1- مقدمة
أعرف أن هذا الموضوع سيفتح باب جدل كبير جداً بين جميع الجهات المتصارعة من إسلاميين وعلمانيين حول تحديد شكل الدولة في واقعنا العربي والإسلامي، وأعتقد أنه عقب نهاية المقال سأنال من الغضب المحدق من طرفي الصراع ، ولكني أردت أن أطرح رؤية مازلت مقتنعًا بها، أرى أن هذا المفهوم هو الأقرب إلى الصواب من ناحية قناعتي التي أؤمن بها، وسيصبح التذبذب الناتج من فهم المقال ناتجًا بناء على قناعات قارئه، فعديد من الإسلاميين يرفضون جميع أشكال الاجتهادات البشرية التي نتجت من العلوم السياسية الحديثة، فيعتبر شكل الدولة الحديثة بأدواتها من ديمقراطية، برلمانات، حرية رأي والتعبير، حقوق الإنسان، الكرامة الإنسانية، سيادة القانون ما هي إلا أدوات علمانية أو تستخدم كذلك، وهنا أردت في المقال الإجابة على السؤال الذي طرحته في عنوان المقال: “الاجتهادات السياسية الحديثة هل كلها علمانية أم أن منها تراكم خبرات بشرية؟!!”، حيث صار بعض الإسلاميين يصنفون أي اجتهاد بمن أصدره، فإن كان الإصدار ناتج من رؤى مجتهدي الأئمة صار نافعًا ويجاز استخدامه، بينما أي اجتهاد بشري يصمه بأنه علماني.

 

وإن لم يكن بالفعل علماني أو تركيبته مبينة على بناء علماني أو استخدم استخدام طبق فيه المفهوم العلماني للدولة، وبالطبع فإن هذا التصنيف لا يصح، لأن صحة أي اجتهاد بقربه أو بعده من مقاصد الشريعة الإسلامية، وليس فيمن أصدره، وقد أمرنا أن نأخذ الحكمة ولو حتى من لسان الفاجر ونطلب العلم ولو في الصين، وحاولت في المقال فك الارتباط في بعض الخيوط والتفاصيل التي تخلط فعليًّا ما بين الاجتهاد البشري منتجًا بشريًّا سياسيًّا، وما هو اجتهاد يعزز علمانية المنهج والذي نرفضه تمامًا لما فيه من عدم انسجام مع واقعنا العربي والإسلامي، الذي يمتاز بأن له خصوصية ثقافية وفكرية خاصة لا يصلح انتزاع الدين منه، ومن جميع مناحي الحياة، كما يتبنى ذلك عديد من العلمانيين العرب الذين حاولوا جاهدين عدم فهم الواقع الخاص بأمتنا فيصدمهم دائمًا عدم تطبيق نظرياتهم على الأرض بواقع شعبي فعلي، بينما دائمًا ما كانوا طرفـًا رئيسيًّا مع الانقلابات العسكرية لتمكنهم من تطبيق رؤاهم.

 

(2)
المسلمون والعلوم السياسية
لم يضع الإسلام نظامًا واحدًا يُحكم به المسلمون، وإنما وضع قيمًا إسلامية دعا إلى تطبيقها حتى لو اختلفت معالم النظام السياسي الموجود، وعلى مر تاريخ المسلمين الأوائل وما تبعهم من كبار الفقهاء وأئمة المذاهب يجد الباحث في نتاج تاريخ المسلمين في اجتهاداتهم العلمية في التراث في باب العلوم السياسية أقل كثيرًا من باب الفقه، سواء أكان في مجال العبادات أم المعاملات، حيث اهتم المسلمون اهتمامًا كبيرًا بشرح العلاقة بين العبد وربه عبر باب العبادات، وبين العبد والآخر في المجتمع عبر باب المعاملات، وافتقدنا العلاقة الأخيرة الهامة التي تخص علاقة المسلم بالسلطان أو بالحكم فتغافل عنها كثير من الفقهاء، بل تعدى هذا الاهتمام للعبادي والمعاملاتي ليس فقط في سرد الرؤية الفقهية عبر الآلاف من المراجع والكتب الموسوعية الضخمة وكتب أئمة الحديث، بل وصل إلى الاهتمام بالتأطير والتأصيل لعلم الفقه لينتج عن ذلك علم يسمى بعلم أصول الفقه يستطيع أن يضبط بوصلة الفقيه، بينما على الوجه المقابل لم تنل علاقة المسلم بالسلطان (العلوم السياسية) كُتبًا جامعة لتأصيل شرعي للسياسة الشرعية، بل صارت الكتب المرجعية للمسلمين قليلة جدًّا بمقارنتها بالاهتمام بعلوم الفقه، وهذا ليس دليلاً على عدم وجود نتاج علمي، بل تواجد عديد من الإنتاجات في الباب فعليًّا، ولكن لم يكن بالقدر نفسه، وكان قليلاً إذا عقدنا المقارنه كما وضحنا.

 

وهنا نوضح بأن مقدار ما نتج من علوم السياسة نقصد بها نتاج علماء الفقه والشريعة فيها، وليس أهل علم الكلام أو الفكر، حيث درج كثير في مجال الفكر الفلسفي على تناول مشكلة الإمامة والسياسة الشرعية في نطاق علم الكلام، وإغفال بعدها الفقهي، بالرغم من أن الجانب الفقهي يعطى للإمامة تسويغها الشرعي وأساسها النظري، والفرق بين علم الفقه وعلم الكلام فرقـًا جوهريًّا؛ لأن الفقه هو “العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة عن الأدلة” بينما علم الكلام ليس علمًا عمليًّا مثل الفقه؛ فهو ليس متعلقـًا بمسائل علمية وإنما بمسائل اعتقادية فكرية فلسفية، حتى في علم الكلام لم يتم الاهتمام بالإمامة في حد ذاتها أكثر من الاهتمام لوضع تبريرات للخلافة الراشدة لصالح أهل السنة ضد رؤية الشيعة فيها.

 

وعند النظر إلى المراحل الأولى للفقه الإسلامي عند الأئمة الأربعة وتلاميذهم حتى القرن الخامس لم يقدم نظرية واضحة المعالم ومحددوة المفاهيم لمسألة الإمامة، وكان بحث علم الفقه مرتبطـًا دومًا بعلم الحديث (حيث لم يكن علم الفقه منفصلاً عن علم الحديث حينئذ) ولذلك تجد ارتباط مصنفات كتب الأئمة بعلم الحديث كما فعل مالك في”الموطأ” وأحمد في”المسند” والشافعي في “الأم” والأمر لم يختلف كثيرًا مع تلاميذهم الذين ساروا على دروبهم؛ حيث تجد ذلك سواء في كتب المالكية مثل: (“العتيبة” للعتبي 255 هـ، “أصول الفتيا” للخشني 361 هـ، “التفريع” لابن الجلاب 378 هـ، و”الرسالة” للقيرواني)، أو في كتب الشافعية مثل: (“مختصر المزني” للمزني 264 هـ، و”حلية الفقهاء” لابن زكريا الرازي 390 هـ) أو في كتب الأحناف مثل:(“مختصر الطحاوي” للطحاوي 321 هـ، “مختصرالقدوري” للقدوري 438 هـ) أو في كتب الحنابلة مثل: (“مختصر الخرقي” 334 هـ).

 

وتجد تطابقـًا مثلاً في كتب الفقه وكتب الحديث عند الأئمة الأربعة وغيرهم تعمدوا فيها إسقاط باب الإمامة من كبتهم الفقهية لأسباب سياسية تخص عصرهم، أو التعرض لها ولو بالقليل القليل مقارنة بباقي المواضيع التي شملت كتبهم.

 

ويعتقد كثير من العلماء بأن أول من حاول تأسيس نظرية الإمامة من حيث طرق ثبوتها ووظائفها بشكل شبه متكامل لكافة عناصر الموضوع في وقتها كانت مع صدور كتاب الأحكام السلطانية للماوردي (سنة 450 هـ) الذي جمع بين علم الكلام وعلم الفقه؛ حيث أخذ من الأول طرق ثبوت الإمامة وصفات الإمام وأخذ من الثاني وظائف الإمامة.

 

بينما كان نتاج علماء أهل الكلام أو علماء في الشرع نتاجًا فلسلفيًّا وليس فقهيًّا، وذلك ما قبل القرن الخامس، وكما ذكرنا كان بعيدًا عن التأصيل الشرعي الفقهي، وذلك كان واضحًا في كتاب السياسة للفارابي 339 هـ، كتاب السياسة للوزير المغربي 418 هـ، كتاب السياسة لابن سينا 428 هـ، كتاب رسوم دار الخلافة لأبي الحسن 448 هـ، كتاب تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك للماوردي 450 هـ، درر السلوك في سياسة الملوك للماوردي 450 هـ، الأحكام السلطانية لابن الفراء 458 هـ، رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة لابن الفراء 458 هـ، غياث الأمم في التياث الظلم لأبي المعالي 478 هـ، شرح السير الكبير للسرخسي 483 هـ، سياست نامه أو سير الملوك للطوسي 485 هـ، أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمحمد بن الفرج القرطبي المالكي 497 هـ، واكتفيت بالعروج على أسماء هذه الكتب دون الدخول في تفاصيل تخرج البحث عن هدفه، ولعلنا يجب أن نفصل في مبحث آخر في رسم توضيحي يوضح كل الإنتاجات من أهل الفقه وأهل الكلام في السياسة الشرعية، سواء أكانت قبل القرن الخامس أو بعده حيث حظيت باهتمام أكبر بعض الشيء مما قبله.

 

(3)
أصول للسياسة الشرعية تنافس أصولاً للفقه
واستدراكـًا لما تقدم من البحث لا أريد أن أخرج على القارئ بقاعدة ليس لها مكان من الإعراب، أن الإسلام لم يقدم شيئًا في السياسية الشرعية، وهذه قاعدة محض افتراء ودائمًا ما يسوقها العلمانيون كجزء من فصل الدين عن السياسية ومنه إلى جميع نواحي الحياة، بل إن دور السياسة وعلاقة المسلم بالحاكم هي علاقة من أسس مقاصد الشريعة، وما فصلنا فيه هو عدم الاهتمام من العلماء بباب السياسية الشرعية عكس باب العبادات والمعاملات في فترة من الفترات، بل أصبحت الاجتهادات في الفترات الأحدث عديدة وقد أصلت في السياسية الشرعية.

 

وفي هذا الجزء أوضح أن تراثنا مليء بالأحداث والقصص التاريخية التي تبرز موقف الإسلام من علاقة المسلم بالحاكم، فعند النظر في وثيقة المدينة التي تعد نموذجًا لعقد اجتماعي قام النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه ليشكل أسس العلاقة بين المسلمين وغيرهم في مجتمع المدينة، وعند الولوج إلى رسالة علي بن أبي طالب إلى الأشتر النخعي والي مصر تجد أن الرسالة تقريبًا اشملت على جميع القواعد التي تحكم بين الحاكم والمحكوم وواجبات كل منهم، ورسالة ابن المقفع إلى الخليفة أبي جعفر المنصور في كيفية إدارة الدولة والتقسيمات الإدارية وأمور الولاة، ولكن كان ينقصنا استخلاص من تلك القصص الموثقة قواعد ثابته وعامة، وهو ما سبقنا فيه الغرب فعليًّا، الاهتمام بالعمل المؤسسي واستخلاص العبر من الأحداث العامة.

 

حيث حاولوا تأطير النتاج السياسي الذي نتج من المعاملات بين الحاكم والمحكوم عندهم داخل قواعد حاكمة مثل ما نجده في الماجنا كراتا في إنجلترا ووثيقة الحقوق في أمريكا، فهم اهتموا بتأصيل الأحداث السياسية واستخلاصها من القصص والأحداث إلى قيم توضع، وهو ما ينقص المسلمين فعليًّا من إنتاج أصول لعلوم السياسة تشمل كافة الاستدلالات من التراث والاجتهاد في المستجدات الحديثة التي لم تشمل واقع المسلمين التاريخي ويقابلها المسلمون في هذا العصر بتغير الزمان والمكان، وهو ما حاول وضعه ابن خلدون في مقدمته التي تعد من أوائل الجهود الفكرية لجمع التراث السياسي وتنظيمه، ووضع بعض القواعد له، وذلك في الباب الثالث “في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السّلطانية”. (ونحاول بإذن الله في مبحث آخر أن نقوم بعمل مقارنة بين وثيقة المدينة ورسالة علي بن أبي طالب ورسالة ابن المقفع مع الماجنا كراتا ووثيقة الحقوق مع العروج على ما قدمه ابن خلدون).

 

(4)
موقف المسلمين من العلوم المعرفية
وقف المسلمون من العلوم المعرفية الحديثة ثلاث فرق، فريق مؤمن بالتراث ومحافظ عليه ومؤمن بالتقدم العلمي المعرفي الحديث، وفريق آخر مؤمن بالتراث ورافض لأي منتج معرفي غير إسلامي، وخصوصًا لو كان قادمًا من الغرب الاستعماري وكأنه خطر علينا، وفريق آخر تم تصحيره مع الاستعمار وصار غير مؤمن بالتراث، ويتلقف من الغرب كل شيء؛ علمه وعاداته وثقافته، فأراد أن ينتج هذا المنتج نقلاً كاملاً إلى أوطاننا العربية والإسلامية في ظل الاختلاف الجذري في الموروثات الثقافية والفكرية، فأنتج في الطبيعي مسخًا في التطبيق.

 

نجد أن الفريق الأول المؤمن بالتراث والمحافظ عليه والمؤمن بالتقدم العلمي المعرفي الحديث أنه تعامل مع الإنتاجات الغربية تعاملين مختلفين، تعامل مع العلوم المعرفية العلمية انفتاحًا معها للاستفادة من هذا الناتج العلمي، بينما التعامل الآخر تعامل بحذر مع العلوم الإنسانية والفكرية الأدبية، التي تعد العلوم السياسية من ضمن مصنفاتها، وبالطبع فبالنسبة للعلوم الفكرية التي ليست علمية يجب التعامل مع منتجات غيرنا بحذر لاختلاف الموروث الثقافي، فلا نرفضها بالكلية ولا نؤمن بها بالكلية؛ فالأمة لها خصائصها الثقافية والفكرية، فنستطيع الاستفادة من إسهامات غيرنا دون تعارض مع ثوابتنا.

 

ولذلك كان التعامل معها بحذر فحاول بعضهم التعامل معها معاملة كالطبيب الجراح الذي يستطيع أن يضمد الجروح دون تغير في الجسد لا يبدله ولا يغيره، فاستفادوا من ناتج الاجتهادات البشرية في العلوم السياسية، وأخذوا منها ما لم يتعارض مع الشريعة ومقاصد الشرع، وتركوا ما كان يتعارض مع تلك المقاصد أو بالأحرى من كانت تلك الاجتهادات أدوات علمانية تخاصم وتهاجم الدين في جميع مناحي الحياة، وليست في السياسة فقط، وليس كل من تعامل في ذلك تعامل بمهارة كما ذكرت، فجزء منه انعطف إلى اليسار أو اليمين، فبعضهم أحجم تحت ضغوط تأثير بعض من الفريقين الآخرين بوجود تشابك بين ما نتج وما هو علماني، وفريق أغرق في المقاربة حتى إنه لوى الشرع نفسه لكي يتناسق مع أطروحات تهدمه نفسه.

 

الفريق الثاني كان واقفـًا رافضًا لأية محاولات للاستفادة من إنتاجات غيره وتمسكوا بالتراث، بل صار في خصومة مع العلوم المدنية، وأرى بأن ذلك بعيدًا عن بوصلة الإسلام الذي أمرنا بالاستفادة من غيرنا دون المساس بثوابتنا، وحاول الغرب نفسه تزكية هذا الفريق بالرغم من أنهما على أبعد نقيض، فمحاولة تقوقع المسلمين دون أخذ الأسباب العملية والدنيوية في تطوير مجتمعاتنا، وهذا من ناحية العلوم العلمية يؤدي إلى توقف حال المسلمين على حالهم، بل بنوا حاجزًا لتقدمهم وتنميتهم ، بينما من ناحية العلوم الإنسانية والفكرية الأدبية فتجد أن هذا الفريق عنده جزء من الحجية.

وذلك اتقاءً للمحاولات المستميتة في دس السم في العسل بوضع الصالح والطالح لتنسلغ الأمة وهي لا تدري من ثوابتها، وعند النظر لهذا الفريق نجد بأنه توقف عن استكمال الاجتهاد في تطوير ما نملكه من تراث لكي يستطيع أن يجاري الاجتهاد العصر الذي نعيش فيه، فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، ويجب على هذا الفريق النظر في تقديم اجتهادات وأدوات نستطيع الاعتماد عليها اعتمادًا رئيسيًّا لنظام الحكم وعلاقة المسلم بالحاكم، ووضع أدوات تستطيع أن تترجم الأفكار إلى أدوات تستهلك في الواقع ونستطيع تطبيقها.

 

بينما ظل الفريق الثالث أسيرًا لتجربة الغرب منبهرًا بإنجازاتها فاقد الثقة في نفسه، محاولاً تشويه تراثنا ونشر ثقافة الانهزام بيننا، مؤكدًا أننا يجب أن ننسلغ عن أنفسنا وكياننا وتراثنا وقيمنا وإسلامنا لكي نتقدم، فغرق ليس فقط في اجتهادات الغرب البشرية بل تبنى مناهج فكرية علمانية محضة تصل فيها إلى مناهج عقائدية، وصاروا مبشريها في مجتمعاتنا ومحاولين تغيير المجتمعات الإسلامية لكي تندمج معها، وهو مايفشلون فيه دائمًا لأنهم لايدركون الواقع أو التاريخ ولا ينظرون إلى المستقبل.

وتظل هذه الآمة مؤمنة بثوابتها ومتقدمة مع انفتاحها مع اجتهادات البشر وعلومهم يتلقفون ما ينفعهم وينسجم مع قيمهم، ويرفضون ما يبدل ثوابتهم.

 

(5)
هل استفاد المسلمون من الحضارات والثقافات الأخرى؟
وقد استفاد المسلمون من خبرات الحضارات والثقافات الأخرى في أمور الحكم والسياسية وإدارة الدولة على مدار التاريخ الإسلامي، ومن أبرز ما استفاد به المسلمون من الحضارات الأخرى هي “الدواوين” وطرحناها هنا من باب المثال لا من باب الحصر؛ حيث قام المسلمون باستيرادها من الفرس وتطويرها، بل أبدعوا فيها، بالرغم من أن الفرس كانوا على ديانات غير سماوية، ومن أبرز ما كان يدين به الفرس هي “المجوسية، الزرادشتية، المانوية، المزدكية، الخرمية” وكلها ديانات منشقة من المجوسية.

 

“الديوان” كلمة فارسية معناها “السجل” أو “الدفتر” وقد ‏أطلق اسم الديوان من باب المجاز على المكان الذي يحفظ فيه ‏الديوان؛ حيث لم يعرف العرب والمسلمون الدواوين قبل العام الخامس الهجري على أرجح الاقوال كما ذكرها الطبري في تاريخه ، حيث لم تكن العطايا والفيء بهذا الحجم الذي وصل إليه المسلمون في هذا التوقيت، فلم يكن ‏للرسول صلى الله عليه وسلم بيت مال، لأنه كان يوزع الفيء ‏والصدقات بمجرد قبضها.

 

وجرى الخليفة الأول على نهج ‏الرسول، فرفض اتخاذ بيت مال. فلما كثر الفيء أيام عمر ‏بصورة غير مألوفة. أشار عليه أصحابه- كما أوردنا في موضع ‏آخر-باتخاذ الديوان، ويعتبر الديوان أحد أهم المعالم الإدارية والمؤسساتية في السياسية وهيكلة الدولة وتنظيمها، وقد استفاد المسلمون من الحضارات والثقافات الأخرى في علوم السياسية وغيرها من العلوم كفنون الحرب وأشهرها استخدام الخنادق في غزوة الخندق، بل ظلت العلاقة بين الثقافات والحضارات المختلفة علاقة تبادلية استفادت كل حضارة من الإنتاجات البشرية التي سبقتها من حضارات أخرى وقاموا بتطويرها وإعادة توليفها لكي تكون متوافقة مع العقل الجمعي الفكري الثقافي لكل حضارة أو أمة.

(6)
كفر الإسلاميين بأدوات الدولة الحديثة:
بالطبع يجب أن أشير إلى أن الممارسات التي حدثت خلال عقود من الزمن في التعامل الدولي مع المنطقة العربية والإسلامية خلق جيلاً من الإسلاميين غير مؤمن بأدوات السياسة الحديثة ومنها “الدولة الحديثة، الديمقراطية، الانتخابات، حرية الرأي والفكر، وكرامة الانسان، سيادة القانون” فهم وجدوا تلك الأدوات ما هي إلا ألعوبة من الغرب ينشرها في العالم، ولكن يتغاضى عنها فور أن تعارض تلك القيم التي ينشرها مصالحه، ومع المرور بكمية الانقلابات العسكرية التي ضربت الديمقراطية في تركيا، غزة، الجزائر، مصر، تجد بالفعل جزءًا كبيرًا من الإسلاميين بعد أن آمن بأدوات التغيير السلمي أدى الانقلاب عليها إلى الكفر بها.

 

وبعيدًا عن تفصايل تلك الوقائع التي تحتاج إلى أبحاث ومقالات مستفيضة، فالدولة الحديثة لم تقدم أي شيء لكي تجعل الاسلاميين يؤمنون بها، فالغرب دائمًا ما يستخدم العلمانيين العرب الذين يتبنوا تلك الأفكار لوأدها دائمًا بالتعاون مع القوات العسكرية في المنطقة، وصار المجتمع الدولي وأدواته كالأمم المتحدة ومجلس الأمن أسيرين في يد القوى العظمى، لا يحقق عدلاً ولا مساواة، بينما صار المجتمع الدولي بأسره يأتمر بأمر الدول الكبرى، ويتغاضى عن مجازر تلك الدول ضد الإنسانية.

 

الإشكالية تأتي من أنه بالرغم من الكفر بتلك الأدوات إلا أننا نجد أن الأطروحات البديلة مازالت غائبة من قبل الإسلاميين لطرح نماذج حكم يستطيعون أن يصوغوها كبرامج في الواقع العملي يستطيعون بها أن يستبدلوا ما هو موجود، وماتزال تلك الأدوات في بغيتها أدوات صالحة قام الإنسان بالتدخل لإفسادها.

 

(7)
الخلاصة
قدم المسلمون كمفكرين وباحثين وفقهاء عديدًا من الدراسات حول العلوم السياسية، ونحتاج في الفترة القادمة إلى تضافر الجهود في مجامع فقهية وبحثية وعلمية وورش عمل علماء وسياسيين وحركيين لإنتاج حلول للمعضلات التي تواجه الأمة في علاقة المسلم بالحاكم وأنظمة الحكم وإدارة البلاد، والنظر في الإنتاجات المختلفة التي قدمها العالم وأدواتها وهل هي متعارضة مع قيمنا أم لا، وهل استخدامها بطريقة معينة يعد تضاربًا مع الشرع أم لا يعد كذلك، لأن حالة التخبط الشديد التي تعانى منها الأمة في محاولات حثيثة لإنتاج اجتهادات فقهية ليست بسبب الاجتهاد ولكنها بسبب ضغوط الحركة.

حيث لم تخرج من فقهاء بل من إسلاميين حركيين، جعل الاجتهاد في تلك المسائل يعد مسخًا من تحليل وتحريم وتفسير وتنفير لآراء كثيرة في أوقات بينية قصيرة جدًّا كانت بأسباب أبعد ما تكون عن الاجتهادات الفقهية المدروسة، وإنما هي اجتهادات حركية وصلت حتى لتشكيك العديد بهذه الأطروحات وعدم الإيمان بها، ومن جهة أخرى على تلك المجامع إنتاج أدوات مختلفة تنطلق من ثوابتنا لتشكل نظامًا متكاملاً نستطيع تسويقه كرؤية عملية واقعية على الأرض، تستطيع أن تترجم الأفكار والقيم إلى أدوات تستعمل على الأرض؛ ذلك إن أردنا أن ننحي جانبًا أية أطروحات خرجت بعيدًا عن الموروث الثقافي والفكري للأمة، وبغير السير في هذين الطريقين لن نجني في المستقبل سوى ما نشاهده في الحاضر من عمليات لنقاش سفسطائي لا يقدم ولا يؤخر شيئًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد