تحتل النكتة مكانة كبيرة في حياة المصريين، حتى عُرف الشعب المصري بروح الفكاهة، وكثرة الدعابة، وخفة الدم، وطرافة الحديث؛ وقد استُخدمت النكتة في مصر للتخفيف من وطأة الحياة، وضنك المعيشة، كما تمّ توظيفُها للنيل من الحكام، وإسقاط هيبتهم، تمهيدًا لخلعهم والانقلاب عليهم.

أولًا: النكتة السياسية أحد عوامل التنفيس

أحد عوامل انتشار روح الدعابة والمرح؛ هو اعتماد المصريين في حياتهم على زراعةٍ قوامها نهر النيل؛ إذ أخضعهم هذا في آنٍ واحدٍ لعاملين: الأرض المحدودة وسط الصحراء، والحاكم الأعلى الذي يفرض سلطاته على الجميع، بل يحتاج إليه الجميع لشق الترع وتطهير القنوات، وتنظيم عملية الري، وحلّ المنازعات بين الفلاحين، هنا يصبح الحفاظ على الحكومة حفاظًا على الحياة، وأي أعمال شغب، أو تمرد أو ثورة قد تؤدي إلى بوار الأرض وهلاك المحصول.

الأمر الآخر: معروف أن الزراعة تحتاج إلى عدد كبير من الأيدي العاملة، أي إلى نسبة عالية من المواليد، استتبعت مقدارًا كبيرًا من المعاناة؛ بسبب الفقر والمرض والعيش المأساوي، وهكذا أصبح الإنسان المصري محصورًا بين رمال الصحراء، وأمواج البحر من جهة، وبين حاكم ظالم وضرائب باهظة، وإتاوات كبيرة من جهةٍ أخرى، فكان لا بد من العثور على ضَربٍ من الهروب الذهني يخففون به وضعهم الخانق؛ فوجدوه في الاعتقاد الجازم بحياةٍ أخرى وإطلاق النكات، ولقد لخص عباس محمود العقاد هذا بقوله: «إن المزاح والتدين هما توأما الشخصية المصرية»؛ ولذلك تجد أكثر فئات الشعب المصري مقدرةً على الهَزل أشدّها فقرًا، وحين تسألُ أحدَهم لماذا تُكثر من النكات؟ يقول: «من الغُلب يا بيه».

وهكذا عرف الشعب المصري طريقةً سهلة لمعارضة الحكام ومقاومة الظلم، وهي إطلاق النكات، على أن هذه المعارضة السلبية، وإن كانت لا تحملُ تهديدًا للنظام فإنها تزعجه وتُضايقه، يقول المؤرخ أبو شامة عن السلطان عز الدين أيبك؛ أول سلطان مملوكي: «لما تسلطن أيبك التركماني، لم يرضَ به أهل مصر، فكان إذا ركب يسمعونه العوام ما يكره».

وقد اشتكى عبد الناصر من حجم النكات التى أطلقها الشعبُ على قواته المسلحة عقب نكسة 1967م، فقال فى المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكى العربى بلغةٍ صارمة: «بطلوا نكت».

واعترف وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء حسن أبو باشا، بأن «أجهزة الأمن كانت تجمع النكات في عهد السادات»، وأنه كان يعرض على الرئيس، حين كان مديرًا لمباحث أمن الدولة، تقريرًا يتضمن أهم النكات السياسية التي يتداولها المصريون أسبوعيًّا.

أما النصيب الأكبر من النكات فكان لعبد الفتاح السيسي، الذي حاصره المصريون بالنكات منذ قراره بالترشح للرئاسة، وأطلق عليه نشطاء لقب «بلحة»، لدرجة اقتراح البعض تسمية العاصمة الإدارية الجديدة «بلحة لاند»! حتى كشف السيسي نفسه عن ضيقه من «تنكيت» المصريين عليه قائلًا: «حجم النكت اللي طلعت عن الموضوع فوق الخيال»، مختتمًا حديثه بالقول «أرجو إنكم تنكتوا بالراحة شوية عليَّ»! ثم تكون المحصلة أن الشعب لا يتوقف عن التنكيت، وحكام لا يتوقفون عن الظلم.

ثانيًا: النكتة السياسية إحدى وسائل التوظيف

هنا تُوظف النكتة للنيل من الخصوم، وإسقاط هيبتهم، تمهيدًا للتخلص منهم والقضاء عليهم. وهو أسلوب متبع في مصر منذ الفراعنة، قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ»؛ فالضحك والسخرية والاستهزاء وإطلاق النكات كان إحدى وسائل الفرعون لتشويه دعوة موسى عليه السلام.

يحكي العميدُ الركن هشام جابر في كتابه «النكتة السياسية عند العرب» أنه كان خلال عام 1979 في الولايات المتحدة الأمريكية يتابعُ دراستَه في الحرب النفسية بقاعدة «فورت براج» في كارولينا الشمالية، وكانت العادة في نهاية الدورة الدراسية أن يقدم الطالب دراسةً عملية للقيام بعمليات نفسية أو حربٍ نفسية في بلدٍ يختاره وتوافق عليه إدارة الكلية، ثمَّ يفرقُّ العميدُ الركن هشام جابر بين الحرب النفسية والعمليات النفسية طبقًا للمفهوم الأمريكي، فالأولى تُنفذ في بلادٍ معادية للولايات المتحدة، والثانية لدعم نظامٍ حليف، ثم يقول: كانت مصر حينها (1979) إحدى الدول المستهدفة بالعمليات النفسية؛ لدعم النظام المصري وإضعاف خصومه.

في الحرب النفسية تُستخدم كلُّ الوسائل المتاحة للتأثير في نفسية الجماهير ومعنوياتها، واتجاهها السياسي، ومن هذه الوسائل: أدوات الإعلام المقروء، والمسموع، والمرئي، بالإضافة إلى الإشاعات التي تنتشر انتشار النار في الهشيم، الملفت للنظر أن القائمين على الدراسة الأكاديمية بقاعدة «فورت براغ» أعطوا النكتة السياسية في مصرَ بالذات مكانًا متقدمًا في العمليات النفسية على الشائعة وبعض الوسائل الأخرى، معتبرين أن النكتة السياسية في مصر تنتقل بسرعة البرق، وكلما ازدادتْ حِدةً وطرافةً، زادت مساحةُ انتشارها، ولا يقف أمامَها حاجز.

يبقى أن تعرف أن الفرقَ بين التنفيس والتوظيف هو أن التنفيسَ يجعل النكتةَ غايةً في حدِّ ذاتها، يطلقها الشعب ثم ينام مرتاحًا لأنه قد نال من حُكامه وسَخِرَ من ظالميه وجلاديه، بينما التوظيف يجعل النكتةَ وسيلةً لهدم النظام، ثم يُتبعها بوسائلَ أخرى أشدّ خطرًا، وأكبر ضررًا، وأكثر إيلامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد