لقد أضحى النفاق السياسي اﻹشكال الأساسي والعضال الذي يتهدد ويشكل خطورة على الاستقرار في الحياة السياسية بالمغرب، وذلك بفعل اعتماده كوسيلة وغاية لدى العديد من النخب السياسية كمنهج وسلوك للتعاطي مع الممارسة السياسية.

فأصبح المجال السياسي يعج بهذه النماذج ومن كل الألوان واﻷطياف والمشارب الأيديولوجية بدون استثناء، فتحول النفاق لدى الفاعلين السياسيين كمرتكز ومنطلق في المعادلة السياسية المغربية، وجزءًا لا يتجزأ من الشخصية السياسية للدولة، وأتقنت هذه الأخيرة أدبيات النفاق وتقنياته إلى حد الاحترافية، وهذا يتجلى في الوضع المختنق الذي وصل إليه المغرب في جميع المجالات بفضل هذا النفاق الذي يعتمد على ثقافة الكذب السياسي والاحتيال والمراوغة وعلى ثقافة الاستحمار والاستبغال من خلال نشر ثقافة التفاهة وصناعتها إعلاميًا، فأضحى الفاعل السياسي المغربي بدون خجل أو وجل يمتهن هذه الصنعة صنعة الكذب والنفاق في تلون حربائي مثير للجدل والاهتمام من أجل بلوغ مقاصد نفعية شخصية ضربًا لكل الموجبات والمقومات الأخلاقية والمحاذير القانونية والدستورية، وهذا النفاق يترجم من خلال سمات التملق والمداهنة ويتخذ شكلًا هرميًا تنازليًا وتصاعديًا من قاعدة السلطة إلى قمتها والعكس صحيح، ويطفو كقطعة خشب بشكل أفقي وانسيابي بين مكونات العمل السياسي، سواء كانوا في شكل أعضاء أو مؤسسات.
ويمكن القول إن تجليات هذا النفاق السياسي تبرز على أكثر من صعيد وفي شكل أنماط تعبيرية وممارساتية ومؤسساتية، فنجد مثلًا كيف يتملق ويتقرب عضو حزبي أو نقابي للسلطة ويخطب ودها للحصول على نوع من الرضا والاستفادة من عطاياها ومكرمياتها، بل حتى أن تجليات هذا النفاق امتد إلى المؤسسة التشريعية التي من المفروض أن تكون حصنًا حصينًا لتطلعات المواطنيين وحقوقهم، لكن وكما نعلم فإن المؤسسة التشريعية بالمغرب أضحت رمزًا للريع البرلماني الذي يسن قوانين وتشريعات معاكسة للإرادة الشعبية وأغلب هؤلاء البرلمانيين لا يحملون شهادة جامعية، فترى كيف يتملق البرلماني ويداهن الحكومة لقضاء مآربه الشخصية والتقرب من دوائر القرار السياسي والمالي، حتى وإن عارضها فإنها تكون معارضة شكلية، وليست نابعة من صميم الشرف السياسي، فما يحدث وراء الكواليس يكون قد تجاوز المؤسسة التشريعية، فتكون فقط صورة لكي تعطي انطباعًا أن هناك ممارسة حقيقة داخل قبة البرلمان. وما قرار فرض الساعة الصيفية وقانون التجنيد الإجباري وغيرها من القوانين دون حوار مجتمعي وبين مختلف مكونات المجتمع المدني إلا دليل على إفلاس النخبة التشريعية.
وأيضًا ترى كيف ينافق عضو الحزب قيادته لتعزيز موقعه داخل منظومة وهياكل الحزب وكسب ود أمينه العام الذي يعتبر المدخل الحقيقي للحصول على مناصب المسؤولية في الدولة وكأنها كعكة يقتسمونها فيما بينهم، أما فتات الكعكة فهو من نصيب النخبة الفكرية المتماهية مع خطابهم وذلك من خلال كلماتهم المنمقة بمصطلحات ومفاهيم لا تمت صلة بأرض الواقع.
وفي متابعة النفاق والمنافقين على اختلافهم يمكننا ملاحظة بعض ملامح التغيير في التركيبة النفسية لبعض الأشخاص العاديين أو حتى من يعلوهم عندما يتولوا سلطات أو مكانة أعلى، فعندها يمكنك ملاحظة حالة التماهي غير الطبيعي مع المنصب والتداخل بين الذات والسلطة، وانظر إليه كيف يتعامل معه الآخرون من التقريظ والمديح المفرط.
إنها سيكولوجية السلطة التي ترمي بشرارتها في نفوس الأفراد وتجردهم من ذاتيتهم في حالة أشبه إلى الاستلاب العقلي والنفسي، حيث يتحولون إلى خدامها بعدما كانوا يعارضونها ويمانعونها، فتغويهم حلاوة ونشوانية المنصب ويصبحون خدامه بغض النظر عن ثغراته وزلاته إنها حالة النخبة السياسية بالمغرب.
تساؤلات عدة تطرح ومشاكل جمة تبرز في سياق تفريغ السياسة من كينونتها الجوهرية وأهدافها النبيلة وإسقاط الموبقات المحظورة فيها في غياب الموجبات والمحاذير الأخلاقية والإنسانية، حيث أضحى الفاعل السياسي في المغرب يتبنى مفهومًا تحويريًا للأهداف المشروعة في ممارسته السياسية من خلال تثبيت واقع الولاءات والميولات والنزوات الذاتية والشخصية، فيخرج لنا جراء هذه الممارسة خطاب سياسي مشوه ومعوج في خضم صيرورة صادمة آلت إلى واقع تبخيس خدمة المصلحة العامة والتعاطي مع هذه الأخيرة بنوع من الازدراء والرياء.
وما المشاكل الاجتماعية التي يعرفها المغرب وتزداد حدتها كل يوم، والذي سيؤدي بلا محالة إلى انفجار حتمي وحقيقي على المستوى الشعبي إلا نتاجًا لهذا النفاق، ولتجنب سيناريو الانفجار فعلى كل الفاعلين السياسيين وكل النخب والمفكرين المستقلين والموضوعيين أن يتحدوا في مواجهة هذه المعضلة والتركيز على حل جذري في إرجاع الثقة للمواطن المغربي، خاصة الشباب الذي فقد الأمل في هذه البلاد بسبب الممارسة السياسية التي لا تلبي طموحاتهم في الشغل والصحة والعيش الكريم وتقسيم ثروة البلاد التي نهبت من كل حدب وصوب، وما هجرة أغلب الشباب من الوطن وهم من خيرة العقول، سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية من خلال قوارب الموت إلا دليل على إنسداد الأفق السياسي والاقتصادي الذي يخدم هذه الأخيرة فئة معينة داخل منظومة السلطة السياسية ويخدم أيضًا مصالح شركات أجنبية أقرب إلى التبعية الاقتصادية دون استفادة ملموسة على حياة المواطن البسيط، إنه زمن الاغتراب السياسي والاقتصادي فلا تحكوا على الظفر أكثر من اللازم حتى لا يسيل الدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد