تشهد المنطقة حراكًا سياسيًّا كثيفًا في هذه الأيام، تجاه قطاع غزة وما يعني ذلك دراماتيكية التعاطي مع حركة حماس التي تحكم القطاع, سعيًا نحو ضرورة إشراكها في العملية السياسية بغية إيجاد مشروع سياسي شامل لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وذلك بعد فشل إسرائيل في إحداث تقدم في القضاء على الحركة أو إضعافها.

وقد أكدت مصادر فلسطينية ودبلوماسية غربية على أن محادثات غير مباشرة تجري بين الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس في مسعى للوصول إلى اتفاق تهدئة طويل المدى في غزة، مع خطوات إسرائيلية في رفع الحصار المفروض على غزة منذ عدة سنوات.

ويدور الحديث عن وساطة طرف ثالث في هذه المحادثات المتوقع أن تتضح نتائجها بعد الإعلان عن الحكومة الإسرائيلية الجديدة في المدى القريب.

ثمة حذر مشترك لهذا النوع من الحراك تخشاه كل من منظمة التحرير الفلسطينية ومصر بعد أن أسقطتا من حسابهما إمكانية حصول تغيير سياسي في المنطقة في المدى المنظور. فمصر التي تشدد الحصار على قطاع غزة عبر إغلاق معبر رفح البري وهدم الأنفاق كانت تسعى للتضييق على حركة حماس بغية تقديم تنازلات أو طمعًا في رضا تل أبيب وواشنطن, وكذلك السلطة في رام الله لم تضع في اعتبارهما تغييرات مفاجئة في المملكة العربية السعودية.

لذا فإن التوجه والانفتاح السعودي يسبب إزعاجًا لكل من عبد الفتاح السيسي ومحمود عباس, اللذان لا يسقطان من اعتباراتهما النفوذ السعودي في المنطقة, هذا النفوذ يتبلور اليوم وفق محللين لمحاولة إحداث تقدم في العملية السياسية وعملية السلام في الشرق الأوسط على اعتبار أن القضية الأولى للعالم العربي والإسلامي هي القضية الفلسطينية. هذا التخوف عبر عنه أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح أمين مقبول: “إن حماس تحاول إدخال السعودية على الخط الفلسطيني لتحييد الدور المصري، ولتتهرب من تنفيذ الاتفاقيات الموقعة لتحقيق الوحدة مثل برتوكول الشاطئ واتفاقية القاهرة”، متهمًا حماس بأنها تسعى للهروب إلى الأمام بحوار جديد واتفاقيات جديدة.

وقد رحبت حماس بالحراك الذي تم الإعلان عنه فيما يسمى اتفاق مكة 2, حيث تتطلع إلى هذا الدور المركزي للمملكة العربية السعودية, ولا شك أن هذا الحراك المتمثل بهذا الدور السعودي الجديد من جهة والزيارات المكوكية لبعض سفراء الدول الأوروبية إلى قطاع غزة للقاء قادة حركة حماس في قطاع غزة من جهة أخرى يزعج عباس الذي يخشى أن يتم بلورة مشروع سياسي يستثني منظمة التحرير، وكذلك مصر التي تخشى أن تفلت الورقة الفلسطينية من يده على اعتبار أن القاهرة هي الراعي الأول للقضية الفلسطينية سواء على مستوى الحل السياسي بين المنظمة وإسرائيل أو على صعيد ملف المصالحة وغيرها من الملفات التي هي حصر لمصر.

ومما يدل على أن هناك حراكًا سياسيًّا تجاه قطاع غزة هو إعلان حركة حماس أن لديها ألف وسيلة لفك ورفع الحصار عن غزة، وأن من بينها خيارات صعبة قد تقدم الحركة عليها من أجل رفع الحصار, ربما تكون هذه الخطوة من باب الضغط على سلطة رام الله لإجبارها على رفع يدها عن حكومة الوفاق، كي تمارس عملها وتقوم بواجبها تجاه قطاع غزة ودمج الموظفين وغيرها من الملفات المتفق عليها في اتفاق القاهرة والشاطئ.

الوضع في قطاع غزة بعد الحرب الأخيرة مقلق بالنسبة لحماس, فهناك آلاف المنازل مدمرة وآلاف المواطنين مشردون، في المقابل لم تنفذ وعود الإعمار التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر القاهرة, أضف إلى ذلك ملف الموظفين العالق وما ينبئ بوجود كارثة إنسانية حقيقية إن لم تقم حكومة الوفاق بواجباتها في قطاع غزة. وقد ولد هذا شعورًا لدى المواطنين في غزة بضرورة إيجاد حل لهذه الأزمات, وربما هذا ما دفع الحركة للقبول بفتح قنوات اتصال دولية لبلورة حل سياسي في المنطقة.

وخصوصًا أن إسرائيل لديها بعض الجنود الأسرى عند حماس والتي تعتبرها الأخيرة أحد أهم أوراق القوة في التعامل مع إسرائيل التي تتعرض لضغوط من الداخل لإنهاء ملف الأسرى الموجودين لدى حركة حماس, وفي هذه الأجواء السياسية الربيعية قد توجد بعض الدردشات بين حركة حماس وإسرائيل على حد وصف القيادي في حماس الدكتور أحمد يوسف، الأمر الذي نفته الحركة جملة وتفصيلًا. أيًّا يكن الأمر فإن وجود خط تفاوضي بين الطرفين سيعطي حماس أكبر قدر من المناورة سواء على الصعيد الداخلي فيما يتعلق بملف المصالحة الفلسطينية وإجبار حكومة التوافق بالقيام بكافة واجباتها تجاه الموطنين في قطاع غزة, أو على الصعيد الإقليمي والذي سيجبر أطرافًا إقليمية للتعامل مع حماس وخصوصًا مصر.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما هو مستقبل الرئيس محمود عباس حال استثنائه من المشاركة في هذا المشروع, وكيف سيكون مستقبل السلطة في رام الله وكيف تبدو الضفة الفلسطينية؟!

إن أي مشروع سياسي لا بد أن يشمل الضفة وغزة هكذا تقول حركة حماس ودومًا تؤكد عليه, إلا أن دخول حماس على خط التفاوض مع إسرائيل عبر وسطاء إقليميين ودوليين بكل تأكيد سيحرج عباس الذي ما زال يفاوض منذ أكثر من عشرين سنة ولم يحقق أي تقدم على صعيد المشروع الوطني الفلسطيني، وهذا يعني أن كافة خيارته وبدائله هي خيارات فاشلة لم تجدِ نفعًا في التعامل مع إسرائيل.

هذا الحراك ومن وجهة نظر محمود عباس يشكل أكبر تهديد لمستقبله السياسي وربما سحب البساط من تحته. الذي اتهم في حوار مع موقع “سبوتنيك” الروسي الاثنين: ”هناك مشروع إسرائيلي نسميه نحن الدولة ذات الحدود المؤقتة وهو مشروع إسرائيلي، ومع الأسف الشديد أن حماس تتحاور فيه مع إسرائيل، وهو يعني انسحاب جزء من الضفة وتبقى باقي الأراضي تحت سيطرة إسرائيل والقدس غير موجودة واللاجئون غير موجودين”.

إلا أن الأستاذ إسماعيل هنية قال إن اتهام البعض لحركته بأنها تفاوض الاحتلال من أجل إقامة كيان في غزة، مؤكدًا أن لديهم الشجاعة لإعلان أي مواقف بهذا الشأن. وفق رؤية حماس التي تؤكد عليها دومًا فإن أي مفاوضات تجري مع الاحتلال لا بد أن تكون مصحوبة بالبندقية، الأمر نفسه أكده القيادي إسماعيل هنية بقوله: “إن قضية التفاوض مع إسرائيل غير موجودة على طاولتها في هذه المرحلة”.

وقال أيضًا: “نحن نجد كتّابًا ومثقفين من ذوي المدرسة التفاوضية يقولون إن حماس تجري مفاوضات وهم يريدون أن نكون مثيلًا لهم وهم يطبقون مثل رمتني بدائها وانسلت، فهم تعودوا على مفاوضات فوق الطاولة وتحتها، وسرًّا وعلنًا”.

وقد ذكرت صحيفة هآرتس أنه جاري صوغ اتفاق وقف إطلاق نار يستمر إلى 5 سنوات، وبالمقابل فإن إسرائيل تخفف إلى حد كبير من حصارها على غزة وتسمح في مرحلة لاحقة ببناء وتشغيل ميناء في غزة, كما يدور حول ممر مائي بين غزة وميناء لارنكا القبرصي يتواجد على طرفيه مراقبون أوروبيون بضمان عدم تهريب السلاح.

ويرى المحلل السياسي أكرم عطا الله أن هناك في رام الله شعورًا مزدوجًا تجاه المفاوضات الجارية، فمن جهة تعتبرها «المقاطعة» الوسيلة الوحيدة «لعقلنة» حركة حماس، واستدراجها نحو برنامج قريب من برنامج حركة فتح، حيث المفاوضات هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق إنجازات حياتية وسياسية وسيادية وليس الكفاح المسلح، وهي من جهة أخرى غاضبة؛ لأن حماس تأخذ مكانها ومكانتها في المفاوضات التي لن تكون نتيجتها في صالح «المقاطعة»، بل ستنتهي بتمكين حركة حماس في غزة «للأبد»، وهذا ينتهي بفصل غزة ككيان مستقل، وليس الاسم مهمًا هنا، دولة غزة أو غيرها.

لكن حركة حماس ترى أن استمرار تفرد عباس بالقرار السياسي الفلسطيني يعتبر عائقًا أمام تقدم المشروع الوطني, لذلك فإن حركة فتح تشن هجمة شرسة بشيطنة حماس وكيل الاتهامات بوجود مفاوضات سرية وعلنية بين إسرائيل وحماس.

مع تسوية غير مباشرة في غزة، فإن حكومة نتنياهو الجديدة لن تكون مطالبة بتنازلات مبدئية لـ «حماس»، كالاعتراف العملي بها، (لا تريده المنظمة على الإطلاق) أو بانسحاب من أجزاء من الوطن، وأكثر من هذا: فمن خلال التسوية مع «حماس» سيحاصر نتنياهو رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن) من اليمين، وسيتمكن من صد بعض الادعاءات في الساحة الدولية في أن إسرائيل لا تفعل شيئًا في القناة الفلسطينية.

ويؤكد المحلل السياسي أكرم عطا الله بقوله: “فإذا كان ما يجري هو عملية تطبيع لحركة حماس لصالح البرنامج السياسي للسلطة، فإن النتيجة هي بالقطع ليست في صالح السلطة وبرنامجها”.

لذا يبذل عباس كل جهوده لإعاقة أي تقدم لحماس على المستوى السياسي, ذلك أن منظمة التحرير ومشروعها لم يقدم أي إنجازات تذكر للمشروع الفلسطيني، فلا توقف الاستيطان ولا خرج الأسرى المتفق على خروجهم… إلخ. أضف إلى ذلك التحولات السياسية في المنطقة والتي كان عباس يعول عليها لإضعاف حماس لم تفلح في ثني الحركة أو تراجعها. إلا أن مستقبل هذا الحراك ما يزال غامضًا وهو مرتبط بمدى جدية إسرائيل في إنهاء الصراع وإيجاد حل سياسي. وهذا ما ستثبته الأيام المقبلة أو تنفيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد