كانت الثورة الفرنسية نقطة تحول في العالم الغربي عندما ثارت الدول الأوروبية على الحكم الكنسي الذي استولى على الدول لأكثر من خمسة قرون، فكانت فرنسا هي قلب الحدث حتى انتشر الفكر في كل الدول الأوروبية ثم الأمريكتين حتى وصل هذا الفكر في المجتمع الشرقي والعربي مع ظهور مصطفى كمال أتاتورك.

 

 

 

 

منذ ذلك الحين لم يستطع العالم الغربي قبول فكرة الدولة الدينية مرة أخرى حتى بعد إعادة هيكلتها فأصبح الدين في أوروبا مجرد عادة يتم ممارسة طقوسها في الأعياد والاحتفالات فقط، ظنًّا منهم أنهم أخيرًا تحرروا من عبودية الدين وتملكوا الدولة بالعلم والسياسة.

 

 

 

 

ولكن في الحقيقة هذا وهم كبير، فالفرق بين الدين والسياسة ليس كبيرًا، فمنذ القدم سعى كل أصحاب الديانات بنشر دينهم حتى يتمكنوا من تسخير الموارد البشرية لخدمة المصلحة العليا للدولة.

 

 

 

فكان المسيطر على ذلك الوضع هو التبشير في المسيحية والدعوة في الإسلام، فدائمًا ما تجد أن التبشير والدعوة يركزان على رئيس الدولة أو رئيس القبيلة، فإذا اتبع الدين سوف يتبع من يتبعه مع الوقت.

 

 

 

 

والحقيقة لا عيب في نشر الدين ولكن العيب أن تجد الدول الأوروبية تنتقد طُرق نشر الدين سواء كانت سلمية أو عنيفة، ثم يحاربون حروبًا يشهد لها التاريخ لينشرون أيديولوجياتهم السياسية.

 

 

 

 

فكانت الحرب العالمية الأولى والثانية صراعًا فكريًّا سياسيًّا ليس للدين علاقه به، ومات أكثر من 50 مليون شخص وتمت مذابح كثيرة، لم ينجُ من تلك المذابح أصحاب الديانات أو أصحاب السياسات فالكل طاله الموت والعذاب.

 

 

 

 

وهنا يأتي السؤال ؟ إذا كانت تلك الدول ضد الدين بنشره وتعميقه لأنه يأتي ضد المصلحة العامة، فلماذا يدمرون العالم لينشروا فكرهم؟

 

 

 

ألم يسعَ هتلر لنشر النازية؟ أو لم تصبح النازية دينًا في ذلك الوقت؟ بدأت كفكرة سياسية ثم أصبحت دينًا يعتنقه الكثير ثم يريدون نشره والسيطره على العالم عن طريقه.

 

 

 

 

ولأني أعلم أن البعض لا يُطيق الكلام التاريخي فدعوني أتحدث عن شيء جميعنا نعلمه، على الأقل سمعنا عنه في الأفلام التي تتعمد ذكره لهدف سياسي.

 

 

 

 

جميعنا نعرف “الحرب الباردة”، كثيرًا ما تتحدث الأفلام الأمريكية عن تلك الحرب التي رسميًّا انتهت سنة 1991 وبدأت بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945.

 

 

 

وتلك الحرب الباردة كانت بين أمريكا والاتحاد السوفيتي “روسيا حاليًا” وقد سُميت بالحرب الباردة لأنه لم يستخدم فيها أسلحة، لأن تلك الدول في ذلك الوقت كانت تملك أسلحة دمار شامل، فإذا اشتعلت حرب أخرى فربما لكان العالم قد انتهى ولن تجدوني أكتب ذلك المقال.

 

 

 

فكانت تلك الحرب بين وكالات الاستخبارات الأمريكية والروسية.

 

 

 

وسُميت تلك الحرب أيضًا بـ”حرب الوكالة” فكل دولة تسعى لتجنيد دولة تحارب بدلًا منها مع دولة أخرى تم تجنيدها من الدولة المقابلة.

 

 

 

 

وهذا ما حدث بين مصر وإسرائيل في حرب 1967.

 

 

 

فكانت مصر تابعة لروسيا وكانت إسرائيل تابعة لأمريكا، فعندما حققت إسرائيل النصر كان النصر لأمريكا على روسيا.

 

 

 

وبعد هذه المقدمة يأتي السؤال المحوري لهذا الموضوع؟ كيف يتم تجنيد الدولة أو توكيلها؟

 

 

وما الهدف من الحرب الباردة؟

 

 

الإجابة بسيطة جدا ولكن يجب أن نسترجع عنوان الموضوع “الديانات السياسية” لأن السبب هو نشر الفكر والأيديولوجية السياسية.

 

 

 

فكانت أمريكا تعتنق “الرأسمالية” وكانت روسيا تعتنق “الشيوعية”.

 

 

 

فكان من الطبيعي هو السيطرة على العالم عن طريق ذلك الفكر الذي إذا انتشر سهل الاحتلال الفكري لدول العالم.

 

 

 

 

حرب باردة تستمر خمسين عامًا لنشر أيديولوجية فكرية! ثم ترى الغرب وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية تتحدث ليل نهار عن خطورة الأديان في نشر دينهم وأن الدين تخلف ولا يجب نشر فكر بالحروب!

 

 

 

عجبًا لكم، فأنتم تنشرون أفكاركم منذ الأزل بالحروب ثم تلومون أصحاب الديانات على نشر فكرهم؟

 

 

 

أو لم تكن الحرب الباردة التي استهدفت الدول النامية كعساكر الشطرنج لتحقيق المصالح؟

 

 

 

أو لم تكن تلك الحرب الباردة هي الهدف من تكوين قواعد عسكرية في كل أنحاء العالم؟

 

نعم رسميًّا انتهت سنة 1991 ولكنها في الواقع مستمرة حتى الآن! الشيشان وأفغانستان والعراق وغيرها من الدول التي تم محاولة تجنيدها وعندما لاذت بالفشل تم احتلالها لتكون قواعد عسكرية يتم استخدامها في حرب باردة أخرى.

 

 

 

 

سعت كلا الدولتين لنشر الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي على حساب دول كثيرة من ضمنها مصر!

 

 

 

 

فكان جمال عبد الناصر يتبع الشيوعية ليس حبًّا فيها فقط ولكن لإرضاء روسيا.

 

 

 

 

ثم جاء السادات ورأى أن أمريكا تنتصر في الحرب الباردة فاتبع الرأسمالية ليرضيها.

 

 

 

نعم يا سادة إنهم يدعون إلى ديانات سياسية من اتبعها فهو آمن ومن لم يتبعها فهو عدونا.

 

 

 

 

ثم يلومون أصحاب الديانات! نعم سوف أكرر تلك الكلمة كثيرًا، إنهم يلومون أصحاب الديانات لنشر عقيدتهم بالحروب، حتى ولم يدعوا الدين إلى ذلك ولكن أنتم أيضًا تنشرون دينكم السياسي بالحروب.

 

 

 

 

نعم انتصرت أمريكا وتم القضاء على الشيوعية وسادت الرأسمالية وتم احتلالنا فكريًّا فتم نشر العولمة واحتكار الأسواق فأصبحنا عبيد حسناتهم بالمعونات.

 

 

 

 

وليس من العجيب أن تجد في بعض الأفلام الأمريكية والأجنبية مصطلح “ديني دستوري” فهم يروجون لذلك المصطلح كثيرًا ولو كان ليس بذلك المصطلح اللفظي فقط ولكن ما شابهه من المصطلحات.

 

 

 

 

فإن دستورهم ينص على الرأسمالية، الدين السياسي الذي انتشر. ثم يقولون، عصر الديانات انتهى، وهم يحاربون وسوف يحاربون لنشر دينهم، دينهم مالهم ورأس ماليتهم ودستورهم.

 

 

 

 

وغدًا سوف يظهر دين سياسي جديد وتظهر حروب أخرى وها نحن مشاهدون.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد