موسى والخضر

استكمالًا للمقال السابق، وبعيدًا عن التمذهب، لا ريب عند عموم المسلمين في شأن هذا العبد الصالح، فخلافهم اقتصر على مدى علو مكانة هذا العالم حتى قالت بعضها أنه ما زال على قيد الحياة، وأنه سيخرج مرةً أخرى من مأواه لإكمال دوره النبيل، وإن بدا غير منطقي أو عقلاني، فالمفهوم البشري القائم على المنطقية الخالي من التفلسف لا يستطيع استقبال هذا الدور، وإن بلغ منطق النبوة، بعضهم قطع بنبوته، وبعضهم ظن أنه مهديهم المنتظر، وبعضهم قال إن الله رفعه حيًّا كمثل عيسى ابن مريم.

إلا أن تعدد الروايات في شأنه لا يصح أن يوقف الإمعان في الشأن ذاته، ومن عظيم الأمر أن الريب عندنا انقطع في صاحب العلم اللدني إنما اليقين في بصيرةٍ مستوحاةٍ من الخالق لقوله وعلمناه من لدنا علمًا قطعت الطرق نحو الريب، وإن وقع الجدل، وانقسم إلى عقيمٍ وبنَّاء.

تلقى موسى رحلته في طلب العلم على يديه، وقد بلغ مبلغ النبوة وأمر بالرسالة. لكن هذا لا يغني عن العلم شيئًا، فبدأت الرحلة بخرق السفينة، فثارت نفس موسى، وأبدى الاستياء بقوله لقد جئت شيئًا إمرًا، وذلك لما لديه من نبوة ورسالة وفطرة سليمة لكن خالية من التفلسف.

استكمل المسير حتى قتل الغلام، فثارت نفس موسى بالاستنكار قال أقتلت نفسًا زكيةً بغير نفس، فلم يبرر الخضر، فهو يعي جيدًا أن العادة تغلب، والخطأ طبيعة العنصر البشري، وأن موسى الرسول النبي ما زال يحتاج إلى العلم، وما زال ينقصه التحرر من المنطق البشري العادي لاستكمال الرسالة كما ينبغي فسرعان ما بادر موسى بقطع العهود على نفسه، والتراجع عن خطئه قال إن سألتك فلا تصاحبني، فقد بالغت في الأعذار، ونبوة موسى تحتم عليه ذلك.

فكثرة الوقوع في الخطأ، والمبادرة إلى الأعذار لا تليق بمقام النبوة المقدس لكنها تناسب مقام تلقي العلم بين طالبٍ ومعلم، وإن نبذت أو استكرهت، فكثرة أسئلة موسى منعت عنَّا الكثير من العلم اللدني الذي آتاه الله الخضر.
وفي الأخير بناء الجدار الذي ترتب عليه هدم الرحلة، وقطع القول بهذا فراق بيني وبينك، فلا مجال للخطأ أو الاعتذار، ولا قبول للتسرع مرة أخرى إلا أن الخضر توقف عن فلسفته اللدنية، وعاد إلى المنطق البشري الطبيعي مرةً أخرى حينما قرر التبرير والشرح قال سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا.

لم نجد في هذا المقام الأول أن الخضر ينظر إلى الشكليات أو يراعي العادة والتقليد إنما ينظر إلى الضرورة، وتقديم العام على الخاص، والموقف يسوده حالة من النبل العام بين الرجلين، فالخضر لا ينظر أبدًا للمقدمات أو العواقب التي تناله، وكذلك موسى حين يستنكر لا يستنكر لذاته إنما للضرورة وتقديم العام على الخاص، فالخضر لما خرق السفينة لم يخش على نفسه الغرق، وهو أحد ركابها وموسى لما استنكر قال لتغرق أهلها لم يقل لتغرقني.

وفي الأخيرة لم نتحسس الطمع في نفس أي منهما في الكنز، فالخضر أقام الجدار للحفاظ على كنز الغلامين اليتيمين في مشهد يفيض بالوئام النفسي لدوره الموكل إليه بالرحمة لقوله تعالى آتيناه رحمة من عندنا، ولدوره الموكل إليه بالعلم اللدني في حفظ حقوق الغلامين لصلاح أبيهما.

وقيل أنه جدهم السابع أي على الأرجح لم يره الخضر، ولم تجمعهم المواقف إنما الرسالات الإلهية فقط، ولم نجد موسى الذي لم يكن ليجد غداءه يطمع في الكنز لذاته أو يسعى لاستخراجه لاقتسامه مع الغلامين ليستعين به على قضاء حوائجه إنما حالة من التجرد المنقطع النظير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد