النهضة التونسية نموذجًا

في تدوينة أخيرة له، اعتبر راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب التونسي، وزعيم حركة النهضة التونسية، أن علاقات الصداقة بين تونس وفرنسا لن تشوش عليها ما أسماها بالأحداث العابرة والهامشية، في إشارة إلى حوادث الإساءة الأخيرة للمقدسات الإسلامية في صحف ومدارس فرنسية. أن يأتي هذا الكلام بالضبط، من سياسي ومنظر ذي توجه إسلامي، وزعيم حركة لم يمض على قطعها الصلة بالجانب الدعوي سوى أربع سنوات، فذلك أمر جلل قد يستغربه القليل، فيما أن الكثير لن يصدقه أصلًا.

دعونا نبرز السبب، من خلال دراسة تغير سلوك حركة النهضة بصفة عامة، لقد تطور سلوك هذه الحركة بكيفية متسارعة خلال السنوات التي تلت الربيع العربي، وهي السنوات التي حققت فيها الحركة نتائج انتخابية غير متوقعة، ولن يتأتى لنا تفسير هذا التطور سوى باعتماد مقاربتين /نظريتين أكاديميتين اثنتين، الأولى مقاربة «بنية الفرص السياسية – political Opportunities Structure»، وهي نظرية تقوم أساسًا على ربط تغير سلوك أية حركة اجتماعية بحجم الفرص السياسية التي قد تمنح لهذه الحركة، في حين أن النظرية الثانية هي نظرية «متلازمة الإحتواء الاعتدالي»، والتي تنبني على طرح مفاده أن اعتدال سلوك حركة إسلام سياسي ما رهين باعتدال نظرة وتعامل النظام السياسي معها.

توظيفًا للمقاربة الأولى سالفة الذكر، يظهر لنا أن الحركة استغلت فرصة سقوط نظام بن علي الذي طالما نبذها، وحاول الإجهاز عليها، وعلى أفكار قادتها، لتحقيق مكاسب سياسية هامة، وواكب هذا التحقيق إستراتيجيات سياسية متغيرة ولينة أحيانًا، بدءًا من تقاسم السلطة مع أحزاب سياسية تخالف النهج العام للحركة، مرورا بإستراتيجية الحكم بدون حكومة، عبر ترك الحكومة في 2013، ترك علق عليه الغنوشي نفسه قائلًا: «نحن نترك الحكومة، لكننا نظل في السلطة».

تمكننا ذات المقاربة أيضًا من فهم التحول العميق في نظرة الحركة إلى مفهوم الدولة، إذ اعتبرت وثيقة الرؤية الفكرية الجديدة التي اعتمدتها سنة 2016 أن الدولة هي دولة مدنية قائمة على المواطنة، والفصل بين السلطات، وتأمين حقوق الناس وحرياتهم، وغيرها من القيم الديمقراطية الأخرى، حتى أن مفكرًا وقياديًا بارزًا في الحركة كالغنوشي ساوى بين الوطني والإسلامي في الحركة.

وإن نحن عرجنا على دراسة الحركة بالتوسل بالمقاربة الثانية، فسنلحظ أن الحركة تنفست الصعداء بعد حياد المؤسسة العسكرية التونسية في أول انتخابات بالبلاد بعد 2011؛ إذ تحولت الحركة من دعوات للانفراد فقط بالدعوة والتعليم، وترك السياسة، أطلقها صالح الكركري سنة 1988، في ظل نظام متعصب تجاه الحركة آنذاك، إلى حزب سياسي محض، بعدما كانت حركة بحزب سياسي، وقبلها حركة إسلامية شمولية.

لكن على الرغم من جوانب التحول والفرق البائن أعلاه، ثمة ما يشير إلى أن سير الحركة نحو توجه مدني حداثي لم يزل في مرحلة مخاض عسيرة، فجل القيادات والمفكرين داخل الحزب هم من مريدي التيار الإسلامي، ويصعب عليهم التوجه إلى العمل السياسي، والانخراط فيه دون الاستعانة والمواكبة بأفكار الإسلام السياسي، وهو ما يتوسل به المحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي لتبرير تراجع الحركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومغادرة مرشحها عبد الفتاح مورو هذا السباق منذ الدور الأول.

بناءً على ذلك يتبين أنه من الصعب أن تحافظ الحركة على قواعدها الشعبية في ظل هذا الحياد المتسارع على القواعد التي بنيت عليها، وعليها بصيغة أو بأخرى إيجاد مقاربات جديدة للملائمة بين فئات شعبية داعمة لها في مسيرها نحو الحداثة، وبين فئات أخرى كانت ترى في الحركة وصعودها بارقة أمل لتطبيق النظام الإسلامي الأكثر حزمًا تجاه أية إساءة، أو تَعد على مقدسات إسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد