تتصاعد الأخطار المحدقة بالمسجد عامًا بعد آخر، والاحتلال يسعى بشكلٍ حثيث إلى تحويل الوجود اليهودي في المسجد من وجود عابر مؤقت إلى وجودٍ دائم، عبر إعادة استهداف المسجد ومكوناته البشرية، إضافةً إلى رفع حجم الاقتحامات واستهداف المصلين والمرابطين في مجمل المسجد الأقصى والمنطقة الشرقية على وجه الخصوص، وما يتصل بهذه الاعتداءات من مطالبات لـ«منظمات المعبد» بأن يسمح للمستوطنين بتأدية صلواتهم التلمودية علنية داخل المسجد.

وتعد الاقتحامات السياسية أبرز صور الاحتضان الرسمي لاقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وتماهي أعضاء «الكنيست» والوزراء في حكومة الاحتلال مع مخططات «منظمات المعبد»، إذ تشكل مشاركة السياسيين الإسرائيليين في اقتحامات المسجد، أبرز الطرق التي يتجاوب فيها البعد السياسي للاحتلال مع أطروحات المستوطنين عامة وجماعات «المعبد» بشكلٍ خاص، إضافةً إلى تسجيل الحضور في الحياة السياسية الإسرائيلية من بوابة اقتحام المسجد، عدا عن كونها أداة لجذب أصوات الناخبين في انتخابات «الكنيست»، وصورة من صور تقديم الدعم السياسي لهذه المنظمات المتطرفة، والانخراط في جوقة استهداف الأقصى ومكوناته البشرية.

هذا التأثير الداخلي للاقتحامات السياسية، يأتي مع تأثير خارجي على الشارع الفلسطيني عمومًا، وعلى المقدسيين على وجه الخصوص، إذ تأتي هذه الاقتحامات السياسية في سياق استفزاز مشاعر الفلسطينيين، وصورة لفرض السيادة الإسرائيلية على الأقصى، وهي خطوة ظهرت جليًا في اقتحامات الحاخام المتطرف يهودا غليك، إبان عضويته في «الكنيست»، وتصريحاته المتتالية إن من خلال الاقتحامات أو عبر منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وأخذ الصور التذكارية في الاقتحام.

وقد برز في السنوات الماضية عددٌ ضئيل من أعضاء «الكنيست» والوزراء في حكومة الاحتلال، لا يمثلون سوى 3% من مجمل أعضاء «الكنيست»، يشاركون في هذه الاقتحامات. وعلى الرغم من التغيير الكبير في أعضاء «الكنيست» خلال العامين الماضيين، لم تتغير هذه النسبة كثيرًا، وبقي عدد مقتحمي الأقصى من السياسيين ضئيلًا، مقارنة بعدد الأعضاء الذين يدعمون فكر «منظمات المعبد»، ويروجون لأطروحاتها وأفكارها، داخل وخارج المنظومة السياسية الإسرائيليّة.

وبجسب معطيات تقرير عين على الأقصى السنوي الرابع عشر الصادر عن مؤسسة القدس الدولية في العامين الماضيين، شهد عام 2019 نحو 17 اقتحامًا سياسيًا، في مقابل اقتحام سياسي واحد في عام 2020، على الرغم من خوض الطبقة السياسية في حكومة الاحتلال ثلاثة انتخابات برلمانية في أقل من عامين، ويعود هذا التراجع إلى مجموعة من المعطيات، أبرزها:

انشغال السياسيين الإسرائيليين بوباء «كورونا»، خاصة مع موجة التفشي الثانية التي ضربت دولة الاحتلال في عام 2020، وعدم قدرة الاحتلال على احتواء الوباء.

صراعات تشكيل الحكومة التي لم تر النور إلا بعد شهرين من انتهاء انتخابات «الكنيست» التي جرت في شهر مارس (آذار) 2020، وهو صراع ما زال محتدمًا حتى اليوم، خاصة مع قضايا الفساد التي تلاحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، والخلافات حول قضايا داخلية وخارجية جوهرية.

تراجع تأثير ما يُعرف بـ«كتلة المعبد» نسبيًّا، على صعيد الحجم والتأثير، وكذلك محدودية قدرة «منظمات المعبد» على لعب هذا الدور، في حشد المستوطنين والاعتداء المباشر على الأقصى، إذ لم تعد تنعكس الاقتحامات السياسية على حجم مقتحمي الأقصى.

هذا التراجع الكبير ينعكس حتى على الاقتحام السياسي الوحيد في عام 2020 حتى لحظة كتابة المقال، فقد شارك فيه عضو في «الكنيست» لم يكن قد أدى اليمين الدستورية بعد، ففي 30 يوليو 2020 شارك أميت هليفي (ليكود) في اقتحام المسجد بالتزامن مع ذكرى «خراب المعبد»، وصرح خلال الاقتحام قائلًا: «جئت إلى هنا لأصلي لكي تبدأ مشاركتي في العمل السياسي الأسبوع القادم كعضو في الكنيست، ولأكون شريكًا في استمرار بناء صهيون والقدس وبمساعدة الله سننجح».

ويقدم هذا التراجع مؤشرًا بالغ الأهمية، عن موقع اقتحام الأقصى في بيئة إسرائيلية شديدة السيولة، خاصة مع الأخطار والمتغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة. ويمكن إضافة ملاحظة أخيرة في طبيعة هذه الاقتحامات، إلى تحول اقتحام الأقصى لدى عددٍ من هؤلاء إلى نسقٍ من التدين الذاتي، على غرار وزير الزراعة السابق أوري أرئيل الذي أعلن انسحابه من الحياة السياسية الإسرائيليّة، ما ينفي أي تبعات سياسية لسلوكه تجاه الأقصى.

ختامًا، أصبحت الاقتحامات السياسية شكلًا من أشكال الاستعراض السياسي الإسرائيلي، وعنصرًا يستخدم لجذب المتطرفين إبان انتخابات «الكنيست»، ولدعم مطالبهم واعتداءاتهم، كما أنها أصبحت أمرًا واقعًا في السنوات القليلة الماضية، ما يدفع نحو استمرار هذه الظاهرة، خاصة أن بعض اقتحامات المسجد، خاصة تلك التي تتزامن مع المناسبات والأعياد الإسلامية، تحولت إلى مواسم للمزايدة السياسية بين أحزاب الاحتلال، ومحاولة رفع سقف الاستهداف والتصريح، وعودة التصريحات التي تستهدف الأقصى ومكوانته البشرية، على غرار تصريح وزير النقل في حكومة الاحتلال النقل بيزاليل سموتريتش: «من يتحكم في المسجد الأقصى هو من يتحكم في الأرض، وأن أي حكومة ذات سيادة يجب أن تسمح لمواطنيها بدخول أقدس الأماكن اليهودية متى شاؤوا»، وهو تحكم يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا ومستمرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد