«العافية المفقودة هي الحرية السياسية؛ ومهرها كثرة الطلاب»

يقول «عبد الرحمن الكواكبي»، في رائعته «طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد»، كلمات، على  قدر سهولتها، إلا أنها ذات مدلول كبير، ومعاني عظيمة؛ إذا حاولنا فهمها؛ وذلك لما تبلغه الحرية السياسية من قيمة عظمى في حياة الأفراد والأمم على حد سواء؛ فمع الحرية السياسية يصبح من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه بحرية مطلقة، دون أن يخشى من بطش سلطان، أو ملاحقة فرد أمن، أو اتهام بالعمالة أو التخوين، كما نرى في بلادنا اليوم!

فمع الحرية السياسية يصبح الفرد مؤمنًا بقيمته في وطنه، مقتنعًا بذاته، آمنا على نفسه، ومقتنعًا بأهمية رأيه ودوره في بناء ذلك المجتمع، وتحديد الطريقة التي تدار بها الأمور، لاسيما من الناحية السياسية في الدولة التي يحمل جنسيتها، وينتمي إليها.

وكيف لا؟ وهي الحرية!

السر الأول في الحياة، والغاية العظمى لبني البشر، والهدف الذي يبذل من أجله الناس كل غال ونفيس، إنها «إكسير الحياة»، الذي ما دب في جسد بال، إلا أعاده حيًا، وما وجد في وطن تائه، إلا أرشده إلى طريق النهضة والتقدم.

لا أدري لماذا اختار الكواكبي لفظ «العافية المفقودة» تحديدًا؛ ليصف به الحرية السياسية، لكن ذلك لا شك دليل على مدى أهميتها، ودورها في حياة المجتمع، ونهضته وتقدمه، بل في مجرد وجوده في هذه الحياة.

ولا شك أنه في الواقع من حولنا الكثير من الدلائل التي لا تخفى على أحد، عن مدي تأثير غياب الحرية السياسية في عالمنا العربي، على كافة الأصعدة، ليس من الجانب السياسي فقط، بل حتى على الحياة اليومية للمواطن، وما التردي الذي وصلنا إليه في منطقتنا العربية، على كل الأصعدة: السياسية والاجتماعية والثقافية والصحية والدينية والاقتصادية، وحتى التربوية، من ذلك ببعيد.

فغياب الحرية السياسية، هو السرطان الذي ينتشر في جسد الأمة؛ ليقضي على كل ماتبقي لها من أمل، ويفتح أبوابًا لشرور، وكوارث، ربما أقلها الاستبداد، وليس آخرها، وهو الفساد!

ويبقي السؤال: هو كيف يمكننا إدراك ما يمكن إدراكه، وقبل فوات الأوان؟

ولعل الكواكبي في جملته هذه يقدم لنا جزء بسيطًا من الإجابة، بقوله «ومهرها كثرة الطلاب».

فالحرية كماهو معروف تٌنتزع انتزاعًا،لا تستجدى، وكثرة الطلاب مقصود بها أن تصبح الشغل الشاغل لكل أبناء الشعب وأفراده، وليست مقتصرة على فئة منهم، أو جماعة دون غيرها، ففي الوقت الذي تصبح فيه الحرية السياسية مطلبًا لأبناء أمة من الأمم، فليس هناك شك، من أنهم سيحققون ما يطمحون إليه يومًا ما، مهما طال الزمن.

وإن كنا نسعى لتطبيق ذلك في بلادنا، ونحلم بأن نراها يومًا ما تنعم بحرياتها كاملة، وعلى رأسها السياسية، فلا شك أن البداية تبدأ من الفرد، وأن البناء يبدأ به، فقد أثبتت الأحداث المتتالية في عالمنا العربي خلال الخمس السنوات الأخيرة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن أوطاننا لا ينقصها الموارد، ولا الإمكانات، ولا الأفكار، فأرضنا تذخر بمواردها التي لا نهاية لها إلى أن يشاء الله.

أما الإنسان، فقد أثبتت الأحداث أن عندنا مشكلة في بنائه، إجتماعيًا ودينيًا وثقافيًا وخلقيًا وصحيًا وتربويًا وتعليميًا واقتصاديًا، وأن الإصلاح الجزئي الذي قد تنتجه أية ثورة في رأس أي نظام، لن يصمد طويلًا، ما لم يكن مدعومًا بإصلاح داخلي؛ يؤازره ويحافظ عليه، وأن يكون الإنسان وبناؤه هو الهدف الأساسي لهذا الإصلاح، والمهمة التي يسعى لتحقيقها أولًا وقبل كل شيء.

فمع بناء الإنسان يصبح مؤهلًا لممارسة حقوقه السياسية، ولعب دوره المنتظر منه في بناء الوطن والنهوض به، ويصبح على درجة كافية من الوعي تسمح له بذلك؛ حتى يسترد الوطن عافيته المفقودة، فهل نفعل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد