رغم ما تشهده الساحة السياسية المصرية من فراغ بدت مظاهره خلال تلك الأيام الجارية من عزوف الكثيرين عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وهو ما يظهر عياناً في كثير مما يبثه الإعلام المصري بشقيه الحكومي والخاص علي شاشاته، إلا أنه من الصعب الحكم أن ذلك يعتبر من قبيل “المعارضة السياسية” من جانب أفراد الشعب.

 

 
فإذا نزعنا “نظارتنا السياسية” التي غالباً ما ننظر من خلال عدساتها إلى معظم مجريات الأحداث من منظور سياسي فقد تنكشف لنا الرؤية أكثر بكثير. أبدل هذه العدسات السياسية بأخرى منطقية فستجد أن هذه الفئة الفعالة أو النشطة سياسياً من الشعب تعدادها ضئيل في مجموعه مقارنة بالتعداد الكلي للسكان، سواء أكانوا منحصرين في أحزاب أو قوي أو حركات سياسية أو مستقلين ذوي أنشطة سياسية فردية.

أما باقي النسبة من هذه الجماهير العريضة التي غالباً ما يشير إلى أفرادها الإعلام بمصطلح “رجل الشارع” فهي تنشط، وإن لم تُدفع من قِبَل أصحاب أنشطة سياسية ما، وتتحرك وحدها في هذا الجو السياسي عندما تشعر أن بالفعل ثمة فارق سوف يحدث، أو شيئا جديدا يُمكن أن يُستجد في الواقع السياسي.

فهذه الانتخابات البرلمانية، يعتقد الكثيرون أن كل من يحاول أن يحظى بمقعد فيها، إنما يبغي من وراء ذلك تحقيق منفعة ما، وسط هذه الظروف الحالية التي يشوبها الغموض، بصرف النظر عن هذه الأهداف الهلامية من سعي المُرشح للتقدم من أجل خدمة أهل دائرته، والعمل على راحتهم، ومثل تلك العبارات والشعارات الروتينية التقليدية.

فلذا لا يتحرك الكثيرون للشوارع؛ نظراً لأنهم يعلمون أن الأمر مجرد “تحصيل حاصل” بعكس ما كان منذ سنوات من احتدام المعركة البرلمانية، نظراً لوجود نزاعات حادة ومشتعلة بين فئات الجماهير، من جراء تخوف البعض من سيطرة القوى الإسلامية آنذاك على المقاعد من جهة، وبين محاولة البعض الآخر الحفاظ على “مدنية الدولة” على يد تلك القوي الليبرالية التي اتخذت من “ثوب الثورة” ذريعة لتحشد الناس إليهم اعتماداً علي مبدأ “مناصرة الثورة”، وكُلًّ يحاول تحصيل أكبر عدد يستطيع تحصيله تحت قبة البرلمان.

فمن الطبيعي أن هذا الأمر قد تسبب حينها في تولد صراع بين أفراد الشعب من مؤيدين ومعارضين، حتي ولو لم يُدعَونَ لمؤازرة فئات أو أفراد سياسية بعينها، خاصة وأن الشعب تحوّل أفراده بعد الثورة إلى “محللين سياسيين”، لكُلٍّ آراؤه واتجاهاته السياسية الفردية التي يُنازع فيها أقرانه وأصدقاءه وأفراد عائلته؛ محاولاً ضمهم إلي دائرة قناعاته ومعتقداته السياسية.

أما الآن لا داع لكل هذا؛ إذ ليس ثمة تراشقات ولا مشاحنات سياسية تُحفّز المواطن المصري أو “رجل الشارع” إلي اتخاذ جانب ما أو صف سياسي، ومن ثم مجابهة الصفوف الأخرى، وذلك بعد رحيل القوى الإسلامية من المشهد السياسي، فيتخذ المواطن هنا وضعية أو حالة قد ينظر إليها هؤلاء المحللون السياسيون على أنها ذات صفة سياسية، إلا أنها في الواقع تعد “اجتماعية” أكثر منها سياسية، أي: وهي ما قد يُطلق عليه بالعامية سياسة “التنفيض”.

 

 
فليس في الأمر خسارة كغرامة ما يُمكن تكبدها حال الإعراض، هذا إضافةً إلى اعتبار “رجل الشارع” أن صوته لن يُقدم شيئاً جديداً في الواقع، ولن يُضيف تغيرا ملحوظا في هذا الملعب السياسي الواسع الأشبه بملعب كرة القدم، فلا يخرج “مهاجم” إلا ويحل “مهاجم” مثله بديلاً عنه أو “مدافع” عن “مدافع”.

فسواءً فاز زيد أو عبيد، فلن يغير هذا شيئا في “الحياة اليومية” لهذا المواطن. فإذا ما كان “رجل الشارع” هذا مستكيناً على أريكته مرتدياً ملابسه الخفيفة، محتسياً مشروبه الساخن، متابعاً لـ”مجموعة” قنواته الفضائية الخاصة المفضلة التي تتابع سير العلمية الانتخابية وتدعو الناس بجعجعة وصراخ بأن “انزلوا” و”احتشدوا” وو.. فلن يعتبر الكلام موجهاً له أو قد يعلم أن الكلام موجهاً له، لكن لن يُثير فيه هذا شيئاً؛ باعتبار أن ما أراده قد تم بالفعل في الانتخابات الرئاسية الماضية، فكل ما ينبثق بعد ذلك هو في إطار المضمون، وفي منطقة الأمان طالما أن ليس هناك قوى مضادة أخرى يمكنها أن تسيطر على المشهد وتعيد ما شهدته الساحة المصرية في عام 2012م.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد