مجدي منصور

36

مجدي منصور

36

845

لعلني لم أتفاجأ من الأحداث والتغيُرات التي حدثت في المملكة السعودية، ولكني تفاجأت بالشكل الذي جرت به ومن قوة اندفاعها. فلقد تصورت أن التغيير سيجيء هادئا سلسًا ناعمًا ولكني فوجئت به يهب كالإعصار قويًا عنيفًا خشنًا، خصوصًا أن تلك التغيرات التي قام بها ولي العهد (محمد بن سلمان) جرت مع أحداث إقليمية شديدة الأهمية في ظاهرها وباطنها وهي تنطوي على تطورات وتغيرات إقليمية غاية في الخطورة.

ورغم أنه لم يكن في جدولي الكتابة عن المملكة لأنني كتبت من قبل على صفحات ساسة بوست سلسلة مقالات عن المملكة تحت عنوان: محاولة ناصرية لفهم السياسة السعودية، إلا أن الأحداث دفعتني دفعًا لتغيير جدولي، والعودة من جديد لأحداث المملكة! وربما من هُنا أنني وجدت نفسي مُطالبًا بدرجة معينة من التفصيل في الرواية والتوثيق تصورته وحده قادرًا على الكشف والجلاء، وكان ذلك ما اضطرني إلى أن أقسم هذا الموضوع إلى جزئين:

الأول: يمد الجسور إلى الحدث بمحاولة فهم طبيعة تفكير رجال الحُكم فى السعودية والثوابت الحاكمة لهم.

والثاني: ينطلق بخُطىً ثابته نحو قلب الحدث مباشرةً محاولًا فهم وتفسير التغيرات التي طرأت.

ولقد دفعني إلى ذلك حقيقة أن الأحداث السياسية لا تندلع فجأة من وسط السكون، ولا تُطل برأسها فجأة من قلب المجهول، وإنما هي ظاهرة تمت صياغتها في قانون أو شبه قانون ملخصه: «أن التاريخ لا ينقطع فعله».

إنني أعترف باستفادتي كثيرًا من قراءة كتابي (الأمير) لـ(مكيافيلي) و(مقدمة ابن خلدون) للعلامة (ابن خلدون). فقد كان مكيافيلي يُعطي (للأمير) رُخصًا مفتوحة للتصرف بغض النظر عن أي رادع أخلاقي مما عُنون تحت مقولة (الغاية تبرر الوسيلة) وبهذا يكون مكيافيلي هو أول من وضع لبنات نظرية (البراجماتية) قبل كُل من (تشارلس بيرس، وسبنسر، ووليام جيمس) بمئات السنين.

ومما يُروىَ عن أطروحة (الأمير) أن والي مصر الكبير (محمد علي) باشا سمع بتلك الأطروحة وطلب من رجاله أن يأتوه بها  وبدأ أحد خاصته يقرأها عليه حتى وصل إلى النصيحة التي تقول: «يا أيها الأمير إن أردت أن تقضى على أعدائك فاقض عليهم جماعة وليس فُرادىَ»، فقال (محمد علي) لمن يقرأ: «اصمت فإني أعلم منه بذلك». فقام بعمل مذبحة القلعة!

وكان ابن خلدون يتحدث عن أحوال الممالك والملوك في فترات «الصعود» و«الهبوط». وقد ساعدني هذين المرجعين في محاولة فهم الحالة السعودية.

(1)

يا قيس هذا عالم طينته التجبر
تطغى على رائدها صحراؤه وتغمُر
وغاية الممعن في نظامه التحير
مهما علمت عنه فالذي جهلت أكثر
مسرحية مجنون ليلى – أحمد شوقي

إن المملكة التي نشأت بمغامرة من الملك «عبد العزيز» عندما قام وبعض من رجاله لا يزيد عددهم على ستين رجلًا ودخلوا الرياض فجأة واستطاعوا اقتحام حصن أميرها (عجلان) عامل (بن الرشيد) وانطلق عبد العزيز بعد ذلك ليوسع ملكه.

  1. إن الملك (عبد العزيز) بوعيه الغريزي أدرك أنه لن يستطيع أن يُسيطر على كل تلك المساحة الكبيرة من الأرض التي استولى عليها بغير طريقين: إما إخضاع القبائل التي عليها «بالسيف» أو التفاهم معهم و«شرائهم بالذهب» على طريقة (سيف المعز وذهبه) ولكن المشكلة أن الملك لم يكن يملك العدد الكافي من الرجال ولا العتاد لكي يُخضع كل تلك القبائل، والمعضلة الأكبر أنه لا يمتلك الذهب الذي يغدقه على تلك القبائل لشرائها أو لشراء شيوخها.
  2. وكان الحل العبقري الذي وجده مؤسس السعودية هو (مصاهرة) القبائل الكبيرة أي أن (يقوم الملك عبد العزيز بالزواج من القبائل ذات الوزن والتأثير!) وهو بذلك يشبه أمراء أسرة (الهابسبورج) في أوروبا الذى يقال أنهم:  «وسعوا مُلكهم في غرف النوم أكثر مما وسعوها في ميادين القتال!» وبهذا تكونت قبيلة كاملة جديدة باسم مؤسس المملكة تزيد على سبعة آلاف من الأمراء إخوة وأبناء وأحفادًا. وتلك نقطة هامة سينبني عليها الكثير فيما بعد.
  3. إن الملك بعد أن استتب له الوضع في الجزيرة العربية بعد المُصاهرات القبلية، كان عليه أن يجد لنفسه (لقبًا) يُقدم به نفسه أمام حكام المنطقة في ذلك الوقت (أسرة محمد علي في مصر) وأبناء (الشريف حسين في كل من العراق وسوريا والأردن) وكان أن اختار لقبًا مُعبأً بالإيحاءات الدينية والدنيوية معًا وهو لقب (خادم الحرمين الشريفين). وبهذا يكون قد جمع المجد من طرفيه ليصبح معه الدين والدنيا في لقب واحد! لمعرفة التفاصيل عن اللقب راجع الرابط التالي.
  4. إن المملكة السعودية التي اكتُشف بداخلها كنز وهو (البترول) ومن ثم فـ(الكنز ومن ثم الدولة) تصبح في خطر دائم وداهم والخطر له مصدرين:

مصدر داخلي: (الشعب السعودي ذاته) والخوف الدائم من (الثورة) ولعل ذلك كان السبب في (كراهية) كل حكام المملكة الذين خلفوا (عبد العزيز)، لم يشذ منهم أحد من (سعود وحتى سلمان) لكل صوت قومي ثوري يدعو إلى التجديد والاستقلال والعدالة الاجتماعية ومن ثم إعادة اقتسام الثروة والسلطة من (جمال عبد الناصر مرورا بصدام حسين وبينهم معمر القذافي) للتفاصيل مراجعة الرابطين التالين.                                                                                                                  ومصدر خارجي إقليمي: فدول الخليج كلها وعلى رأسها السعودية لا تستطيع مواجهة قتال حتى وإن امتلكت السلاح والشاهد أن الوضع الجغرافي لدول الخليج والسعودية منها يضعها وسط حصار من القوى المحلية والإقليمية وعلى خطوط التماس بين تيارات مذهبية وفكرية، فالخريطة الجغرافية تُظهر أن دول الخليج كلها ومنها السعودية محاطة بدول مجاورة ليست أقوى منها فحسب، وإنما إلى جانب قوتها لها مطالبها القديمة أو الجديدة وهي مطالب هاجعه كسيف في غمده يمكن إشهاره في لحظة.

هناك إيران وهناك العراق وللاثنان مطالب في دول الخليج: حقوق تاريخية، حدود، عصبيات، نفوذ، أمن. وهناك مصر وسوريا ونفوذهما السياسي واصل ودورهما في التوازنات مطلوب. وهناك عند الجنوب الشرقي وعند الشمال الغربي العسكرية الباكستانية والعسكرية التركية وكلاهما أصبح موجودًا حاضرًا  بقواته ومعداته في المنطقة، ويمكن أن يكون له ما يحلم به خصوصًا مع باكستان مع وجود تأثير هندي قوي في الخليج مع وجود جاليات آسيوية كبيرة في الخليج. وهناك في الأعماق خلافات أسَر وتصادم شيع وثارات قبائل ومنافسات تمتد من قصور الأمراء إلى إسطبلات الخيل. وهناك وراء الأفق أساطيل لقوى عظمى وقواعد وإمدادات جرارة.

ينبني على ذلك: أنه مادامت (الثورة ممنوعة) على (الشعب) فـ(الاختلاف والتمرد) ممنوع على (الأمراء) فالأسرة السعودية لم تُسامح أبدًا الملك (سعود) بعد أن خلعته وأسقطت فترة حكمه كاملة حتى في صور الملوك المتعاقبين على العرش كما فعل الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي السابق بالنسبة لزعمائهم الذين سقطوا في الصراعات الداخلية للحزب فانمحى كل أثر لهم حتى في الصور والقواميس ودوائر المعارف.

إن المملكة التي لا تستطيع أن تخوض حربًا والوقوف عسكريًا للحفاظ على مصدر ثروتها وقوتها وهو (البترول) ضد أي من القوى الإقليمية كان يجب أن تجد من يحميها وسط هذه المنطقة المتفجرة من كل جانب، فالمنطقة مليئة بخلافات أسر وتصادم شيع وثارات قبائل ومنافسات تمتد من قصور الأمراء إلى إسطبلات الخيل.

وعندما بدأ البترول السعودي يطفو على السطح كانت تلك هي نفس اللحظة التي قررت فيها الولايات المتحدة ألا تعود إلى عُزلتها مرة ثانية (كما فعلت بعد الحرب العالمية الأولى) وكان ذلك بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية وقررت بعدها أن تقوم بوراثة الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا) وأن تتحكم بموارد البترول في العالم وعلى رأسها الشرق الأوسط.

وعلى ظهر الطراد الأمريكي (كوينسي) أعطى الرئيس الأمريكي (روزفلت) ما أراده (عبد العزيز): المال والحماية والتعهد بكفالة العرش ومن ثم الحكم في نسل المؤسس للسعودية. وكان التعهد الذي قدمه روزفلت لعبد العزيز كالتالي:

أود أن يُصبح مفهومًا بوضوح أن بإمكان المملكة العربية السعودية أن تعتمد على صداقة الولايات المتحدة وتعاونها في كل ما يمس سلامتها وأمنها

وهذ التعهد يُعطيه كل رئيس أمريكي لكل ملك جديد في السعودية من (عبد العزيز وحتى سلمان) وقد ظل سرًا حتى أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في بيان رسمي سنة 1963 كتهديد لمصر الناصرية في ذلك الوقت. لمراجعة تفاصيل اللقاء.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

ولعل السعودية في هذه النقطة تتشابه مع إسرائيل فالسعودية ارتبطت ببريطانيا في البداية وإن كان ذلك قد تم على مضض لأن الملك عبد العزيز لم يكن يرتاح للسيد الإنجليزي لأنه يتعامل معه بتكبر وتعالٍ ولكن بمجرد أن وجد أن شمس الإمبراطورية البريطانية تغرب لهث للوقوف على أبواب السيد الأمريكي صاحب الشمس المشرقة لكي يأخذ منها الحماية من الأعادي! الشريف «حسين» وأبنائه الذين كانت الكراهية بينهم واصلة إلى الأعماق لدرجة جعلت شاعر بلاط الملك (عبد العزيز) «فؤاد حمزة» (وقد أصبح فيما بعد سفيره في تركيا). يُلقي قصيدة يسخر فيها علنًا من دخول نجل الشريف حسين الملك (فيصل) إلى دمشق وكانت بداية القصيدة بيتًا يقول:«بسيفك لا بسيف الإنجليز.. دخلت الشام إيزي ثم إيزي». مُستعملًا كلمة «easy» ومعناها (سهل) لتكملة الشطر الثاني من بيت الشعر!

وكذلك فعلت إسرائيل فهي ارتبطت في بداياتها بالإمبراطورية الفرنسية وبمجرد أن شحبت أضواء باريس جرت على الفور لتلتحق بشمس الإمبراطورية البريطانية في لندن وبعد معركة السويس مع مصر (الناصرية) 1956 حولت عطاءها على الولايات المتحدة وتلقت البركة من البيت الأبيض في واشنطن لتتلقى منه هي الأخرى الحماية من العرب الأشرار! وعلى رأس هؤلاء زعيم الأشرار (جمال عبد الناصر) كما قال (موشي ديان) لـ(ماك جورج باندي) مستشار الأمن القومي في إدارة (كينيدي).

لكن الفرق أن إسرائيل بعد فترة شبت عن الطوق وأصبحت تمتلك قراراها الذي به تستطيع أن تقول لراعيها الذي يصرف عليها ويعطيها السلاح والهبات بملء الفم (لا) sorry!

وأما السعوديون فهم لم يشبوا عن الطوق بعد، برغم مشاركتهم بكل الأشكال وبكافة الصور في كل  المخططات الأمريكية وبرغم كل الأموال التي دفعوها في الماضي ويدفعونها في الحاضر وأغلب الظن سوف يواصلون دفعها في المستقبل مادام البئر لازال به بترول لم ينضب بعد! للسيد الأمريكي إلا أنهم وحتى هذه اللحظة لا يستطيعون أن يقفوا أمامه إلا منكسرين مُطأطئي الرأس شاحبي الوجه وكل مُناهم نظرة رضاء من السيد الجالس على الكرسي الرئاسي في البيت الأبيض سواء كان اسمه «بوش» أو «كلينتون» أو «أوباما» أو «ترامب»، (جمهوريًا) كان أو (ديموقراطيًا) لا يهم!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏7‏ أشخاص‏

وفى أحد الاجتماعات بين الزعيم (جمال عبد الناصر) والملك (فيصل) في عام 1966 قال الرئيس المصري «الثوري» للملك السعودي «الرجعي»!:

إن الولايات المتحدة لا تُريدنا أصدقاء بل تُريدنا عملاء وعلى أفضل الأحوال تابعين لها وأنا لا أستطيع لعب هذا الدور وعلى فرض أني قبلت بذلك فإن الشعب المصري سيرفض.

وأكمل «ناصر» حديثه قائلًا:

إن الفرق بيننا وبين إسرائيل أننا لا نستطيع أن نكون ملتصقين بأمريكا هم يستطيعون أما نحن إذا فعلنا نفقد استقلالنا فورًا.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

(2)

لا يمكننا أن ندخل في باب القدرة على ذبح أقران المرء من المواطنين، أو الغدر بالأصدقاء، أو عدم الوفاء، أو التجرد من الشفقة والتدين وقد يصل الإنسان بهذه الوسائل إلى السيادة بالفعل، بيد أن هذه الوسائل لا تُكسبه مجدًا. الأمير – مكيافيلي

تأسيسًا على كل ما سبق فإن حكام المملكة من «عبد العزيز» مرورًا بـ«سعود» و«فيصل» و«خالد» و«فهد» و«عبد الله» و«سلمان وولده» مرجعيتهم (الأمن) أي (أمن الأسرة والثروة والسلطة) الذي يوفره (الأجنبي) لهم وفق العهد الذي يعطيه لهم السيد الأمريكي منذ مؤسس المملكة (عبد العزيز) وحتى يومنا هذا ومن كل ذلك نجد أن مرجعيات أي طرف هي: (تربيته ونشأته ورؤيته لعالمه ودوره فيه ومسؤوليته إزاء هذا الدور وتقديره هو وليس تقدير غيره لترتيب التناقضات التي تمثل المخاطر والتهديدات المحتملة أمامه) وفيما يتعلق بالملوك العرب كلهم وليس ملوك السعودية فقط فإنه يمكن ملاحظة ما يلي:

  • أن رؤيتهم لمصلحة أوطانهم ولأمن هذه الاوطان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة النظام الملكي من البداية حتى النهاية.
  • أن النُظم التي اختلط فيها (أمن الوطن) بـ(أمن المُلك) قامت بحقائق الواقع العربي الحديث على أسر حاكمة تنافست مع أسر حاكمة أخرى وكان الحَكم النهائي بين الطرفين قوى أجنبية (بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية).
  • إن الاتصال والتعاون بهذه الأسر الحاكمة ومع القوى الأجنبية ارتبط تقليديًا بمصالح أمن وثروة يستحيل حمايتها دون هذا الاتصال والتعاون وتحويله إلى استراتيجيات وهو أمر لابد من إعلانه وإشهاره ليؤدي دوره في التأثير على (الخصوم) قبل أن تفرض الظروف ضرورة (ردعهم).
  • إن عقيدة أي مَلك على عهدة السيد (كمال أدهم) مدير مخابرات السعودية في عهد الملك (فيصل) وصهره أيضا هي: (المحافظة على المُلك، والاُسرة، وبقاء العرش، واستمرار توارثه بسهولة ابنًا عن أب) وذلك هو ضمان الاستقرار الملكي. للتفاصيل يرجى مراجعة الرابط.
  • إن هناك نُظمًا ثورية ظهرت في العالم العربي ومهما كانت الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي دعت هذه النظم فإن ظهورها كان خطرًا على الملوك ومعاديًا لهم مباشرةً ومهددًا لأوطانهم من وجهة نظرهم ثم إن ظهور بعض هذه النظم استقطب مشاعر كتل كبيرة من رعايا الملوك رغم إرادتهم وتحديا لسلطانهم (النظام المصري الناصري) مثالًا.
  • يزيد على ذلك اعتقاد الملوك العرب عامةً والسعوديين خاصةً إلى درجة اليقين بأن (النظم الثورية) لا تستطيع أن تتحدى (الدول الكبرى) في المنطقة وبالتبعية (إسرائيل) ومحاولة مثل هذا التحدي هو (مغامرة طيش) كلاهما مُرتد على أصحابه وربما على غيرهم.

وتطبيقًا لذلك: فإن الملك (سعود) لديه رخصة لمحاولة اغتيال (جمال عبد الناصر) بكافة الأشكال وبكل السُبل عدة مرات وضرب الوحدة المصرية السورية مثلا.

وتطبيقًا لذلك أيضًا: فإن الملك (فيصل) لديه الرخصة لتكملة حرب أخيه (سعود) ضد حركة القومية العربية والمشاركة مع القوى الإمبريالية في (تصفية) مركزها في (القاهرة) حتى لو أدى ذلك إلى الاستعانة بالمرتزقة الأجانب من كل حدب وصوب لكي يجعل اليمن (مقبرة كبيرة للجيش المصري إذا لم ينسحب منها) حسب وصفه وتعبيره وحتى لو اضطره ذلك إلى الاستعانة بالعدو الفارسي الإيراني الشيعي في (طهران) متمثلا في (الشاه) كي يناصره ضد عدوه العتيد (جمال عبد الناصر) في القاهرة.

حدث في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي انعقد بعد نكسة يونيو 1967 أثناء مداولات القادة العرب في الأوضاع وقتها وتم التطرق إلى الموقف الأمريكي وقتها، قال الملك (فيصل) للزعيم (جمال عبد الناصر):

فخامة الرئيس: أرجوك أن تتدخل للتخفيف عني، ففي كل مرة يتحدث واحد من الإخوان عن موقف الأمريكان أجد الكل ينظر نحوي كأنني أنا وكيلهم المعتمد هنا!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏‏أشخاص يقفون‏ و‏بدلة‏‏‏‏

وتطبيقًا لذلك أيضًا: فإن الملك (فهد) لديه الرخصة لتمويل أغلب العمليات الأمريكية (القذرة) على طول العالم وعرضه وعلى سبيل المثال (فقد تبرعت السعودية في دفعة واحدة بمبلغ (35 مليون دولار) للمساعدة على إسقاط نظام الساندينستا في نيكاراجوا من أجل خاطر العيون الأمريكية الزرقاء! هذا إلى جانب ما دفعته في تمويل (حرب أفغانستان أكثر من «ألف مليون دولار» تبركًا بالشعر الأصفر الأمريكي!) للمزيد من التفاصيل راجع الرابط.

ويحق للملك (فهد) أيضًا الاتفاق ولا أقول التآمر على دولة عربية وإسلامية أخرى وهي (العراق) مع السيد الأمريكي ومندوبها وقتها (ديك تشيني) في (جدة) ودعوة القوات الأمريكية بعدها إلى أرض الحرمين رافعين شعارًا ظاهرًا هو (الدفاع عن السعودية وتحرير الكويت) بينما الملك (يعرف أن الباطن شيء آخر) وأن تلك القوات قد جاءت (لتدمير العراق) بخطة سُميت (المجد للعذراء).

وللأسف ظهرت صور لجنود أمريكيين يكتبون على الصواريخ التي ستقذف بها العراق: «نادوا على الله فإن لم يسمع لكم نادوا على الجنرال شوارتزكوبف».

ولسوء الحظ فإن هذا الاسم الرمزي يستعيد للأذهان أصداء صليبية سُمعت من قبل فحين دخل الجنرال البريطاني           (اللنبي) فاتحًا القدس يوم 9 ديسمبر 1917 كانت قولته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية».

وحين دخل الجنرال (جورو) دمشق يوم 21 يونيو 1920 توجه مباشرة الى قبر صلاح الدين ووقف أمامه ووضع قدمه عليه وقال قولته المشهورة: «ها قد عُدنا يا صلاح الدين»لمزيد من التفاصيل مراجعة الرابطين التاليين.

وتطبيقًا لذلك أيضًا: فإن الملك (عبد الله) لديه الرخصة كي يفتح أرضه وحدوده، للحق كان معه دولة (الكويت) في نفس الموقف لدولة أجنبية (جيش الولايات المتحدة) لتجتاح دولة عربية أخرى وهي (العراق) واحتلال عاصمة الخلافة العباسية (بغداد) وإسقاط نظام الحكم البعثي فيها جهارًا نهارًا.

وتطبيقًا لذلك أيضًا: فإن الملك (سلمان) ونجله لديهم الرخصة كي يقوما بعمل تحالف وقيادة جيوشه وطيرانه تحت مسمى (عاصفة الحزم) لضرب دولة عربية من (أبأس وأفقر وأضعف) الدول في الأمة العربية (اليمن) لعزل رجل كانت المملكة ذاتها مدافعة عنه وقت ثورة شعبه عليه (علي عبد الله صالح)! وفي سبيل هذا الهدف يحل قتل الرجال والنساء والأطفال وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها خدمة لمصالح الأمة ولإبعاد «الغُمة» الفارسية الإيرانية الشيعية عن أعيُن الأمة العربية السنية! ورغم ذلك كله ورغم كمية المتفجرات التي ألقيت على الفريق الآخر الا أن التحالف الذي تقوده السعودية لم يحقق نصرًا رغم مرور كل تلك المُدة!
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

وتطبيقًا لذلك أيضًا: فإن الملك (سلمان) ونجله أيضًا لديهم الرخصة أن يُكملا ما بدأه الملك (عبدالله) في محاولة إسقاط النظام السوري حتى لو كان كُلفة ذلك أن يتم تدمير الوطن السوري بأكمله وعلى رأسه عاصمة الأمويين (دمشق) ذاتها وأن يُشرد ملايين السوريين في بقاع الأرض المختلفة ناهيك عن الآلاف من القتلى على الجانبين، وناهيك عن مليارات الدولارات المهدرة على تلك الحرب التي اندلعت منذ سنوات، وناهيك عن تغذية نار التطرف التي أنتجت آخر حبة في عنقود المنظمات الإرهابية (داعش) بعد أن كانت المملكة السعودية مشاركًا كبيرًا وضالعًا أساسيًا في إنشاء منظمة (القاعدة) مع السيد والحليف الأمريكي.

كل ذلك مباح والمبرر موجود وجاهز وهو: (المحافظة على المُلك والأُسرة  وبقاء العرش  واستمرار توارثه بسهولة ابنًا عن أب). ولعلهم في المملكة لا يعرفون الحكمة القائلة: «إن الحكيم هو الذي يتعلم الدرس من تجربة غيره، وأما الذي يقع في الفخ مرتين فإنه ليس حكيمًا وليس عاقلًا».

كانت تلك مقدمة رأيتها ضرورية للموضوع  قبل الغوص والدخول إلى عُمق الحدث عن الدلالات السياسية للأحداث الأخيرة في المملكة السعودية، وذلك سيكون في المقالة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • حرب الخليج أوهام القوة وأوهام النصر - محمد حسنين هيكل

  • الانفجار67 - محمد حسنين هيكل
  • الحجاب - بوب وود ورد.

  • مذكرات ماك باندى - مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق.

تعليقات الفيسبوك