لا شك أن لعلوم الفقه والأصول وتشعباتها وفروعها مكانة مهمة في ضبط المعتقد الإسلامي، وجعله خاضعًا لقواعد علمية وأصولية وضوابط شرعية؛ إذ يمكننا القول بأن ما بذل من مجهود في هذا الباب قد استنزف أجيالًا وطاقات كبيرة كان لها الفضل في ضبط علوم الإسلام. يعد الفقه السياسي أخذ هذه العلوم التي اهتم بها بعض العلماء القليلين نظرًا إلى عدة اعتبارات أهمها وأبرزها وجود نظام سياسي قائم على الجبر، وبالتالي كان للسلطة السياسية تأثير في السلطة الفقهية – إن صح التعبير- يمكن القول بأن ما أنتج في الفقه السياسي يعد جد قليل مقارنة مع ما جرت كتابته في باقي فروع العلوم الفقهية و الأصولية، ترتب عن هذا، شح في المصادر والمراجع مع وجود اختلالات جوهرية لدى العديد من المنظرين داخل التيارات الإسلامية لترتب عنه إشكاليتين جوهريتين، أولاهما وجود بنية فكرية سياسية تراعي مصلحة الحاكم على مصلحة الرعية، والإشكالية الثانية أنه ترتب على هذا، استغلال لهذا النمط من التفكير قصد التبرير وقصد استخدامها في أجندات سياسية.

 يعد الخوض في الحديث عن الفقه السياسي أمرًا ليس بالسهولة التي نتصور، لندرة المصادر ولقلة تنوعها، ثم لتوجه وانحباس كل هذا الفقه في نمط معين يكاد يكون وحيدًا، حيث إن أعظم ما يتميز به هذا التوجه هو التبرير دون تفعيل أي آلية من آليات الانتقاد أو حتى المقاومة الفكرية، و سبب كل هذا وجود ترسانة من الحجج التي يجري الاستدلال بها دون استحضار أبعاد فقه التنزيل، بوصف هذا الأخير علمًا مستقلًّا من علوم الشرع الذي يهتم بتنزيل الدليل على الحالة المناسبة، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الموضوعية المنبثقة منها الاشكال.

بادئ ذي بدء، إنه لمن المجازفة أن يعتقد أي كاتب بأنه يستطيع الحسم في أي موضوع من موضوعات الفقه السياسي في مقال وحتى كتاب بل يحتاج الأمر دراسة عميقة وتاريخية وبأبعاد أخرى؛ حتى يستطيع الكاتب الإلمام بالموضوع من كل زواياه، ويسهل عليه انتقاده وتقديم بدائل حوله، دون اجحاف ولا تفريط. الأمر الآخر الذي يفرض نفسه على كل مفكر لكي يدرس الفقه السياسي، هو أن الاسلام ليس كباقي الديانات التي انطلقت من محضن وبيئة قانونية جاهزة.

كالديانة المسيحية التي ولدت في حجر الحضارة الرومانية، إلا أن الإسلام جاء وانطلق من رحم منطقة كانت تعاني من فراغ في المنظومة السياسية. بل يكاد يكون هناك غياب تام للقيم الأخلاقية في التعاملات السياسية، وبالتالي فبروز دولة إسلامية في مدة وجيزة، لم يكن منطلقًا من أو من تراكمات معرفية وإنسانية، بل كان منطلقًا من فهم لنصوص الدين وتربية على ذلك خصوصًا أن الجيل الأول من الصحابة كانوا هم أول ممارس لكل الأوامر الإلهية والنبوية فيما يتعلق ببابها التشريعي والأخلاقي؛ حيث شكل بروز دولة اسلامية نموذج سياسي لدولة قائمة بذاتها.

كل هذا، جعل الأمر أكثر تعقيدًا خصوصًا من ناحية الاستقراء السياسي للأحداث التاريخية، ولا من ناحية تكييف ما جاء به الإسلام في تعاملات سياسية في توجهات أيديولوجية معينة، يمكنها أن تخلص في الأخير إلى وضع منهاج سياسي مبني على قراءة صحيحة للأحداث في زمن الدولة الاسلامية الأولى، و أيضًا من ناحية تفسير للأحداث المتسارعة والمتنوعة في واقعنا، ثم من ناحية وضع منهاج وطرح بديل حقيقي يجيب عن أسئلة كل مرحلة بحساسياتها الاجتماعية والاقتصادية.

إن ما يمكن أن يراعيه تناول أي حدث واستقراءه أو استدعاء لأي مصطلح، أو تنزيل لأي نص، أو التفاعل مع أي حدث بنص شرعي لا بد له من أن يراعي خمس أبعاد خطوط كبرى، إذ تعد هذه الأبعاد المحددة لكي يستطيع أي باحث في العلوم السياسية فهم الأحداث وفق سياقها الصحيح. وفيما يلي هذه الأبعاد.

· البعد التاريخي:

يعد التاريخ هو الطاولة التي تتموضع عليها كرونولوجيا الأحداث؛ إذ يعد الاجتزاء أو استقراء أي حدث دون مراعات سياقه التاريخي الذي يتداخل معه وفق منظومة أحداث وتفاعلات ليست إلا نتاجًا لعدة مسببات. وبالتالي فعدم وضع الحدث على مساحة تضم علله ومسبباته من جهة، ومن جهة أخرى عدم مراعاة خلفياته والنتائج المرجوة منه، يسبب عدم وجود صورة كاملة عنه. وبالتالي يصعب أن نستقي أي حكمة منه. و على سبيل المثال يعد غياب مخزون الفقه السياسي في تاريخ الإسلام وقلة التنظير فيه كان لأسباب سياسية وطبيعة الحكم، وأيضًا بسبب الظروف الاجتماعية التي جعلت من هذه المواضيع وغيرها أمرًا ليس بالأهمية القصوى. إذ لا يمكن أن نتحدث عن أعراض الفقهاء عن الفقه السياسي دون ذكر السياق التاريخي الذي ينعكس بدون شك عليه.

· البعد التربوي:

يعد هذا البعد من بين أهم وأخطر ما جرى التغاضي عنه خلال عدة عقود لدى الكثير من الحركات التجديدية والإصلاحية في الإسلام. لا يمكن أبدًا فصل السعي في الاصلاح السياسي والاجتماعي مع إقصاء كلي لبناء العمق التربوي لدى الأفراد. وقد ناقش هذا ابن خلدون وعدة مفكرين فيما يتعلق بهدم المجتمعات.

إذ تحدث الإمام الشهرستاني في صدر كتابه «الملل والنحل» عن كيف انهدم المجتمع الإسلامي، وتحدث عن الاستبداد السياسي ثم يليه فوضى اجتماعية في القاعدة. وعليه فالإصلاح لا بد أن يشكل البعدين، البعد الرأسي من خلال إصلاح منظومات الحكم والتسيير ويرافقها بالحدة نفسها والمجهود الإصلاح في القاعدة، من خلال بناء الإنسان الذي سيكون الأرضية الخصبة لنجاح أي برنامج.

· البعد القيمي:

من خلال هذا البعد، لا بد من استحضار المعاني القيمية التي تناولها الاسلام في تعامله مع الحكم، ولعل ما قدمه الإسلام من حل للنمط السياسي سيجعل طرحه الاقتراحي قويًّا مقارنة مع باقي المدارس الحداثية.

إذ يمكن القول بأن نمط الشورى في الاسلام هو أحد سمات القوة للدولة، بحيث لا تعتمد على أسلوب العصاء لأي طرف بقدر ما ترى في تلاقح الأفكار وتدافعها نوعًا من أنواع حفظ العقيدة ونوعًا من أنواع احتضان كل الطاقات، ينضاف إلى هذا قيمة التقويم والتقييم، الذي جعله الإسلام من اختصاصات الشعب الذي ليس دوره فقط في اختيار من يسير شؤونه العامة، بل يواكب معه خطواته الإصلاحية وأهم ما أسس له الإسلام في هذا المبدأ هو مفهوم المبايعة التي تبنى على الثقة وعلى الرضا، أهمية الشعب تعد ركيزة مهمة لنجاح أي تغيير واستمراره، وإقصاؤه يعني وجود سلطة سياسية مستبدة.

· البعد الاستراتيجي:

لا يمكن أبدًا القول بأن الحضارات الغربية نجحت في حل هذا مشكل وجودها السياسي إلا بعد أن جعلت نصب أعينها رؤية استراتيجية بعيدة المدى، عن شكل الدولة المستقبلي، إذ لا يمكن أبدًا الحديث عن نجاح استراتيجية حقيقية لأي بلد ما لم يجر تأسيسها على أساسين مهمين. أولهما، الأساس العقائدي الصلب، ونموذج الدولة العبرية المحتلة خير مثال. وبدايات نجاح الدولة الإيرانية الشيعية مثال آخر – لولا العقوبات- إذ لا يمكن أبدًا في هذه الدول أن نتحدث عن برنامج أي حزب يريد تسيير الشأن العام، ما لم يحقق ويكتسح مساحات كبيرة للخارطة الجيوسياسية المراد تحقيقها.

أما ما يتعلق بالأساس الثاني فهو الأساس الفكري الانتهازي، و هنا تبرز أهمية وجود سلط منفصلة و قضاء قوي؛ حتى لا يكون هناك تلاعب وتزاوج بين السلطة والمال في الدول القوية. إذ يعد المبدأ العام للمنافسة السياسية هو مدى البحث عن مناطق نفوذ جغرافية ليتبعها حصول على مصادر الطاقة، ثم يليها قوة اقتصادية وعسكرية لا تجعل من هذا البلد رقمًا مهمًّا، بل تعطيه الصلاحية في إضعاف باقي الأطراف. وبالتالي فتعاقب الحكومات والمؤسسات إن لم يشغلها هدف استراتيجي بعيد المدى، من خلاله يمكن أن تبنى دولة قوية استراتيجيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا فستظل رهينة سياسات تدبيرية تلبي الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية لمدة معينة فقط. وقد يختلف الأمر عند بعض الدول التي لا تعير للسياسة الأخلاقية قيمة في نهجها، خصوصًا الخارجي منها.

· البعد الفلسفي:

هنا موضع الخلاف بين المدارس حول عدة مفاهيم أصيلة في علم السياسة. فالمدرسة الغربية الحديثة في تناولها الفلسفي تلغي بصفة عامة تدخل الدين في مناحي الحياة، ويختلف اختلافًا جذريًّا مع المفهوم الإسلامي الذي يعد الدين منهاج حياة. لكن ظل الفقه السياسي عاجزًا بسبب ما جرى سرده سالفًا عن إيجاد حلول لعدة مشاكل إلا في بعض الملفات من قبيل التبرير للسلطان في جوره.

يرجع هذا الإشكال إلى منطلق التحرر الغربي من لاهوتية الكنسية، التي كانت النظام الاقطاعي حينها يستبد باسم الدين، هذا الترابط جعل من الثائرين الملقبين بالمثقفين الأحرار أن يجعلوا نصب أعينهم فك هذا الترابط بين الكنيسة والسلطة السياسية. وهنا يبرز مدى عمق الإشكال بين المدرستين أولاهما تحررت بسبب فصل الدين عن مناحي الحياة، والأخرى التي ترى في منهج الإسلام حلًّ لمشاكل البلد.

يمكن أن أخلص من هذا الموضوع، إلى أن الفقه السياسي مجال جد مهم، جرى التغاضي عنه لعدة عوامل ذاتية وموضوعية، ويحتاج إلى نظرة تجديدية من طرف كل التيارات الإسلامية وبكل مشاربها الفرعية ومن طرف كل المفكرين، مراجعة تنطلق من معطيات هذه المرحلة وتضعها في ميزان النصوص الشرعية بالدقة المطلوبة مستحضرة تواتر موجات المد والجزر في موازين القوة، هذا التجديد يجعلنا نخلص بأمرين مهمين: أولهما هو تحديد الموقف الشرعي الذي تتطلبه المرحلة، وهنا أقصد تحديد موقف واضح وصريح، والأمر الثاني هو ما يجب فعله بالشكل المناسب وفق المرجعية الإسلامية وخطوات ميدانية تعتمد على إصلاح الفرد فكريًّا وإيمانيًّا وحركيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد