عبقرية فرعون وسليمان من قصص القرآن

 إن سليمان بن داوود اختصه الله بأعظم ملك في تاريخ البشرية، وآتاه إلى جانب ملكه علمًا وفهمًا ونسبًا، فهو ملك بن ملك أي سليل ملوك، ووهبه الله ما لم يهب لبشريٍّ قبله أو بعده ولن يهب، فهي خصوصية سليمان بحكم العالمين إنسهم وجانهم وطيرهم وحيوانهم، وغير ذلك من المسخرات كالجبال والحديد… إلخ.

استوقفني موقف سليمان من الهدهد حين تفقد الطير فلم يجده في أسرابهم، فتيقن شروده أو هربه ويكأن سليمان أحصى الطير عددًا، وهذا أمر غاية في الغرابة، ولا يعقله أمثالنا من محدودي القدرات العقلية، والمنح الإلهية، ومن ثم توعد سليمان الهدهد على مرأى ومسمع محكوميه من الجن والإنس والطير قائلًا لأعذبنه عذابًا شديدًا.

تعددت الروايات في وسائل تعذيب سليمان للهدهد منهم من قال ذبحه، ومنهم من قال حبسه وعزله عن أقرانه، ومنهم من قال نتف ريشه، ومنهم من أضاف إلى نتف الريش وضع المازوت على جلده، وتعريضه للشمس ليصاب بالاحتراق، واختلفت الأقاويل في هذا الشأن، لكني أرى الأمر بمنظور آخر مكتظ بالدهاء والحنكة والعبقرية السياسية.

والشاهد على ذلك أن سليمان حين تفقد الطير علم غياب الهدهد، وهذا ليس بالسهل أو اليسير أو الطبيعي إنما هو من شبه المستحيلات لكن لسليمان قدرات خاصة تمكنه من ذلك، وأرى أنها تمكنه أيضًا من معرفة موقع شرود الهدهد، وأسباب شروده
والعبقرية السياسية تمثلت في التهديد المعلق على شرط أي إذا تحقق الشرط زال التهديد وقد كان تحقق الشرط، وهو إتيان الهدهد لسليمان بسلطانٍ مبين.

ولعلني ألتمس في الأمر المعرفة الحتمية أو على الأقل اليقينية من سليمان لزوال التهديد، فما كان لسليمان بكل ما آتاه الله من خصائص أن يترك ملكه وحكمه، ويتفرغ لتعذيب الهدهد ليصبح تهديده أمرًا واقعًا، أراه بعيدا كل البعد إنما في الأمر علل أخرى منها إحكام قبضته على باقي المحكومين وإصابتهم بالذعر والهلع حتى لا ينفرط ملكه إذا فعل كل منهم فعلة الهدهد، وهذا نوع من الاستبداد المحمود، أي أن سليمان كان مستبدًا مستنيرًا، وعبقرية سياسية فريدة.

ربما أراد سليمان أن يستن سنة أخرى حسنة، وهي نظرية تصويب الخطأ، فلما شمل علمه ومنطقه بواطن الأمر، فحتمًا يعلم أن الخطأ هو طبيعة الخليقة، فهو يمنح فرص أخرى بأسلوب التورية لتصحيح الخطأ، وكلها تصب في توسعة ملكه وحكمه ودائرة معلوماته، وهذا نهج مخابراتي يدرس الآن في العلوم التخابرية، وقد كان له ذلك.

 إن فرعون رغم استبداده وكبره وتجبره وجبروته، وموازين القوى التي آلت إليه، وجمعها بين يديه من دولةٍ وجنودٍ وحاشيةٍ واقتصادٍ وعمارةٍ وكهنة… إلخ.

هذا كله لا يعدو نسبة 5% من عبقريته السياسية التي تمثلت في عدم الاستهانة بخصمه، وعدم ثقته بالمحيطين به من آل بيته كزوجته أو سلطته الدينية المتمثلة في كهنة آمون أو سلطته الإعلامية المتمثلة في السحرة أو ثقته في موسى ذاته وهو ربيبه.

لعلني ألمس من ذكاء فرعون وعبقريته السياسية أنه تنبأ بنهاية ملكه، وأن موسى هذا الذي لم يكن ليراه حاكمًا غير مؤهل للإمارة سوى يتيمًا لقيطًا عبدًا أسود ألدغًا متهورًا عاريًا تمامًا من القوى، وعاجزًا تمامًا عن المجاراة السياسية على أقصى تقدير بخلاف نظرة فرعون له.

الشاهد على ذلك هو عدم استخدام فرعون لسياساته الاستبدادية المعهودة عنه مع موسى، وتحوله إلى رجل دولة ديموقراطي حكيم حريص على محاورة ومجادلة رجل من أداني رعيته؛ بل، وجمعه لرجال بلاطه لمجاراته.

بناء على ذلك قد كان لفرعون ما تنبأ به من أمر موسى، وقد كان موسى القشة التي قسمت ظهر البعير.

وأي بعيرٍ كان لفرعون إذ آتاه الله ملك حضارة من أقوى الحضارات على مر التاريخ البشري بعد ملك سليمان وذي القرنين.

لا تغضوا البصر عن الجانب الإيجابي لطاغية يدعى فرعون، إياكم ثم إياكم والاستهانة بكل صورها، فلا ثوابت في الحياة إلا ما قدر الله تثبيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد