إن جميع دول العالم تحكم وتدار بواسطة أحزاب سياسية واحدة أو ائتلاف أكثر من حزب. وهذا يبدو أنه الأسلوب الوحيد في الإدارة الحديثة وتحت أحكام الديمقراطية. والأسلوب الآخر هو حزب العائلة أو القبيلة. فكل عملية إدارة وتخطيط تحتاج إلى مجموعة أشخاص، فإنها تحتاج إلى حزب من البشر يعمل باتجاه واحد لضمان نجاح عملية الإدارة وعدم التخبط وضياع الاتجاه والبوصلة.

 

كلمة الحزب بمعناها السياسي هي التفاف مجموعة من المواطنين حول مجموعة مبادئ يتفقون أو يوافقون عليها، يحكم حركتهم خط عريض عام يسمى مبادئ الحزب، ويجري العمل للوصول إلى أهدافها تحت شعارات معينة ومحددة. ويدار الحزب نفسه بدستور متفق عليه يسمى النظام الداخلي.

 

لا يخفى علينا أن بعض الأحزاب تنحرف أو تحرف عن اتجاهها الأصلي بسبب خارجي أو داخلي، ويندر أن يبقى حزب سياسي ثابتًا على سكته الأصلية وهذا فيه من  الطبيعي الشيء الكثير. لكن أكثر هذه الانحرافات تؤدي إلى كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية؛ ظلم، تهميش، التخلص من المعارضين.

 

وأخطرها هو تغيير النسيج الاجتماعي. وقد مر على عراقنا ومثلها منطقتنا وربما العالم، الكثير من الأحزاب ومختلف أساليب الإدارة والقيادة، ومنها ما مرت به دولتنا ومؤسساتنا. وهذا أدى إلى تكوين فكرة اجتماعية قد تصل أو وصلت بالفعل، إلى احتقار كلمة الحزب وكل من يتحزب.

 

ومن يستطيع أن يلوم شعوبنا على ذلك بعد كل ما حصل. ولنحصر موضوعنا في العراق لأنه ضمن معرفتي ومعلوماتي أولا، ولأنه قد يختصر كل ما حصل في المنطقة والعالم ثانيا. فقد مر على العراق متغيرات كثيرة وسريعة هزت البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بقوة تكاد تعادل عشرات القنابل النووية التي هزت اليابان، وأنهت الحرب العالمية الثانية.

حزب البعث الذي حكم العراق لأكثر من 40 عامًا، يتحمل الكثير من أسباب الكوارث التي حلت علينا، ومن يختلف على ذلك فهو من كان يحكم ويدير البلد فهو المسؤول. وهنا أنا لست بصدد بحث حسنات أو سيئات الإدارة ولكني أبحث في نقطة واحدة فقط، وهي كيف تمكن هذا الحزب من الصمود كل هذه الفترة الطويلة في بلد اشتهر بكثرة ثوراته وصعوبة إدارته؟

يعتقد الكثيرون أن السبب الوحيد هو استخدام البعثيين الحديد والنار، والقسوة الشديدة مع من يخالفهم الرأي أو التوجه.

 

وهذا برأيي صحيح ولكن ليس هو العامل الأقوى عداك عن أنه ليس الأوحد. تكوَّن رأيي هذا بعد دراسة ومراقبة لمحاولة فهم فشـل الأحزاب الكثيرة والتي بعضها أقدم من حزب البعث نفسه، كلها فشلت في إدارة الدولة العراقية وفشلت في توفير أبسط احتياجات المواطن ولم يستطيعوا أن يمسكوا بأمن البلد رغم أن هذه الأحزاب استخدمت الحديد والنار أكثر بكثير من البعث المقبور. فعدد القتلى أعلى بكثير في 12 عامًا من أربعين عامًا من تاريخ حكم البعث.

 

الخطف والقتل وأساليب التعذيب التي لم يستخدمها لا البعث ولا النازية من قبل. ولسنا بصدد مناقشتها هنا ولكن أعداد القتلى الرسمية والموثقة وكذلك الوضع الأمني على الأرض يتحدث عن نفسه بوضوح لا يمكن إخفاؤه أو التحايل علينا أو إنكاره.

 

بمقارنة بسيطة بين كل هذه الأحزاب على الساحة العراقية مع حزب البعث المقبور، نجد أن جميع هذه الأحزاب وهي بالمئات، كلها تشترك بصفة واحدة تفرقها عن حزب البعث. لابد أن يكون فيها سر الفشل والنجاح بالإمساك بالسلطة. فكيف لكل هذه الأحزاب أن تفشل في تحقيق شيء يذكر لصالح الوطن والمواطن. إنها الفئوية واقتصار أحزاب الساحة العراقية الحالية على كثرتها وتنوعها، كلها أحزاب مشكلة من فئة واحدة من المجتمع أو من مكونات الشعب العراقي. فهي إما محصورة بجزء من طائفة، أو جزء من دين، أو جزء من قومية.

 

قد يكون من بينها استثناءات بسيطة مثل الحزب الشيوعي العراقي بكل شقوقه وتشققاته. وقد يكون هذا سر إصرار تلك الأحزاب على اجتثاث البعث وتهميش الشيوعيين. وحتى استخدام المفردة (اجتثاث) يوحي بالقدر العالي من الخوف والريبة لدى هذه الأحزاب من وجود حزب يتفوق عليها بهذا الشكل التكويني. نعم يبدو أنهم كانوا يدركون ذلك.

 

من يستطيع أن ينكر أن حزب البعث قد تشكل من كل مكونات الشعب العراقي شيبًا وشبابًا، رجالا ونساء، عربًا وأكرادًا، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين وصابئة وحتى أيزيديين؟ وكان مثله الحزب الشيوعي العراقي، وهذا ما جعله المنافس الرئيسي للبعث بينما لم يكن لباقي الأحزاب الفئوية ومنها من جاء بعد الاحتلال أي تأثير في الساحة السياسية العراقية.

 

ما دفعني لهذا البحث هو حاجة الساحة العراقية حاليا لحزب سـياسي يجتمع فيه من كل مكونات الشعب العراقي، أشخاصٌ يتفقون على خط عريض لكيفية إدارة العراق ويكون بديلا للعملية السياسية العرجاء والتي لا يمكن ترميمها أو إصلاحها، كونها بنيت على خطأ فادح وهو المحاصصة الفئوية، ونتائجها الفاشلة لا يمكن إنكارها. خرجت الجماهير تطلب الإصلاح وبدأت تتحول إلى إسقاط العملية السياسية وهي في ذلك محقة. ولكن أين البديل؟ أما حان الوقت لنرى حزبًا سياسيا ينبثق من وسط الجماهير وحاجاتها ليكون بديلا جاهزًا قبل الدعوة لتغيير الحكومة والعملية السياسية الكسيحة. فلا يعقل أن تقوم الأحزاب الحالية بالانقلاب على نفسها ومحاسبة نفسها، لا بل بعضهم يريدهم أن يعاقبوا أنفسهم وبعقوبات تصل لإعدام أنفسهم!

 

يعول البعض على شخص أو أشخاص من داخل العملية السياسية بالانقلاب على أحزابهم كنوع من صحوة الضمير أو حصول المعجزات. كيف لشخص من داخلها أن ينقلب عليها؟ ولو افترضنا أن لديه الرغبة بعد صحوة ضمير في لحظة نادرة، أليس الأجدر بنا أن نهيئ الطريق والأشخاص لمثل هذا الانقلاب والتغيير؟ لا يمكن تصور أن المتظاهرين سيقومون بإدارة الدولة من ساحات التظاهر والاعتصام! ولا يعقل أننا نعول على انقلاب عسكري بعد أن ولى زمن الانقلابات إلى غير رجعة، ناهيك عن عدم وجود جيش وطني يمكن أن يقوم بذلك.

 

الحل ربما بالدعوة إلى انتخابات مبكرة سواء بعد تشكيل حكومة طوارئ مؤقتة أو بدونها. من سيكون المرشحون؟ إن لم يكن هنالك بديل جاهز. تخيلوا أن الانتخابات أجريت وكان المرشحون نفس الأحزاب والوجوه الحالية، وأنها فازت بانتخابات حرة ونزيهة لعدم وجود من ينافسهم. سـيكون علينا قبول النتائج والصمت إلى الأبد لا سمح الله.

 

أكرر دعوتي للمطالبين بالتغيير بالإسـراع بتشكيل حزبهم الوطني السـياسـي أو أكثر من حزب، ولكن بشـرط أسـاسي هو أن يكون أعضاء الحزب من كل مكونات الشعب العراقي بدون استثناء، لا لأكثرية ولا أقلية واحذروا الفئوية.

 

هذه أمنيتي واعتقادي بأنه الحل الوحيد ويجب أن يحصل الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد