أسرفتُ بالكتمان حتى جَهلت كيفَ أبوح.. ولذا كيف يمكن المقابلة بين لغتين من مجموعة لغوية واحدة، العبرية كلغة مصدر والعربية كلغة ترجمة ولغة هدف، وكلتاهما من مجموعة لغوية واحدة، اللغات السامية، انطلاقًا من الفرضية القائمة على أنهما متطابقتان في كثير من البناءات والتراكيب والأسلوب. ناهيكً عن الانتماء في بنيتهما الثقافية والحضارية إلى خلفية واحدة أو بصورة أكثر دقة متقاربة إلى حد بعيد؛ الأمر الذي يضعنا أمام مفاهيم ومعايير جديدة تختلف في كثير من الأمور عن مفاهيم ومعايير المقارنة بين السامية والهندو – أوروبية.. من منطلق الجغرافيا السياسية (السياسة التي تحكم الجغرافيا) من حيث الأطر القانونية والوصاية الدولية!

والأمر برمته يقودنا  لمنظور آخر من زاوية الأدب الإنجليزي لرواية تشارلز ديكنز قصة مدينتين: (باريس : لندن) في إطار تصادم الأيديولوجيات في مقاربة: مؤانسة الوحدة (المصرية–السورية) 1958م مع (الوحدة اليمنية) 1990 (تحول)، ومسار مخرجات الحوار الوطني الشامل 2014/2013 (استحقاق): جمهورية اليمن الاتحادية، والنظر إلى الأطر المجتمعية كما في الرواية (باريس : صنعاء)، (لندن : عدن) باعتبارهم أثروا الثقافة المدينية في هاتين المدينتين دون الالتفات إلى أي عنصر تاريخي أو تحليلي من منطلق سوسيولوجي أو اقتصادي لدور هذه الجاليات، ويلومون زورًا وبهتانًا عبدالناصر على «طردهم».

ومن ذلك نستخلص أن عملية الوحدة هي عملية اندماجية ديالكتيكية تاريخية طويلة الامد، وليست وجودًاً حتميًا قدريًا مطلقًا يتحقق بمجرد التفاؤل التاريخي. إذ إن هنالك قوى داخلية وخارجية متفاعلة تعمل في سبيل الوحدة – أو على العكس في سبيل التجزئة – أن المجتمع العربي يشهد صراعًا داخليًا وخارجيًا، فلا تكون الوحدة كما لا تكون التجزئة، أمرًا حتميًا، بل مرهونة بنوعية الصراع وفعاليته.. ولعل ذلك يبدو دافعاً للتفكير بالتحول المفاجىء في وجهات النظر حول قضايا قانونية إلى نزاع قد يطول أمده.

كل هذه الأمور تعبر عن حقيقة من نمط خاص في إدارة السياسة الخارجية التي تنبئ (مجازًا) بأنها تعاني من ضعف هياكلها السياسية والتنظيمية، وتعاني من أزمات شديدة في الهوية والانتماء، وتعاني من مشكلات الانتقال من مجتمعات قبيلة أو ريفية إلى مجتمعات حضرية، وأحيانًا صناعية، في مثل هذا الوضع يسهل اختراق الحدود السياسية من الجهتين، من الساحة الاوسع إلى ساحة الدولة، ومن ساحة الدولة إلى ساحة الدول الأخرى. إذا استمر الفكر السياسي عابرًا للحدود الذي قد يؤثر في الحركة والتفاعلات والسلوك لاسيما مدارة اللغوي: وهو جوهر القوى الناعمة، بمعنى أن ذلك ناجمًا عن تأثير حضاره بعينها على أخرى.. أم أن ذلك أشبه مايكون بمحاربة طواحين الهواء التي تتجاوز الأنماط والطرائق السائدة في كتابة الفكر السياسي، على حد تعبير ميغيل سيرفنتس في رائعته دون كيشوت!

وأنتجت هذه المحاربة الرمزية معطيات ميكافيلية جديدة (التوترات – الصراع) باعتبار السياسة هي فن الممكن، وقد ينظر إليها البعض بأنها كمن يحرث في الماء، والتي قد تشكل سمات عصر ثقافي بأكمله أكثر من تمثيليتها طروحات فردية أو مواقف شخصية؛ فقد أقر مجلس النواب في جلسته المنعقدة برئاسة يحيى علي الراعي رئيس المجلس، رسالة رئيس المجلس الموجهة إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن طلب رفع العقوبات عن المواطنين اليمنيين الذين شملتهم قرارات مجلس الأمن.

أكد فيها أن من مسئولية وواجبات مجلس النواب تجاه أبناء الشعب اليمني بمختلف انتماءاتهم السياسية والحزبية كواجب أخلاقي وقانوني إزالة أي ظلم يتعرض له أي مواطن يمني.

ولذا دعونا نغيّر زاوية رؤيتنا الأساسية وسوف يتغير كل شيء؛ أولوياتنا وقيمنا وأحكامنا ومطالبنا. فقد جاء في بحث لبابارا وورد المقدَّم للجنة العدل والسلام: إن أهم تغيير يستطيع أن يقوم به الناس هو تغيير طريقتهم في النظر إلى العالم أننا نستطيع أن نغير دراستنا ووظائفنا وجيراننا بل بلادنا وقاراتنا ونظل رغم هذا كما كنا دائمًا؛ فعندما نعرّف الحركة الكشفية حركة تربوية تطوعية غير سياسية ليس مقصوداً ان لا نكون بلا رأي بقضايا أوطاننا أي بلا لون أو طعم أو رائحة بل أن نكون نتمتع بحسّنا الوطني وتشجيع الصالح منها ومحاربة الطالح لكوننا نعّد مواطنين صالحين نتمتع بالمسؤولية الكاملة عن مجتمعنا اي تمكين شبابنا وشاباتنا من ممارسة المواطنة الفاعلة لمعرفة ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات فالمقصود أن لا نتدخل بالنزاعات والصراعات بين مختلف الأحزاب والتيارات على مناصب السلطة؛ مما يوّلد الحقد والضغينة والحسد في نفوس أبنائنا، بل الأجدى التنافس على خدمة مجتمعاتهم والوقوف إلى جانبهم في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية، وبما يتوافق مع الطريقة والمبادئ الكشفية.

ولذلك التربية لا تكفي لإدارة أصول المعرفة، بل يتطلب الأمر خلق وإنتاج معرفة جديدة يمكن من خلالها التعامل مع كثير من السياقات المعرفية بحسب أنساقها، ولذلك نجد أن العلاقة بين التربية والتنشئة من شأنها أن توجد تلك الإدارة التي تتطلب استيعاب المؤشرات الميدانية التي سيكون لها دور بارز في تكوين اتجاهات الرأي العام إزاء مختلف القضايا الاستراتيجية التي تعتمد على بلورة فكر يتماهى مع المستجدات الراهنة، والعمل من أجل إيجاد نوع من الموائمة بين تأثيرات العولمة الثقافية ومكونات الهوية الثقافية، ومدى قدرتها على إبراز مسوغات تلك التأثيرات، والآثار الناجمة عنها، حتى يمكن التعرف على الاشكالية الملائمة لصياغة التوجهات العامة لصيرورة النظام الاجتماعي وعلاقته بالاستثناءات القانونية التي قد تحول دون بلوغ الغايات المرجوة من امكانية استمرار النسق الاجتماعي في تشكيل الوعي الذي تنبثق منه الرؤى المجتمعية، كي لا يكون هنالك ازدواجية في المعايير بين ما هو اجتماعي (ذاتي) وما هو اجتماعي (موضوعي)، ولكي نصل إلى درجة الاقتناع بمدى فاعلية هذا النسق ينبغي الاستفادة من الرصيد التراكمي للانساق السابقة ومدى ملاءمتها للأفكار والمعتقدات السائدة في مجتمع معين، و التوجه نحو تقديم الحجج اللازمة لتبرير حالة التنافر بين السياسات ومبادئ المساواتية الليبرالية، ولن يتجسد ذلك إلا من خلال دراسة حدود حرية تكوين الجماعات وحقوق الجماعات الدينية في جوانب مختلفة ومسائل متعددة تتعلق بالتعليم الثقافي والديني.

 كل ذلك من شانه أن يُكون نقدًا منهجيًا للتعددية الثقافية في مقابل تفنيد مطالب تلك التعددية، لا سيما الخاصة بالاستثناءات القانونية، ويُقدم من خلالها حلولًا بديلة تضمن استمرارية البعد والبعد الاخر لتلك المعرفة ومدلولاتها من حيث المصطلحات الواردة في هياكلها الإدارية ووثائقها التاريخية، فعندما نشير إلى السياسات التنموية والتعليمية القائمة على المعرفة، يمكن لنا أن نستوعب الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الناجمة عنها، والتي لن تكون بمعزل عن فهم ماهية البعد الاجتماعي وأثره في البعد الديني، والذي سيكون بلا محالة ضمن المكونات الرئيسة للهوية الثقافية ودورها في خلق وانتاج تلك المعرفة الجديدة التي قد تتضح من خلال الوصف التالي:

استيقظنا على صوت ضجيج عال لم يسبق أن سمعناه من قبل، وانفجار قنابل، كانت القرية بأكملها في حالة ذعر؛ فالنساء تولول، والأطفال يصرخون، وبدأ أغلب القرويين في الفرار بملابس النوم. أما زوجة قاسم أحمد سعيد فمن فرط ذعرها فرت حاملة بين ذراعيها وسادة، بدلًا عن طفلها.

ويتضح عندئذ أنه لم يعد هناك بداهة جاهزة، ضرورة منطقية، يركن إليها الجميع تلقائيًا وتتماسك بها الأفكار. لا بد إذًا من امتلاك بداهة جديدة. وهذا لا يكون إلا بالقفز فوق حاجز معرفي، حاجز تراكم المعلومات التقليدية.. وهذا ما يمكن تسميته (القطيعة المنهجية)؛ لتذكرنا بفيلم (صباحكو كدب) وصلاة أستاذ الموسيقي (نعناعة) في مقام السيد البدوي في طنطا كموعد لإعاده صياغة الفكر السياسي وفقًا لمنظور ملائكة الرحمة، وكما قال الشاعر البردوني: فوددت لو ألقى كذاب اللّيل، صدقا في النهار.. من زاوية (جو الإرهاب الفكري)!

للتأمل

*خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: الربانية، الثبات، الشمول، التوازن، الإيجابية، الواقعية، التوحيد.
*الثقافة غير المادية.. تنتقل بين الناس من جيل إلى آخر: المعايير، المتعقدات، الاتجاهات، المعارف، اللغة.
*الثقافة المادية: المباني الأثاث الملابس أنواع الطعام / الشراب.
*الطريقة الكشفية:   الوعد والقانون، التعلم بالممارسة، دعم الراشدين نظام المجموعات الصغيرة (الطلائع)، نظام التقدم الشخصي (الشارات)، الإطار الرمزي،  حياة الخلاء المشاركة المجتمعية.
*المبادئ: الواجب نحو الله، الذات، الوطن والآخرين.

لا تضيعوا وقتكم في الشرح، فالناس لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه. باولو كويلو.

المريض النفسي هو الإنسان الذي فهم ما يجري. ويليام بوروز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد