خواطر المفكر والكاتب والمثقف مشبعة بالمنطق والتأريخ للأحداث وهي مغايرة لخواطر الآخرين المنشغلين بالعاطفة وتلقف مجريات الأمور بذاتية وغياب لثقافة الموضوعية. الفئة الأولى يشبعون غرائز ذاتهم بإمساك القلم والكتابة، وتفريغ كربهم على أوراق الكراسة. القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية هي هموم المفكر الأولى، وبدرجة أقل يعنى بحياته الشخصية والعائلية. يروم من خلال خواطره نشر الفكر والوعي والمعلومة والتأريخ لما مضى، الظاهر منه والباطن، كما عاشه، ومن موقعه، دون زيادة أو نقصان. هذا ما حدث تماما مع المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي، أثناء تناوله لفترة حساسة من تاريخه الشخصي وتاريخ المغرب، والممتدة ما بين عام 1967 وعام 1973، نقلها في كتاب «خواطر الصباح».

تفتق ذهن العروي مبكرًا، وشرع في حكي خواطره عام 1949 وهو تلميذ، في لحظات مقبض جوها وبكامل شجنها وخوفها. فقد معظم الخواطر مع مرور الزمن، ونشر بعضها على أربعة أجزاء متفرقة. بعض من يومياته نشرها العروي في مؤلفاته السابقة، كرواية «اليتيم» و السيرة الذاتية «أوراق». لمست قضايا عربية وعالمية وأمريكية. كانت نظرته لما حوله دقيقة. يفحص الصغيرة والكبيرة من قرائن الأحوال، يدونها، ويضفي عليها التحليل والرأي الشخصي.

خواطر العروي بعيدة عن مظان الباحثين. هي مونولوج بينه وبين نفسه تخترقه عاصفة من الكلمات المتآلفة تئن أنينًا شديدًا ينطوي على دواخل كاتبها. بيد أن إصدار المؤلف، مكن صاحبه من أن يفصح للعالم عما جرى له ولبلده وللعالم في فترة مليئة بالحبائل.

وشديدة التوتر إقليميًا وعربيًا وعالميًا. الكاتب وجد طريقًا يريح بها وخز الضمير الذي انتابه طيلة فترة كان ممسكًا فيها عن الكلام. الكتابة كانت سبيلًا للانفراج والحديث عن الذكريات المكدسة لبعض القضايا التي ما زال بعضها عالقًا لحد الآن، وبعضها بقي خفيًا ومستورًا، ولم يكشف الكثير عنه.

سنوات الخواطر منتحبة وكالحة في المخيال العربي. فوز كاسح لإسرائيل على العرب، بقيادة الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، صيرت العرب ضعافًا مهلهلين أمام دولة وهمية صغيرة جغرافيًا وديموغرافيًا. العروي في مذكراته، لم تفته الفرصة لتحليل أسباب الخسارة العربية. أعادها إلى ضعف سياسية عبد الناصر وتخلي الشيوعية عنه وعن العرب عمومًا، والدعم الكبير الأمريكي لإسرائيل. وهو ما أدى إلى الإطاحة بمشروع القومية العربية. لتنهض على أنقاضها الإمبريالية الأمريكية والفكر الصيني.

العروي يسرد في مذكراته، وفي قالب يومياتي، عن مجريات ما يجري معه في أزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة، تارة ها هو في الدار البيضاء، وطورًا في لوس أنجلوس يدرس التاريخ للطلبة هناك. على الرغم من البعد عن البلاد العربية، إلا أنه وحسب يومياته، كان شرها في متابعة أخبار الشرق، عبر الجرائد العالمية، أو عبر بعض النقاشات العرضية مع زملاء له في عمله بأمريكا. كان كثير التعلق بالمغرب والشرق. كان يثير اهتمامه اكتساح أمريكا للبلاد العربية للفوز بالبترول، على حساب خروجها من حرب الفيتنام. متابعات العروي لم تتوقف عند هذا الحد، بل كان يعتقد أن العالم العربي سيتحول إلى ساحة لنمو استعمار جديد، بعد أن كان ساحة للثورة والانعتاق من الاستعمار القديم.

لم تفت الفرصة الكاتب في التعبير وهو يدرس بأمريكا، عن إعجابه بها. وخوفه منها في حالة انغماسه فيها، وتأثره بالمتغيرات اللغوية والفكرية، لم يكن يرغب في نسيان الماضي الذي تربى عليه. كان هناك عتاب في سطور العروي لنفسه إن هو استقر بأمريكا إلى الأبد.

ملاحظاته لتصرف الغرب وهو في الغرب كانت دقيقة، واستدل على ذلك عديد المرات في تحليلاته. وقارنها كذلك مع بعض ما يحدث في الشرق من تسيب أحيانًا. أثار انتباه العروي وهو بأمريكا موضوع المرأة. كيف أن هذه الأخيرة متحررة من القيود المكبلة للمشرقية والمعترضة لطريقها في بناء شخصها ورسم طريق استقلاليتها. كان يعتقد أن نجاح المرأة الأمريكية أكبر مستفيد منه هو أمريكا الدولة.

«خواطر الصباح»، كانت شاهدًا على الصعاب التي عرفتها مؤلفات من قبيل «تاريخ المغرب» و«الإيديولوجيا العربية المعاصرة».

الأخير لم يتعامل معه المثقفون العرب بشكل جدي، ومنع من النشر في عدة بلدان منها المغرب. كان يحمل من وجهة معارضيه أفكارًا تؤذي المثقفين بالدرجة الأولى والطبقة المتوسطة. كان قلمه سليطًا على السلطة ومن جاورها، وعلى المثقفين والمفكرين. كان يتقن تحديدًا مكامن الخلل، ومكان الداء. المفارقة العجيبة أن مؤلفات العروي لقيت ترحابًا كبيرًا من الغربيين، حتى إنها ترجمت للغات أخرى.

يستحضر الكاتب في كتابه كيف كان يفكر ويتأمل ويتفكر في الحال العربي وهو يتجول في عديد الأماكن في العالم. في السينما بنيويورك يفكر، في المكتبة بالبيضاء يفكر، في الجامعة بلوس انجلوس يفكر. لم يكن يعكر صفو تفكيره سوى أسرته. كان كثير الاشتغال بها ومهتمًا لسعادتها ولصالحها. أحاديثه مع زوجته وعن ابنه كانت تؤكد ذلك. مع عودته للمغرب، صب جل تفكيره للكلام عن ما يتخبط فيه المغرب، مستعرضًا تاريخ الحركة الوطنية.

أكثر من الحديث عن زعماء سياسيين كبار في تاريخ المغرب، ما يوضح ضمنيًا تأثره الواضح بهم، كعلال الفاسي ومحمد الشرقاوي وعبد الرحيم بوعبيد. إذ في نظره وصف الحال آنذاك ينطلق من هؤلاء. إلا أنه لم يكن يتناسى في كتاباته الحركة الوطنية قبل الاستعمار وبعده انتقدها بشدة، وكان رافضًا لبعض توجهاتها التي لم تخدم المغرب بتاتًا، بقدر ما خدمت أقلية معينة فقط.

صاحب نظرة واقعية للعالم. يتبدى ذلك جليًا في خواطره وفي متابعاته لما يجري عربيًا، كان شديد اللهجة مع من حوله ومع الواقع المضطرم الذي كان يسائل أكثر من مرة. حتى في تتبعه للانتخابات الأمريكية بين مكارثي وكينيدي كان واقعيًا، ومحايدًا، ولم يكن يضع نفسه بين الأمور، بل بينه وبينها مسافة أمان. هذه طريقة العروي التي صيرته متمردًا كالشعلة المتقدة وهو في سن صغير، وهي سبب خلافاته الشخصية مع مثقفين مغاربة وعرب.

العروي عرف بدواخله، وانصهر مع مكنوناته التي ربما لم يصرح بها قبل. بحياته في المغرب وفي الخارج، بعلاقته بزوجته وابنه، بصيرورة الحياة العربية والغربية، حدد المفارقات وقارب المعطيات وفصل في تفاصيل وخبايا سبر أغوارها من موقعه كمثقف ومن وجهة نظر ثقافية بعد ضياع غيض من فيض. وكما يقول المثل: الثقافة هي ما نتذكره بعد نسيان كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد