أحد الدروس التي تعلمناها هو أنه على الرغم من فضائح الفساد، وفشل الاحزاب السياسية في حل مشاكل مختلفة، ما زالت الأحزاب تحافظ على نسب التصويت، وفي بعض الحالات تزيدها.

الكل يعلم أن السياسيين يكذبون، لكن لماذا نواصل التصويت لهم؟ لماذا نثق في المرشحين الذين يغيرون كلامهم وبرامجهم؟ لماذا يتسامح المجتمع معهم رغم معاناته وقهره؟ ما الذي نصوت له عندما نصوت؟

في بداية القرن العشرين، ظهرت (نظرية الجشطلت) بألمانيا، نظرية تحاول تطوير القوانين التي تشرح كيف يمكننا اكتساب تصورات في مثل هذا العالم الفوضوي. إحدى درجاته هي أن «الكل دائمًا أكبر من مجموع الأجزاء». وتتحدث أيضًا باسم «العقل الجماعي». في نظام ديمقراطي مزعوم مثل نظامنا، هل ينبغي الحفاظ على «صوت رجل واحد» إذا استطعنا تحقيق هذا العقل الجماعي؟ (فَكِّر في الحشرات الاجتماعية كالنمل والنحل). إذا كان الفكر الجماعي ممكنًا، فهل سيكون مجتمعنا أكثر استقرارًا؟.

حسب سقراط فمصالح الأفراد لا بد من أن تتفق مع المصلحة العامة، لأن الخير الفردي لا يمكن أن ينفصل عن الخير العام. أما أفلاطون فيرأى أن النظم السياسية تختصر في خمسة أشكال أساسية هي:

1- النظام الأرستقراطي: نظام الحكم الصادق؛ وهو أفضل أنواع الحكم، حكم القلة الفاضلة ويتجة نحو الخير مباشرة.

2- الحكم التيموقراطي: وهو الحكم الذي يسوده طابع الطموح من محبي الشرف الطامحين الى المجد، ووجهتهم السمو والتفوق.

3- الحكم الأوليجاري: حكومة القلة الغنية حيث يكون للثروة مكانة رفيعة.

4- الديموقراطية: حكم الشعب حيث تقدر الحرية تقديرًا عاليًا.

5- حكومة الطغيان: حكومة الفرد الظالم أو الجائر حيث يسود الظلم الكامل بغير خجل أو حياء.

يرى أرسطو أنَّ الأوليغاركية تنتهي دائمًا بحكم الطغيان، مشكلتها الرئيسية ؛ الاستئثار بالسلطة. ويستخدم هذا التعبير في العصر الحديث لوصف الحكومات التي تعتمد على نفوذ أجنبي، أو التي ليس لها رصيد شعبي، تعتمد على دوائر التأثير في السلطة مثل رجال المال والأعمال. هناك ستة أنواع من النظم السياسية إذا تحولت فسدت، وهي:

– الملكية المستنيرة، إذا فسدت تحولت إلى الملكية الاستبدادية.

– الأرستقراطية إذا فسدت تحولت إلى الأوليغارشية.

– والديمقراطية إذا فسدت تحولت إلى الفوضوية (حكم الغوغاء).

بعد 80 سنة من الاستقلال، ما الإضافة النوعية التي قدمتها الأحزاب؟ يُوجد في المغرب 34 حزبًا سياسيًا، خمسة منها مشاركة في الحكومة، والممثلة في البرلمان عددها تسعة، فيما لا يظهر عدد من الأحزاب غير الممثلة في البرلمان في الساحة السياسية بشكل كبير، كما لا يُعرف عدد المنخرطين في هذه التنظيمات الحزبية بشكل عام.

لعقود خلت، كان وما زال من الصعب معاقبة الفساد على الرغم من حقيقتة. ونحن كشعب مغربي أشرنا إلى ذلك، على أنه أحد المشاكل الكبرى للبلاد. والإصلاحات والتغييرات التى طرأت على هذه الأحزاب تبدو جلية في ألبوم صورهم، كيف كانوا وكيف أصبحوا. الأمر الذي يؤكد أن العمل السياسي خاص وليس عام.

بهذه الطريقة، ينجح السياسيون الذين يناشدون ناخبيهم وتفردهم بشكل مباشر – العاملين لحسابهم الخاص، والنساء، والمهنيين الشباب – وأولئك الذين يجعلونهم يشعرون بأنهم ضالعون في النجاح. قد يفسد الفساد أو عدم الامتثال للبرامج في لحظة معينة، ولكنه يؤثر بشكل كبير على إطار اللعبة الذي تتحرك فيه كل حملة، والخطر هو وجودنا في حكومة قزحية متعددة الألوان، الأمر الذي يفقدك الثقة فيها. الشيء نفسه حدث مع دونالد ترامب: لقد انجذب له الأمريكان لما يخبرونهم به، لكنهم لايتوقفون عن التفكير فيما إذا كان ما يقترحونه عليهم متسقًا أم أن المرشح نفسه لديه الاتساق.

هل نحن إذن ناخبون بلا ذاكرة؟ «لسوء الحظ، نعم». ونشير بشكل خاص، إلى أولئك الذين يصوتون دائمًا للحزب نفسه. بغض النظر عن الحزب الأكثر فسادًا، أو الذي خالف معظم وعوده، نحن لا نصوت لصالح سياسي عظيم، ليس للسياسي الأكثر استعدادًا، ولكن للشخص الذي يجعلنا نعتقد أننا الأكثر استعدادًا.

ما تم التصويت عليه في هذه الحالة، هو إمكانية الخروج من الحصار، إلى حالة الحصار التي نحن فيها. بما أن هذا المخرج ليس في الأفق، فإننا كمغاربة في تراجع. يعني أن المشاركة ستنخفض ويمكننا تجاوز رقم قياسي في الامتناع عن التصويت، لأن الناخبين المعتدلين والعقلانيين سئموا، ويفضلون عدم التصويت.

السياسة هي فن استخدام الشعب بجعلهم يعتقدون أنهم يتلقون الخدمة، «الفنانون يكذبون ليقولوا الحقيقة، بينما يكذب السياسيون لإخفائها». هذه بعض العبارات لما يسمى بالفلسفة الشعبية، والتي كثيرا ما تتكرر وتؤكد أن الأكاذيب لا يمكن تجنبها في الممارسة السياسية.

لا تسعى الكذبة السياسية للخداع فحسب، بل لتوليد الإجماع أو المعارضة. قام فلاسفة بتقييم الفرق بين الكذبة المشتركة والسياسة. وشرحوا خطورة هذه الأخيرة على الديمقراطية وتأثيرها المضاعف على الشبكات الاجتماعية.

والكذبة السياسية تختلف عن الكذبة المشتركة لعدة أسباب: الأول هو أن الكذاب المُشترك يفعل ذلك بالكلمات، أما السياسي فلا يستخدم الكلمات أو الرسالة الحرفية فحسب، بل يستخدم أيضًا العديد من المناورات اللغوية، مثل أنصاف الحقائق أو الهراء للتضليل. ويمكن أن يقودوا الناس إلى الاعتقاد بأن قادتهم السياسيين هم تقريبًا قادة دينيون ودائمًا على الحق. لا تخلق الأكاذيب السياسية أكاذيبًا فحسب، ولكن نظرًا لطبيعتها المنهجية تولد عدم الثقة في السياسي وحزبه وحتى في جهاز الدولة بأكمله. الأمر الذي يزيد من الامتناع عن التصويت.

وهنا نجد أن الأكاذيب تختلف عن الوعود الزائفة، حيث تشير الأخيرة إلى الإجراءات المستقبلية التي يعرف السياسي أنه لن يتمكن من الوفاء بها (لن يرفع الضرائب أو إصلاح منظومات ما…). بدلاً من ذلك، دعونا لا ننسى أنه بمجرد حقيقة التصويت في صناديق الاقتراع – الحق المقدس لكل مواطن – لا تحقق الشعوب تقدمًا حقيقيًا. إذا لم يكن هذا الحق مصحوبًا بالالتزامات المقابلة، يمكن للشعوب الركود وحتى التراجع في بعض الجوانب الأساسية. لأن بعض السياسين وأحزابهم خيبوا آمال المواطنين، وبعضهم خانوا أفكارهم، ولم ينظروا إلى مصالح الشعب.

لذلك، فالمواطنون، بطريقة ما، مسؤولون عن هذا الاحتيال والفساد، لأنهم صوتوا لهم واحتفظوا بهم في مناصبهم. بالنظر إلى هذه الحقائق، ما الذي يدفع الأحزاب السياسية إلى البقاء في أحزاب لا تقدم ولا تُؤخر، والبقاء فيها والظهور في القوائم الانتخابية؟ هل تقودهم الرغبة في العمل من أجل الصالح الخاص أو شغف السلطة والامتيازات التي تأتي معها؟

أولاً، ما نفهمه عن السياسي والحاكم الحقيقي يجب أن يكونا خداما للشؤون العامة وليس لشؤونهم الخاصة. هنا يكمن المفتاح، في هذا الفحص لضمير المواطن سوف يتجدد عالم السياسة فقط عندما يتجدد المجتمع نفسه ؛ «كل شخص لديه الحاكم الذي يستحقه»، هناك سياسيون فاسدون ومضللون حيث يوجد مواطنون فاسدون وغير أمناء، هي أقوال مليئة بالحكمة والتعليم العظيم.

ما رأينا نحن كمواطنين؟ ما هي المعايير التي سنصوت لها، هل لمصالح شخصية أو لمصلحة المجتمع؟ هذه هي مسؤوليتنا وواجبنا الاجتماعي. والعمل السياسي دوره  خدمة الصالح العام؛ من خلال الالتزام بالاحترام والامتثال للتدابير التي اتخذها المجتمع الدولي، والتعاون في تنمية أشد الناس فقرا، وتنمية روح الأخوة والتضامن بين مختلف شرائح المجتمع، وفي المقام الأول، القطاعات الاجتماعية (صحة، تعليم، عدالة) والاقتصادية (الشغل)، والوفاء بصدق بما وعدوا به، بعيدا عن الغوغائية وعدم المسؤولية. الفخ الذي وقعنا فيه كمجتمع، وقبل كل شيء، كما تخبرنا التجربة، السياسي يعد بأشياء كثيرة ويحقق القليل جدًا. إن أكثر ما يحتاج إليه هذا المجتمع ليس النمو الاقتصادي غير المحدود، ولكن التوزيع الأكثر عدلاً والمسؤولية لما ينتج.

يجب على السياسيين والحكومات الفاسدة، أن يحصلوا على أكبر العقوبات المخصصة لأخطر المخالفات، في مجتمعات لها دستورها وقوانينها، لأنه لا يوجد مخالفة أكبر من التحايل على الممتلكات التي تنتمي إلى المجتمع واغتصابها من قبل الشخص الذي حصل على الثقة من المواطنين لرعايتهم وخدمتهم.

هذا هو معنى هذه الجملة الحكيمة «لفيثاغورس»: «المشرع، يعاقب المواطن على المخالفة الثالثة، والقاضي على المخالفة الأولى» في كل مجتمع متقدم، يجب على المواطنين أن يحشدوا ويستعدوا للمشاركة في الحياة العامة، كل منهم في المنصب الذي يشغله، ويتحملون بالكامل التزاماتهم ومسؤولياتهم، مع مراعاة ما قاله Ortega y Gasset «إن الرجل الذي لا يتعامل مع السياسة هو رجل غير أخلاقي، والذي لا يرى أي شيء أكثر من السياسة هو أحمق»، و لا ننسى أن جميع أشكال السياسة لها إغراء وخطر، وأن الديمقراطية تقع في ديماغوجية، شائعة جدًا في السياسيين والحكام الحاليين.

إن السياسيين يحكمون بدون استماع وبدون رؤية وبدون دراية بالقانون ولا بأحوال المجتمع، يفتقدون إلى النضج الفكري والسياسي، حكومات مشلولة والعلوم السياسية فيها أصبحت غير ذات صلة، سطحية وقصيرة النظر. على وجه التحديد، هذا التشخيص للنظام الذي يحكمنا كعرب – والذي تم الكشف عنه في وفاة العلوم السياسية.

كيف نفسر كمجتمع أننا نتعايش مع مجتمع مدني ناضج وناقد وتشاركي مع سياسيين راكدين؟ لسوء الحظ نتعايش، لأن الحكام ينشئون بشكل متزايد عن مجتمع راكد فكريا وأقل مشاركة في الشؤون العامة؛ فكر، اسأل، اغضب واحتج. هذه حقيقة لا يمكن الاستهانة بها، وأول من يفعل ذلك هم السياسيون. إنهم يستمرون من دون أن يسمعوا، ومن دون أن يروا، يحكمون من فراغ، ويتخذون قرارات براغماتية، و«يفسدون» ذلك المواطن. ما نراه هو أننا مجتمع لا نجدد أنفسنا، شعب لا نقرر من خلال صندوق الاقتراع أن نمزق الحدود الأخيرة من اللامساواة التي انهكت المجتمع.

قراءة في مجتمعنا، تكشف لنا الانتخابات أننا على بعد سنوات ضوئية من الديمقراطية. وأن المواطن. كقطعة شطرنج لا يرى، ولا يسمع، يمكن التلاعب به. وأن مواطناتنا حصرية، فهي تعيد إنتاج أشكال الخضوع والفساد، وينتهى بنا الأمر إلى اختيار الطاغية بطريقة ديموقراطية.

 كشعوب عربية، نحن ضحية وحش بنته السلطات نفسها في العصر الاستبدادي، غذوا توسع الفساد، لأنه كان مربحًا للغاية. وبذلك، فإن محاربة الفساد كأرضية للإصلاح، عملية شاقة يصعب فيها الفوز، لا يمكنك محاربة شيء راسخ في التراب الوطني، لهذا فإن المطالبة بأي إصلاح برأيي هي حرب خاسرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد