في الآونة الأخيرة – ولا سيما بعد أحداث الربيع العربي – بات يتردد مصطلح الإسلام السياسي بكثرة في الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية في العالم العربي، ليحمل معنًا سلبيًا تجاه تلك الحركات التي تتخذ من الفكر الإسلامي منطلقًا للمشاركة السياسية، فعندما يتم ذكر مصطلح الإسلام السياسي، فغالبًا ما يتبادر إلى ذهن البعض تلك الحركات الإسلامية الراديكالية، التي تحمل اأفكارًا متطرفة، وبالتالي يجب إقصاءها من المشاركة في الحياة السياسية. وعلي الجانب الآخر هناك فئة ليست بالقليلة لا زالت تنظر نظرة تفاؤلية تجاه الحركات الإسلامية وترفض إقصاءها من المشهد السياسي.

• ماذا يعني مصطلح الإسلام السياسي؟

ومصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي، استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره نظامًا سياسيًا للحكم.

ويمكن تعريف الإسلام السياسي باعتباره مجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية، والتي يستخدمها ما اصطلح على تسميتهم «الإسلاميون»، الذين يؤمنون بأن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة.

• تاريخ مصطلح الإسلام السياسي

يعد مصطلح الإسلام السياسي مصطلحًا حديث النشأة، حيث ظهر في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين على يد الاكاديميين الغربيين – وبخاصة الأمريكان – وكان ظهوره بداية نتيجة لعدة أسباب منها:

1. انتشار الجماعات الصوفية الإسلامية في العالم الإسلامي والتي عمدت إلى عزل نفسها عن السياسة وما يتعلق بها من صراعات.

2. وجود الاستعمار الغربي في العالم العربي، وهو ما أدى إلى شعور البعض بحالة الضعف والهوان التي تعيشها الأمة، بالإضافة إلى شعورهم بخطر الاستعمار على الهوية الإسلامية، وبالتالي ظهرت حركات الإسلام السياسي ردًا على هذا العدوان ومستهدفة العودة بالأمة إلى أمجادها القديمة (كما يعتقدون).

3. انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس الجمهورية التركية على النمط الأوروبي وإلغائه لمفهوم الخلاف الإسلامية، وذلك ما أدى إلى إنشار أفكار مفادها «أن تطبيق الشريعة الإسلامية في تراجع، وأن هناك نكسه في العالم الإسلامي».

4. المستوي الاقتصادي المتدني لمعظم الدول في العالم الإسلامي، وهو ما أدى إلى ظهور الأفكار التي ادعت بأن التخلف والتردي في المستوي الاقتصادي يعود إلى ابتعاد المسلمين عن التطبيق الصحيح لنصوص الشريعة الإسلامية، وتأثر حكوماتهم بالسياسة الغربية.

5. وأيضًا لعبت القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي دورًا كبيرًا في بروز أفكار الإسلام السياسي.

وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح الإسلام السياسي ليس أول المصطلحات التي استخدمت لوصف الأفكار التي يعتنقها ما جرى تسميتهم «الإسلاميين»، حيث استخدمت مصطلحات أخرى مثل: الإسلام الأصولي، والإسلام الراديكالي، والإسلاميون المتطرفون، حيث يعتبر مصطلح الإسلام الأصولي من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمي اليوم «إسلام سياسي»، حيث عقد في سبتمبر (أيلول) 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن تحت عنوان «خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا»، وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر «الثورة الإسلامية» إلى أفريقيا عن طريق السودان، وفي التسعينات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح «الإسلاميون المتطرفون»، واستقرت التسمية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على مصطلح «الإسلام السياسي»، وبعد أحداث الربيع العربي تنوعت المصطلحات التي استخدمها الساسة والزعماء لوصف ظاهرة رغبة الإسلاميون في الوصول إلى السلطة بين مصطلح «الإسلام السياسي» ومن ذلك قول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لقائه بترامب سبتمبر 2019: «ستظل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الحقيقي طول ما في إسلام سياسي يسعي للوصول إلى السلطة في بلادنا»، ومصطلح «الإرهاب الإسلامي» وهو ما ذكرته المستشارة الألمانية ميركل في أحد خطاباتها: «إن الاختبار الأكبر بدون أدني شك هو الإرهاب الإسلامي، والذي كان يستهدف الألمان منذ سنوات عديدة». أما عن مصطلح «الإسلام المتطرف» فهو ما ذكره ترامب في خطابه بعد أدائه اليمين الدستورية: «ستقوم الولايات المتحدة باستئصال الإسلام المتطرف وستوحد العالم ضده».

• إشكاليات استخدام مصطلح الإسلام السياسي

وكغيره من المصطلحات غربية المنشأ، فإن مصطلح الإسلام السياسي قد قوبل بالتأييد من قبل البعض وبالرفض التام من قبل البعض الآخر، وفيما يلي نستعرض الرأيين المؤيد والمعارض لمصطلح الإسلام السياسي، وذلك على النحو التالي:

أ‌. الرأي المعارض لمصطلح الإسلام السياسي:

تتمحور مواقف الكثير من الباحثين في رفضهم لاستخدام مصطلح الإسلام السياسي؛ لكون هذا المصطلح غربيًا، فهو محل شك مثله مثل الكثير من نواتج الغرب.

وهناك من يعارض استخدام المصطلح؛ لكونه يرى أن هناك انحيازًا علمانيًا لمصطلح الإسلام السياسي؛ لأنه يوحي بأن الإسلام بطبيعته غير مسيس وأن هناك اختزالًا للدين الإسلامي، فهذه الفئة ترى بشمولية الإسلام، وأن الإسلام منهج للحياة أنزله الله لعباده الذين خلقهم وعرف ما يصلح لهم فأنزل لهم شرائع لا تصلح دنياهم إلا بتطبيقها، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك مجال من مجالات الحياة ليس للدين فيه ذكر، وبالتالي فليس هناك إسلام سياسي، وإسلام اجتماعي، وآخر اقتصادي، بل هو إسلام واحد شامل لكافة مناحي الحياة.

وفي هذا الشأن يشير الدكتور محمد عماره في كتابه «الإسلام والسياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي» إلى عدم ارتياحه إلى استخدام هذا المصطلح خوفًا من شبهة اختزال الدين في السياسة، ويشير أيضًا صدر الدين البيانوني فيما يخص مصطلح الإسلام السياسي إلى أنه «مصطلح ناشئ أصلًا عن الجهل بالإسلام، ذلك الدين الذي جاء بالعقيدة والشريعة، خلافًا للمسيحية التي جاءت بالعقيدة فقط، ونادت المسيحية بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر».

ويلخص زهير سالم – وهو أحد المفكرين الإسلاميين – رأي هذه الفئة المعارضة في قوله: «هذا المصطلح وضع لتمييز فئة معينة في البداية، ثم بعد ذلك تفصيل التهمة لهم، ثم تنفيذ الحكم فيهم، فهم (يقصد الغرب) لن يستطيعوا محاربة المليار ونصف دفعة واحدة، وإنما لابد من تقسيمهم إلى خنادق، لا سيما وأن هذا القرن هو قرن محاربة الإسلام – أو كما يطلقون عليه « الخطر الأخضر» – وذلك بعد زوال الشيوعية «الخطر الأحمر»، وعلي ذلك فقبول هذه المصطلحات على أنها أمر واقع، والتماهي معها خطر كبير يهدد تماسك هذه الأمة ووحدتها، وبالتالي يجب أن توقف عن حالة غيرنا نفصل ونحن نلبس».

ب‌. الرأي المؤيد لمصطلح الإسلام السياسي:

بالرغم من كل الانتقادات التي وجهت للمصطلح ومستخدميه، إلا أنه ظل واسع الانتشار والرواج، ولا يزال يستخدم من قبل فئة عريضة من الناس لا ترى في استخدامه أية مشكلة (لا سيما التيارات العلمانية).

كما أن المصطلح يلقي أيضًا تأييدًا من قبل بعض «الإسلاميين»، حيث يرون أن هذا المصطلح لا ينفي شمولية الإسلام بل يثبتها، ويوضح أيضًا الدور الحقيقي للإسلام، وليس الدور المرسوم له من قبل أعدائه. ومن هؤلاء الدكتور مصطفى محمود، حيث يقول في كتابه «الإسلام السياسي والمعركة القادمة»: «حينما يصرح الساسة في الغرب بأنهم لا يعادون الإسلام، وأنهم ليسوا ضد الإسلام كدين، فإنهم يكونون صادقين بوجه من الوجوه، إذ لا مانع عندهم أبدًا من أن نصلي ونصوم ونحج، ونقضي ليلنا ونهارنا في التعبد والتسبيح والابتهال والدعاء، ونقضي حياتنا في التوكل، ونعتكف ما نشاء في المساجد، ونوحد ربنا ونمجده ونهلل له، فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي، إسلام الشعائر والعبادات والزهد ولا مانع عندهم في أن تكون لنا الآخرة كلها، فهذا أمر لا يهمهم ولا يفكرون فيه، بل ربما شجعوا على التعبد والاعتزال، وحالفوا مشايخ الطرق الصوفية، ودفعوا لهم وعنهم، ولكن خصومتهم وعدائهم هي للإسلام الآخر الإسلام الذي ينازعهم الدنيا، ويطلب لنفسه موقع قدم في حركة الحياة (يقصد الإسلام السياسي)». ولذا ظهرت الكثير من الآراء التي أوضحت مبررات استخدام مصطلح الإسلام السياسي، وظهرت التعريفات التي ترى فيه مصطلحًا مناسبًا لتوصيف الظاهرة.

ومما تقدم يتضح أن مصطلح الإسلام السياسي، هو ذلك المصطلح السحري القادر على تقسيم الناس إلى فريقين، فريق يعارض استخدام المصطلح ويرى في الإسلام الطريق الأمثل لتحكيم شرع الله ولإنفاذ إرادة الله على عباده وفي أرضه، وفريق يؤيد استخدام المصطلح ويرى فيه (أي الإسلام السياسي) سبيلًا إلى المتاجرة بالدين والارتزاق به وتوظيف هذا الدين العظيم في غير ما شرعه الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد