أي تكتل أو تنظيم كيفما كان نوعه، سواء كان حزبًا سياسيًّا أو جمعية أو منظمة، إلا ويكون له تنظيم هيكلي فيما يخص توزيع الأدوار والاختصاصات وله كذلك رؤية إستراتيجية يسعى إلى تطبيقها وتحقيقها أو يسعى إلى حل مشكلة معينة، وذلك وفق طرق وآليات تعكس هوية التنظيم وتتماشى معه، ولفعل ذلك يحتاج هذا الأخير إلى جانب الموارد المالية موارد بشرية والتي تلعب الدور الأهم، فإذا ما أخذنا الأحزاب السياسية عينةً للدراسة دون أن نغفل أن الجمعيات هي الأخرى أصبحت أحزابًا سياسية مصغرة، سنجدها تعاني من الهشاشة على مستوى التنظيم، والتي أدت فيما بعد إلى تفريخ عدد هائل من الأحزاب السياسية التي فاق عدد ها الثلاثين بالمغرب، ربما قد يعتقد البعض أن كثرة الأحزاب تعكس مدى الديمقراطية التي نعاصرها، ولكن مع ذلك تبقى ديمقراطية العمل أولى من ديمقراطية الإنشاء، «واش بغين تخاصموني مع سيدنا» كما قال السيد عبد الإله بنكران.

يعد الحزب السياسي من أقوى التنظيمات في كل دولة، وهذا ما يجعله يضم عددًا كبيرًا من المنخرطين فيه، والمتعاطفين معه، والطامعين في كرمه، والمُحتامين في ظله، والمناضلين من داخله –وما أقلهم – والجواسيس المندسين فيه، وفي ظل هذا التنوع والزخم الذي يعرفه الحزب يجعله أرضية خصبة للنزاعات والتجاذبات الناتجة من تجاهل الرؤية التي يسير عليها الحزب وتنوع الأهداف الشخصية، وكذلك عن الاختلافات الفكرية التي تكون غايتها إغناء وتطوير آليات الاشتغال التي تتلاءم وتتماشى ومتطلبات الزمن المعاصر.

هنا قد يتبادر سؤال في ذهن القارئ ألا وهو هل يمكن أن يكون المثقف سياسيًّا؟ أو على نحو آخر هل يمكن أن يكون السياسي مثقفًا؟ مع أن كلمة المثقف ذاتها أصبحت في الآونة الأخيرة ترتدي مجموعة المعاني والتي أحيانًا قد تُحَمَّل ما لا تطيقه، ولكن دعونا نوسم جزافًا كلمة المثقف بمعنى المصلح الذي يعمل على التوجيه، ورصد مكامن الضعف أو الخلل، ومحاولة إصلاحه أو بالأحرى تقديم بدائل من أجل تحسين الوضع الذي سيؤدي بالضرورة إلى خدمة أهداف الحزب ذاته.

ولكن ماذا لو كان هذا المثقف يحمل رؤى تختلف عما يراه من هم على رأس التنظيم؟ أو على الأقل من لهم المصلحة في بقاء الحالة كما هي لأنها تتماشى مع توجهاتهم وتطلعاتهم؟ في هذه الحالة هل يفرط الحزب في هذه المجموعة المختلفة معه في الرأي ويعتبرها معادية له ومن ثم يحاول تهميشها وإقصائها؟ أم يعمل على تخصيص وقت والجلوس على طاولة النقاش؟ مع أن كل حزب لا يوجد فيه اختلاف والكل فيه متفق فهو لا يمكن أن يكون سوى حزب ديكتاتوري أو حزب جماعة الحمقى.

الأحزاب السياسية في المشهد السياسي المغربي اليوم كلها تنادي بضرورة الإصلاح والتغيير، ولكن للأسف أن هذه الأحزاب هي من عليها أن تتغير وتصلح نفسها أولًا، لأن التغيير يبدأ من الداخل وليس من الخارج، فلا يمكن أن تطالب الناس بالاستقامة والتحلي بروح المسؤولية في حين أنك تجافي ذلك وتعمل عكس ما تقول وعكس ما تتفوه به.

على الأحزاب السياسية اليوم أن تقف وقفة تأملية وتسأل نفسها: إلى أين نسير؟ هل نحن على الطريق الصحيح؟ هل يا ترى هذا هو التغيير الذي نرجوه؟ الدعوة إلى التغيير لا بد أن تبدأ من الداخل، وهنا يمكن استحضار خير مثال على أن التغيير يجب أن يبدأ من الداخل، أنه عند بداية الدعوة الإسلامية بدأ الرسول- صلى الله عليه وسلم- ينذر عشيرته الأقربين، لقوله تعال «وأنذر عشيرتك الأقربين» ثم بعدها تنتقل الدعوة من السر إلى العلن لقريش ككل حيث ينتمي، إلى القبائل العربية، وصولًا إلى دعوة الملوك.

فتعيير الفرد لنفسه بما هو فرد يؤدي إلى خلق أفراد متغيرين، ومجموعة الأفراد تشكل جماعة والجماعة تشكل مجتمعًا، ومن ثم يمكننا خلق مجتمع متغير، لقوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فتغيير الفرد لذاته حتمًا سيؤدي إلى تغيير الجماعة.

ولكن إذا كنا نحن اليوم لا نؤمن بالتغيير الذي ننادي به ولسنا مستعدين لتغيير أنفسنا قبل كل شيء وغير قادرين أو راضين بالأحرى عن الإقرار بالخطأ، فلا يمكن أن نتقدم نحو الأمام بقدر ما نتقدم في الزمن الذي لا يبكي على جرحه ولا يسمي ضحاياه.

إن محاولة التقزيم الفكري التي تحاول الأحزاب ممارستها على مفكريها، والسعي إلى جعلهم مجرد توابع أو مطبلين لا رأي لهم، ومحاولة إقصائهم والتعتيم عليهم، لا يمكنها أن تؤدي إلا إلى خراب الحزب لذاته، لأن الحزب الذي لا يسعى إلى تقديم هذه النخبة التي يمكن أن يعول عليها في إحداث التغيير والدفع بعجلة التقدم نحو الأمام لا يستحق أن يسمى حزبًا سياسيًّا.

أما آن للأحزاب السياسية المغربية أن تستفيق من سكرها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد