لا يمكن أن يوجد الكائن البشري «وجودًا ماديًا» خارج سياق بيئي أو نسق مجتمعي ما، وهو حين يَعي وجوده الخاص يدرك أنه يمتلك الشعور بإرادة ما، تلك الإرادة تجعل منه كائنا حرًا وفاعل، ثم يدخل «مدفوعًا بإرادته الحرة» في علاقة يحاول أن تتسم بالمسؤولية مع ما حوله جاعلًا من نفسه كائنًا سياسيًا.

الإنسان إذًا هو كائن فاعل، والسياسة هي المجال الأبرز لهذا الفعل والذي يحقق فيه وجوده ويختبر فيه حريته، فالسياسة هي مسكن الوجود الإنساني، وكل نظرة سياسية للوجود تُبنى في النهاية على نظرة في الطبيعة البشرية والنفس الإنسانية.

من هذا المنطلق دأب الكثير من المفكرين والفلاسفة خلال قرون في محاولات للإجابة على السؤال الأهم للوجود الإنساني «ماذا يجب أن أفعل؟»، حالًا سأعطيك الإجابة على هذا السؤال بكل بساطة وأريحية وأخبرك أنه فقط كل ما عليك فعله هو «أن تتحصّل على تَعليمٍ أفضل» نعم، هي بتلك البساطة فقط تعلّم لأن ما لا تدرك طبيعته وكنهه لا يمكنك تَدَبّره تَدبّرًا ذكيًا، لكن كيف للتعليم أن يغير من واقع الوجود البشري ويحسن شروطه، هذا ما سأحاول «مُبسطًا» الإجابة عليه من خلال قراءة في كتابات دايفيد باتريك هوتون الأكاديمي البريطاني والأستاذ بجامعة وسط فلوريدا في الولايات المتّحدة وصاحب الكتاب المهم «علم النفس السياسي» وتقديم تصور مفهوم لمحركات ودوافع السلوك الإنساني.

يرى دايفيد أن هناك وجهات نظر متنوعة عن ماهية الأسباب التي تقف وراء سلوك الأفراد السياسي، حيث يحدث السلوك غالبا مدفوعًا بأسباب إما داخلية «نزعات» مثل البنية المعرفية للفرد ومجموع أفكاره واعتقاداته وقيمه ونوع شخصيته وغير ذلك، أو أسباب خارجية «مواقف» وإما مزيج من هذين الإثنين، وضمن دائرة الأسباب الموقفية هناك أشكال من الأسباب الخارجية يمكن أن تأثر في السلوك تُراوح بين المركز الذي تحتله الدولة في المجتمع الدولي أي «أسباب بعيدة غير مباشرة» والأدوار الاجتماعية المحددة التي نقوم بها في حياتنا اليومية أي «أسباب قريبة مباشرة»، وفي حين يأخذ العديد من علماء النفس الاجتماعي الجانب الموقفي فإن معظمنا بالمقابل نزوعيون بالفطرة نميل إلى ظن أن ما نحمله من اعتقادات بشأن العالم وما نحن عليه من شخصية يؤثر تأثيرًا جذريًا في سلوكنا.

يجب القول هنا أنه من الصعب عمليًا تحديد إذا ما كان سلوك شخص ما يعود إلى الموقف الخارجي الذي يواجهه أو إلى نزعاته الداخلية، حيث أن اعتقاداتنا المعرفية والأطر الذهنية التي نفهم بها العالم ما هي إلا نتاج خبرة «موقف سابق» وكثير من نزعاتنا إن لم يكن جميعها إنما تنتج من مواقف عشناها أو مررنا بها في الماضي، لذلك يرى البعض أن كل شيء تقريبًا يتحدد موقفيًا في نهاية المطاف، ولكن كدفاع عن النزوعية نقول إن هذا الكلام يستبعد احتمال أن نكون مُعدّين جينيًا لنسلك طريقًا معينًا أو أننا قد وُلدنا حاملين داخلنا صفات معينة بفعل التطور والانتقاء الطبيعي ضمنت وجود نزعات عند الولادة حتى لا نكون فريسة للقوى الموقفية تدفعنا في طريقها حيث تشاء، فربما يكون من الغباء استبعاد الطبيعة الإنسانية بالمطلق والتعامل مع الأفراد كأنهم يولدون «صفحات بيضاء فارغة»، أيضا يجدر بنا القول إن الأفراد المختلفين يستجيبون للموقف الخارجي الواحد بصور مختلفة لكن المؤيد للموقفية قد يجيب على هذا أن هؤلاء الأشخاص المختلفين قد تعرضوا لمواقف مختلفة في الماضي وكوّنوا نزعات مختلفة تفسّر اختلاف استجابتهم، وهكذا يمكننا الرجوع إلى الوراء في صورة من «الرجوع غير المتناهي» عبر التاريخ لتتبع أسباب الأسباب وإلى ما لا نهاية.

لن أطيل الكلام هنا فقط أفتح المجال للشرح في وقت لاحق، وأنهي بأن أقدم نصيحة دايفيد الغالية أنه يجب على كل دارس، باحث أو مُعلّم للسياسة أن يتسم بدرجة من التواضع على الدوام لأنه ليس هناك جواب قاطع للعديد من القضايا في هذا المجال وكل من يدّعي أنه اكتشف «قوانين» السلوك السياسي يجب ألاّ يؤخذ على محمل الجد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

علم النفس السياسي, تأليف ديفيد باتريك هوتون, ترجمة ياسين حداد وإصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
عرض التعليقات
تحميل المزيد