّ غَرَضَ هذا الفِقهِ يَكونَ تَوحيدُ الكَلِمَةِ لا تَفريقِها، وتَطهيرِ النّفوسِ لا تَدنيسِها، وترقِيَةِ العُقولِ لا تَنميطِها…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد