يستخدم العديد منّا مصطلح الواقعية السياسية. كأن نقول مثلًا: إن فلان لا يتمتع بالقدر الكافي من الواقعيًة السياسيّة، بمعنى أنه منفصل عن الواقع، أو متفائل بشكل مغاير للواقع. ولئن كان الواقع السياسي للبشرية في معظمه مريرًا، فقد ارتبط مصطلح الواقعية السياسية بالتشاؤم والنظرة السوداوية.

أما في أوساط المتخصصين، فإن مصطلح الواقعية السياسية يعني باختصار الاعتماد على موازين القوى والحقائق في تحليل الأحداث، مع التركيز على التجرّد من القيم والمبادئ باعتبارها غير ذات قيمة.

إنّ المنهج السياسي الواقعي قديم قدم المجتمعات الإنسانية، حيث يعتبر الباحثون في العلاقات الدولية أن مؤلفات كل من الجنرال الصيني سن تزو (فن الحربنيكولو ميكافيلي (الأميروتوماس هوبز (التنين) هي من أهم المؤلفات التي أسست لمفهوم الواقعية السياسية التي نعرفها اليوم. والذي أخذت أهميته تزداد بالتزامن مع ظهور مفاهيم مثل المصلحة القومية raison d’etat، ومفهوم الريل بوليتيك realpolitik، ليرتبط المفهوم بعدها بأهم الشخصيات السياسية الأوروبية، مثل الكاردينال ريشيليو، الديبلوماسي فون مترنيخ والمستشار بسمارك.

ولا بد من أن ندرك أن مفهوم الواقعية السياسيّة لم يبق جامدًا، بل على العكس فقد نال نصيبه من التطور، شأنه شأن كافة المفاهيم البشرية، حيث أخذ العديد من الفلاسفة والمنظرين ورجال الدولة على عاتقهم تطويره والإسهاب بشرحه، ليتركوا لنا مجموعة من المدارس الواقعيّة التي يمكننا من خلالها فهم أو تحليل الأحداث السياسية ولو جزئيًا.

إذا ما أردنا فهم التطورات التي طرأت على نظرية الواقعية السياسية لا بد لنا من أن نبدأ بالنظرية الكلاسيكية التي سبق وذكرت مصادرها والظروف التي جعلت رجال السياسة يتخذونها كمرجع في قراراتهم.

الواقعية السياسية الكلاسيكية

ينظر الواقعيّون إلى العلاقات الدولية بوصفها حالة مستمرة من سعي الدول وراء مراكمة القوة بغرض البحث عن الأمان، لأن البيئة الدوليّة تتسم بالفوضى وانعدام السلطة العليا الرادعة، كما أن سياسات الدول ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنفس البشرية الجشعة والأنانية، والتي تمتلك شهوة للسلطة والقوة، لذلك وبما أنّ الفوضى تفرض عالمًا تساعد الدول فيه نفسها بنفسها، فلا بد لها إذًا من مراكمة القوة واتخاذ كل التدابير والإجراءات اللازمة للحفاظ على نفسها من اعتداءات الآخرين. ولهذا فإن الواقعيين وتحديدًا الكلاسيكيين منهم يرون أن الغاية تبرر الوسيلة، لأن الدول تعيش في حالة مستمرة من الصراع الوجودي الذي يجعلها تكون أو لا تكون.

وفي خضم تطور الديبلوماسية ظهرت مؤلفات، مثل كتاب هانس مورغينثاو (السياسة بين الأمم.) وكتاب إدوارد كار (أزمة العشرين عامًا) والذي وصف فيه الفترة ما بين الحربين العالميتين، وبقي كلاهما يربطان ما بين سلوك الدول والطبيعة البشرية التي تتصف بالشر، وبأن قرارات الحرب والسلام تتخذ بشكل عقلاني صرف، وغالبًا ما تكون نتيجةً لرغبة مجموعة ضيقة من صناع القرار في توسيع دائرة نفوذهم أو سلطتهم.

إذًا فإن نظرية الواقعيًة السياسيّة الكلاسيكية ترتبط بمفهومي الفوضى والأنانية اللذين يحكمان سلوك الدول عند التعاطي فيما بينها، وهو ما يفسر سعي الدول لمراكمة وسائل القوة بشتى الطرق.

الواقعية السياسية البنيوية (الجديدة)

يطلق على هذه النظرية البنوية؛ لأنها أخذت على عاتقها محاولة تفكيك البنيان الدولي كأداة لتحليل سلوك الدول، حيث اعتبر كينيث والتز أن البنيان السياسي يتألف من ثلاثة عناصر أساسية وهي شكل النظام (ويكون النظام الدولي فوضوي)، وخصائص الوحدات الأساسية (يقصد بالوحدات الأساسية الدول التي تتصرف وفقًا لمبدأ المصلحة القومية)، وتوزع القدرات (حيث يختلف توزع القدرات بين الدول باختلاف الجغرافيا والموارد المختلفة والتكنولوجيا… إلخ).

يختلف والتز بنقطة أساسية مع من سبقه من الكلاسيكيين حيث أنً قرارات الحرب والسلام لا تتخذ وفقًا لأهواء صناع القرار وحسب، إنما تتخذ بعد أن يجري كل طرف من الأطراف حساباتهم الدقيقة، ويحسب توازن القوى، وماذا يمكن لهذا الطرف أن يكسب في نهاية الحرب. ويرى أصحاب هذه النظرية أن احتمالية نشوب النزاع تكون أكثر في نظام دولي متعدد الأقطاب وأقل في ظل نظام ثنائي القطبية.

ويقسم أصحاب النظرية البنوية عادة إلى نوعين المهاجمين والمدافعين: حيث إن قسمًا من المنظّرين يرى أن الطبيعة البشرية تسعى لمراكمة القوة بشكل احترازي، خاصة عندما تكون الدولة مهتمة بالإبقاء على حالة التوازن القائم، ولا ترغب في التغيير أما أصحاب النظرية الهجومية وأبرزهم ﺟﻮن ﻣيرﺷﻴﻤﺮ فيرون أن الطبيعة البشرية تحب المنافسة لذلك فإن معظم الدول سوف لن ترغب بالإبقاء على الحالة القائمة وبالتاليد فإنها سوف تسعى للتسلح ومراكمة القدرات بغرض الهجوم متى سنحت لها الفرصة وهو الأمر الدي سيقود بالدول إلى معضلة الأمن أو سباق التسلح حيث يرغب كل طرف أن يمتلك قدرات هجومية أكثر فاعليّة من الآخرين.

التجرّد من الدوافع او افتراض دوافع جديدة

وفي حين أن معظم الواقعيين يميلون إلى التسليم بكل الافتراضات المسبقة لأنها تفسر لهم سلوك الدول في النظام الدولي بطريقة سهلة نسبيًا، يذهب لبعض إلى افتراض دوافع أخرى وأهمهم جلين سنايدر الذي يعرف دوافع أخرى تدفع بالدول، إما باتجاه التعاون، أو باتجاه التنافر والعداء.

حيث إنٌ أهم الدوافع التي عرفها سنايدر هي الهوية، النظام القانوني، والمبادئ ويبقى هذا جدلًا كبيرًا في المدرسة الواقعية حيث إن المبادئ على وجه الخصوص لا تصلح أن تكون عاملًا في رسم السياسات الواقعيٌة. ولكن سنايدر في الحقيقة يفترض أن المبادئ يمكن أن تكون نابعة من المصلحة القومية للدول وهذا ما يجعها واقعية.

هنا يمكننا أن نفكر في أن تماثل الهوية اللغوية كانت أحد أسباب التحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا. كما أن التحرك السريع الذي قامت به الولايات المتحدة في كوسوفو كان يمثل تدخلًا إنسانيًا ولكنه في نفس الوقت يخدم مصالح الولايات المتحدة، لهذا فإن الدوافع الظاهرية ثد تكون متعلقة بالهوية، النظام القانوني، أو المبادئ ولكن بشرط أن تخدم كل تلك الدوافع المحركات الأساسية للسياسة الواقعية وهي المصلحة القومية للدولة.

و مع أن المبادئ تتعارض مع فلسفة الواقعيين كما سبق وذكرت، ينبغي أن نفهم أنّ المبادئ تؤثر بالرأي العام المحلي والدولي وهذا ما يضعنا مجددًا أمام المصلحة الشخصية لصناع القرار، وهو ما يفسر ربط بعض القرارات بالانتخابات، حيث نلاحظ أن صناع السياسات يسارعون في اتخاذ أي قرار من شأنه أن يجعلهم أكثر شعبية قبل الانتخابات مباشرة، ويؤجلون القرارات الحاسمة والتي من شأنها أن تقلل من شعبيتهم لحين انتهاء الاقتراع، يمكننا أن نعتبر هذا كوجه آخر من أوجه الواقعية، في البلدان ذات النظام الديمقراطي. وهو ما يجعل تلك الدول تعتمد على المبادئ في رسم سياساتها، ولكن يبقى رسم سياسات تتوافق مع المبادئ بشكل تام أمرًا مستحيلًا، ويمكن أن نعزو ذلك إلى حالة الفوضى التي تسود النظام الدولي.

كيف ننظر للواقعيٌة؟

كثيرًا ما سمعت جملة (أنا واقعي) من طلاب واساتذة العلاقات الدوليّة، بمعنى أنهم يأخذون الواقعيّة السياسيّة كمنهج بحثي وربما أسلوب حياة وهذا في تقديري الشخصي يحمل شيئًا من الخطأ، لأن مهمة الأكاديمي على وجه الخصوص لا تقتصر على توصيف الواقع وحسب، إنما يجب أن تمتد إلى إيجاد حلول لمشكلات العالم، كما أنً الأكاديمي يحمل رسالة مقدسة، لهذا فهو لا يستطيع التجرد من المبادئ، ولهذا فلا يمكنه أن يكون واقعيًًا بشكل تام.

وعلى النقيض فإن بعض الأكاديميين يعتبرون أنفسهم جزء من تيار ما بعد الحداثة ويتجاهلون الواقع بشكل مفرط عند بنائهم لفرضياتهم المثاليًة، وكأننا نعيش في المدينة الفاضلة، وهذا أيضًا يحمل الكثير من اللاواقعية؛ مما يجعل أعمالهم تتكدّس على رفوف المكتبات.

لهذا أعتقد أن النظرة السليمة تكمن في أن يتحلّى الأكاديمي، وحتى صانع السياسات بالكثير من الواقعية لدى تحليله للأمور، ولكن دونما التجرد من من المبادئ الفاضلة، وهكذا يمكن للنظريّة الواقعية أن تكون أداة فعّالة للتحليل، لكن وفي ذات الوقت دون الاعتماد عليها بشكل كلي لرسم المستقبل؛ لأن الواقع وإن كان واقعيًا، فهو سيئ للغاية، وهذا ما دفع العديد من الأكاديميين لنقد الواقع من زوايا مختلفة (المدارس النقدية على اختلافها)، حيث يشير هؤلاء إلى أنّ الواقع سيئ لدرجة أنه لن يستمر على الشكل الذي هو عليه طويلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد