يبدو أن النموذج الاقتصادي الجديد المتبنى من طرف الحكومة الجزائرية وتشجيع استهلاك المنتج الجزائري، قد تجسد عبر مختلف شعارات التسويق من «صنعناها جزايرية» مرورًا بـ«منتوج بلادي» إلى «سمع صوتك».

إذ كان العمل السياسي في الجزائر يكاد يشبه في هذا السياق الواقع الاقتصادي إسقاطـًا ونتائجًا، فالمعارضة المحسوبة كذلك والبرلمان الصوري والإعلام الموجه تجسد هذا الواقع السياسي الذي قابلته سياسة التقشف كخير دليل لانعدام أي استشراف أو دراسة للمعطيات الاقتصادية بالجدية المطلوبة والمفروضة في أعلى مستويات الدولة، ما دامت القطاعات الإستراتيجية «بعض الوزارات» يسيرها رؤساء بلديات معينون بمراسيم رئاسية! فكان شعار «سمع صوتك» اللافتة الإشهارية لهذا التسويق السياسي، ناهيك عما أحاط بهذا الشعار من شبهات موحية شملت الشركة المشرفة على ذلك والأشخاص الظاهرين في هاته اللافتات.

إلا أن التسويق علم يستوجب الإحاطة التامة بموضوعه «سلعة كانت أم خدمة»، والمعطيات اللصيقة به نوعًا، كمًا وتكلفة حتى يتمكن المسوق من الإقناع قبل البيع، الذي يعتبر عملية تجارية بحتة كمرحلة نهائية، بل كنتيجة للتسويق الجيد، وهذا هو الرهان السياسي في تشريعيات 4 ماي 2017.

إذ إن الانتخاب، ذاك العمل السياسي المجسد للسيادة الشعبية، أصبح وكأنه منتج نظام سياسي، الذي وإن عزف عن اقتنائه المستهلك، بيع بكل الطرق والأثمان.

فإن كان أسمى تشريع في الدولة بما فيه من ثوابت دستورية وحقوق للأفراد، لم يسوق له، بل كان بيعًا بالتراضي بين نظام ونظام «أي تعديل الدستور»، فلما تطلب ممارسة الشعب لمواطنته وقد استقال منها منذ زمن بعيد؟

فإن كان هاجس النظام «على ما يبدو» هو عزوف المواطن عن الانتخاب، فإن هاجس المواطن هو عزوف النظام عن التولي بأموره على كل المستويات.

ذلك أن سياق هذه الانتخابات لا يخدم تمامًا الحكومة الحالية ورئيس الجهاز التنفيذي، بين أزمة اقتصادية وتراجع للقدرة الشرائية مرورًا بفضائح سوء التسيير لبعض القطاعات الإستراتيجية كالتعليم والصحة، التجارة والصناعة.

ومع ذلك فإن النظام الحالي يعول على مشاركة انتخابية إيجابية من خلال حملات أحزابه الموالية وتداخلها في كل المستويات بطرق قانونية، وأخرى خفية يروح ضحيتها ذاك الموظف ذو الراتب الزهيد، أو الطالب لمركز اجتماعي محترم، أو حتى ذاك الإطار المتعطش للعرفان والرياسة؛ فكلهم يبيعون ضمائرهم بأثمان بخسة لضمائر أخرى أقل نبلاً وإخلاصًا.

كما أن هذه التشريعيات ما هي إلا رئاسيات مسبقة لسنة 2019، ذلك أن الأغلبية البرلمانية وكما جرت العادات السياسية في الجزائر ستكون الراعي الرسمي لرئيس الجمهورية في كل رقعة من إقليم الوطن، حتى وإن كانت ربوع الوطن ما زالت عام 2017 تعكس سياسات تنموية، أمنية ومرفقية كارثية.

إذ لا بد أن يطلع المتطلع بأن أعمال الولاة ورؤساء البلديات ما هي إلا امتداد للسياسة العامة للحكومة الموالية للنظام لا المسيرة، فوجب التمييز بين العمل الإداري المحض وقضاء حوائج الناس على المستوى الوطني، وبين الولاء والتزكية بمنأى عن كل انتقاد.

إلا أنه وقد يكون هذا التحليل قد جانب الصواب في طرحه، بحيث سيجدي هذا التسويق السياسي نفعًا وحراكـًا في ضمائر المستهلكين الجزائريين لاختيار المشاركة لا العزوف، ذلك وإن كان الجزائري في لسانه لغات ولهجات محلية وأخرى مستوردة أو هجينة، وفي ملبسه انعكاسًا لميول وثقافات متعددة، وفي مأكله عنوانًا لبلدان أخرى، فتبقى ممارسته للسياسة آخر ما يجسد مواطنته وجزائريته، بغض النظر عن نوعية المنتج أو الخدمة ما دام أن تركيب المنتجات الأجنبية في مستودعات جزائرية أصبح منتجًا جزائريًا، فالأهم هو خلق الثروة ومناصب شغل، وما الاستشراف إلا مقياس من مقاييس التكوين الجامعي النظري المنفصل عن الواقع، واقع الجزائر المخيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد