إن الإسلام السياسي مصطلح منطلقه الخطابات والدراسات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا برز في المشهد الدولي عام 2001، بسبب أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وشن الإدارة الأمريكية حملات دعائية إعلامية، وسياسيةـ، وحتى عسكرية بغزو أفغانستان عام 2002، والعراق 2003، بدعوى محاربة الإرهاب، بالتالي تم التسويق للمصطلح على أساس أن كل نشاط سياسي ذا خلفية إسلامية يرتبط آليًا بالإرهاب، أما عربيًا فظاهرة الإسلام السياسي تستدعي النظر إليها من زاوية أنها عبارة عن مجموع الجهود أو الاجتهادات التاريخية القديمة في التاريخ الإسلامي، والتي تستهدف إعادة تشكيل البنية الثقافية والاجتماعية العربية والإسلامية، بحيث ظهر الإسلام السياسي على شكل صراع فكري أخذ منحيين: منحى تجديدي، مثلته المدرسة الإصلاحية بريادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وكان اتجاه فكري يسعى إلى إعادة قراءة النص والتاريخ الإسلاميين قراءة جديدة، ومنحى تحديثي، استبطن الثقافة الغربية وعمل على استعارة قوالبها الفكرية ومؤسساتها مثل كتابات: زكي الأرسوزي، وطه حسين.

كما أن بروز الإسلام السياسي جاء كرد فعل على جهود الحداثيين في الاستئثار بالسلطة واعتماد العنف والقهر في التعامل مع دعاة التغيير السياسي، وبالتالي عمل الإسلام السياسي على إعادة توليد الأفكار والمؤسسات السياسية والتاريخية، قبل أن ينحى منحى القبول والانفتاح على أطروحات الديمقراطية، بحيث يقدم التيار الإسلامي نفسه حامل لمشروع حضاري تحت شعار الإسلام السياسي.

إن الإسلام كعقيدة ودين سموي فهو منزه من فوق الأرض ومن تحت الأرض وما بينها، من أي جدل أو خطأ قد يمس جوهره أو أحد أركانه، وفيه الاختيارية في اعتناقه، وحتى في الخروج منه، وقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم سيدًا وزعيمًا ملهمًا في قيادة الأمة الإسلامية، والتأسيس لنظام المدينة المنورة، بما فيه من روح التآخي وسمو إنسانية الإنسان، بغض النظر عن دينه، ولونه، وعرقه، وجنسه، فكانت المدينة واحة للديمقراطية الإسلامية، التي مرتكزها نظام الخلافة، والشورى، لكن بوفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تشتت الأمة الإسلامية شيعًا وفرقًا دينية ومذهبية (السنة، الشيعة، الوهابية)، وكان من هذه الفرق والجماعات أن ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، تحت ركام الخلافة العثمانية التي أطلق عليها الرصاص «كمال أتاتورك» لاغيًا الدين في السياسة، ورافضًا ومحاربًا لكل مظاهر الإسلام في المجتمع والدولة.

إن الممارسة السياسية لحركات الإسلام السياسي، يمكن على أساسها وضع تصنيفات سياسية لها، بين حركات متطرفة تؤمن بالعنف في التغيير السياسي، مثل: تنظيم القاعدة، «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش)»، وحركات تؤمن بالمنهج السلمي والمشاركة السياسية والانتخابات كأداة للوصول إلى الحكم، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والأردن، وتونس والمغرب… غير أنه اتضح أن هذه الحركات التي مكن لها «الربيع العربي» الحكم، لم تستطع وضع أفكارها موضع التنفيذ، الأمر الذي جعلها مجرد سلطة ليبرالية تحتفظ بكل مخالبها، وعيوبها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، بالتالي فهي تعمل فقط على الشحن الديني، والعاطفي للجماهير، واستعطافهم.

بالتالي إن مصطلح الإسلام السياسي برز أساسًا في البيئة العربية، لما حدث بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في ظهور الفرق والجماعات الدينية، ووصولًا إلى إنهاء نظام الخلافة، ثم ينتقل هذا المصطلح للبيئة الغربية في مجريات الأحداث وتغيير موازين القوى في انهيار القطب السوفيتي الشيوعي، فكان من الغرب الإستراتيجي العمل على إيجاد عدو وهمي لتبرير كافة سياساته الخارجية، فكان أن تم الترويج لمصطلح صراع الحضارات بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي، والقول إن كل نشاط سياسي يستدعي الخطاب الديني للعمل السياسي فهو إسلام سياسي يقترب للإرهاب إذا كان عنيفًا ومتطرفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد