أحد أشكال انتهاء الصراعات هو التفاوض، وغالبًا ما يتم اللجوء إلى التفاوض، إما في بداية ظهور بوادر الصراع، وحتى يتم تجنيب طرفي الصراع تكلفة الدخول في مواجهات قد تكلف الطرفين، أو أن يتم اللجوء إلى التفاوض بعد أن يكون كلا الطرفين قد خاض وقتًا في الصراع، وكل طرف متمسك بمواقفه، ويطول الزمن، ولم ينه كل طرف أهدافه كاملة في القضاء على الطرف الآخر أو إلحاق الهزيمة به.

حتى لو كانت هزيمة معنوية، هنا يلجاء الطرفان إلى حل آخر غير المواجهة ويتم تعديل الصراع من صراع صفري بين الطرفين إلى صراع دبلوماسي تفاوضي يحاول فيه كل طرف إنهاء الأزمة مع الطرف الأخر بأقل الخسائر وأكبر المكاسب، وهنا تكون براعة التفاوض التي يمتلكها كل طرف هي العامل الحاسم في خروجه بالمكاسب المرجوة.

وأحد أدوات نجاح التفاوض هو أن يمتلك كل طرف أوراق ضغط على الطرف الآخر، هذه أوراق الضغط تكون كفيلة مع حسن الاستخدام لها على إجبار الطرف الآخر على التراجع عن بعض أو كل مواقفه لصالح الطرف الآخر، والطرف الذي يدخل تفاوض بدون امتلاك أدوات ضغط كمن يذهب إلى المتجر بدون أموال للشراء، فكيف له أن يحصل على ما يريد.

هنا لابد الإشارة إلى نقطة هامة وهى توصيف أوراق الضغط، فكلما كانت مشروعة وغير مجرمة دوليًا ولا قانونيًا ويقبلها الرأى العام كلما كانت أكثر قبولًا محليًا ودوليًا وهذه نقطة هامة. والمفاوض البارع هو الذي يصنع لنفسه أوراق الضغط وفقًا لواقعه وإمكاناته وظروفه؛ فيسبب بذلك إرباكًا للطرف الآخر، فيستطيع أن يفرض شروطه، ويحقق العديد من المكاسب، وهناك نماذج عديدة على صناعة أوراق الضغط، ولنأخذ على سبيل المثال قطاع غزة مؤخرًا، فقطاع غزة يعاني من حصار خانق شديد برًا وبحرًا وجوًا، وأهل القطاع يعيشون في مأساة حقيقية بكل ما تحمل الكلمة من معاني.

وفى الفترة الأخيرة لم يكن أمام أهل القطاع وحماس إلا البحث عن وسيلة لكسر الحصار، المواجهة العسكرية تكلفتها صعبة على القطاع ونتائجها تزيد معاناة أهل القطاع وخاصة في الظروف الإقليمية الحالية… فما السبيل، هنا تأتى براعة صناعة أوراق الضغط حيث تم ابتكار ما يسمى بمسيرات العودة وتعتمد على حشد كبير من أهل القطاع في مسيرات ضخمة أمام السياج الحدودي بين القطاع والكيان المحتل، وهذا يشكل قلقًا شديدًا لدى حكومة الكيان المحتل، فتم الذهاب إلى التفاوض عن طريق مصر لفتح المعبر وتخفيف الحصار مقابل إلغاء مسيرات العودة أو تخفيف الأعداد وعدم اقتحام الحدود، وهنا تكون ورقة الضغط من خلال مسيرات العودة قد أصبحت وسيلة ضغط فاعلة، وهذا نموذج لصناعة أوراق الضغط.

وبذلك يتضح أن التفاوض من خلال أوراق الضغط هو موقف ديناميكي مرن بين الأطراف للوصول لما فيه مصلحة مشتركة، والتكنيك الواحد ليس بالضرورة يصلح لكل حالة تفاوض.

لذلك على كل من يحاول حلحلة أزمة أن يبحث عن صناعة أوراق ضغط مناسبة يستطيع من خلالها تحريك ملف الأزمة، وعليه أن يضع لنفسه ثوابت ومتغيرات، وأن يحدد ما يمكن التنازل عنه لتحقيق فائدة أكبر، والإبداع يكون في القدرة على صناعة أوراق الضغط قبل وصول الأزمة إلى درجة يصعب تحريكها ويتحكم الطرف الآخر في كل أدواتها فيصل بذلك الطرف الضعيف إلى مرحلة الاستسلام، وهنا تكون النهاية.

والمفاوض البارع وصاحب القضية هو الذى لا يصل الى هذه المرحلة، فالوقت عنصر هام جدًا، وكذلك مراعاة الظروف المحيطة أيضًا هام جدًا، واللجوء إلى وسطاء مؤثرين يكون أحيانًا خيارًا مطروحًا إذا كان التفاهم المباشر صعبًا بين أطراف الأزمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد