أسدل الستار رسميًّا على فعاليات كأس العالم، الذي كان الحدث الرياضي الأبرز في صيف هاته السنة حيث أقيمت أحداثه بالمدن الروسية، التي كانت ملاعبها مسرحًا لمباريات مميزة جدًا فكانت الأفضل من حيث التنظيم ومن حيث جمالية الصورة المسوقة للملايين عبر العالم، بالإضافة إلى الأداء الفني الذي متع به لاعبو المنتخبات المشاركة الجماهير سواء كانت الحاضرة في المدرجات أو خلف شاشات التلفاز من كل القارات الخمس باختلاف أطيافها، هاته النسخة التي قال عنها جاني انفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنها الأفضل على الإطلاق منذ أن خُلقت هاته المسابقة سنة 1930. وافقه في الرأي الكثير في حين اختلف معه آخرون أيضًا بحكم وجود نسخ أخرى مميزة أيضًا لا تقل أهمية عن هاته كألمانيا 2006، التي يعتبرها الكثير الأفضل على الإطلاق لما حملته من تميز فاق النظير.

 اختلفت آراء الكثيرين حول هاته النسخة لكن اتفقوا على أنها متعت الجمهور عبر العالم وسوقت لنظرة أخرى أكثر إشراقًا عن روسيا وهو ما كان يريده بالضبط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حسب الكثير، وذلك لتغيير النظرة السوداوية الحالكة التي كان يراها بها البعض، ويعتبر المونديال فرصة أيضًا لروسيا لتاكيد قوتها وعظمتها للعالم أجمع، وللتشهير بحضارتها وعاداتها وتقاليدها أيضًا، دون أن ننسى الربح الاقتصادي الوافر كمخلفات إيجابية لمثل تظاهرات كبرى كهذه، ولكن وفي ظل كل هذا كان لمجال السياسة النصيب الأوفر في هذا الحدث العالمي بتداخلات عدة بارزة قبله، أثناءه وبعده.

قضية الجاسوس الروسي تعود للواجهة في المونديال

منذ مارس (أذار) الماضي تعقدت العلاقات الروسية – البريطانية مجددًا وصارت للأسوء تقريبًا منذ الحرب البادرة بسبب حادثة تسميم الجاسوس البريطاني سكريبال، وهو العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية والذي جندته المخابرات البريطانية. وكان قد حكم عليه بالسجن في بلاده لمدة 13 سنة بعد انكشاف أمره وإلقاء القبض عليه عام 2006، وأطلق سراح سكريبال في اطار أكبر صفقة تبادل جواسيس بين الغرب وروسيا منذ نهاية الحرب الباردة عام 2010 بعد أن أصدر الرئيس الروسي حينذاك ديميتري ميدفيديف عفوًا عنه. حيث اتهمت بريطانيا المخابرات الروسية بتسميمه بعد هاته الحادثة، وجعلت هذه الحادثة العلاقات السياسية والدبلوماسية تتأزم بين البلدين، لتاتي مخلفاتها رياضيًا وترفض وتحذر السلطات البريطانية سفر المشجعين إلى روسيا وتجنب أيضًا الحضور لمشاهدة مقابلات المنتخب هناك في المونديال، والذي تجنب فيه المنتخب الإنجليزي مواجهة روسيا في نصف النهائي المونديال بعد خسارتها في ربع النهائي ضد كرواتيا.

وفي السياق ذاته للموضوع قررت عديد الدول في أوروبا مقاطعة افتتاح كأس العالم بروسيا سياسيًا ودبلوماسيًا من بينها الدانمرك والسويد مثالًا، لكن هاته الأخيرة قررت وزيرة خارجتيها السفر لمتابعة المنتخب في الثمن النهائي ضد سويسرا، لأن المقاطعة كانت للافتتاح فقط رغم عدم حضور دور المجموعات أيضًا.

الرئيس الشيشاني واستغلال النجم المصري صلاح سياسيًّا

قبيل انطلاق المونديال بأيام قليلة، سافر المنتخب المصري لروسيا بالتحديد غروزني عاصمة دولة الشيشان، حيث كانت عديد الجماهير هناك في استقباله واستقبال نجمه الأوحد محمد صلاح لاعب نادي ليفربول، الذي توج لاعب العام في الدوري الإنجليزي وفاز بوصافة أندية أوروبا عبر مسابقتها الأعظم دوري الأبطال، إلى جانب عديد الجوائز الأخرى كأفضل لاعب في قارة أفريقيا وغيرها، جعلته حديث العالم بأسره وأكثر اللاعبين متابعة إلى جانب البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي، إلا هنا يبدو الأمر عاديًا إلا إذا تعلق الأمر بحضور رئيس دولة ما، وممثلة بالرئيس الشيشاني رمضان قديروف إلى تدريبات المنتخب المصري خصيصًا من أجله، ودعوته للبعثة المصرية ككل لمأدبة عشاء على شرفها، مع منح صلاح حق المواطنة الشيشانية تقديرًا له على المجهودات التي يبذلها كمثال للعالم العربي والإسلامي في أوروبا عموما وإنجلترا خصوصًا، وهي المبادرة التي جعلت صلاح يخسر ملايين الدولارات من شركة أديداس بحذف اسمه من إعلاناتها لخلافات أوروبا مع الرئيس الشيشاني، والتي اعتبرها البعض استغلالاً سياسيًا للاعب لتحسين صورته أمام العالم لتورطه حسبهم بقضايا فساد عدة وانتهاكات لحقوق الإنسان وقمعه لعديد المعارضين داخل البلد أيضًا.

تشاكا وشاكيري وفوز بطعم سياسي

أسالت قضية احتفال شيردان شاكيري وغرانيت تشاكا بشبك أيديهما على شكل نسر الكثير من الحبر خلال لقاء منتخبي سويسرا وصربيا في الجولة الثانية من المونديال، حيث كان منتخب سويسرا متأخرًا بهدفين قبل أن يقلب النجمان ذوو الأصول الألبانية – كوسوفية النتيجة بتسجيل هدفين ويمنحا منتخب بلادهما نقاط المباراة كاملة، لتأتي التهاني مباشرة من رئيس كوسوفو هاشم تاتشاي على فعلتهما المشرفة حسبه، وينتمي اللاعبان إلى عائلتين مهاجرتين عانتا طويلاً من قمع الصرب في يوغوسلافيا السابقة. وحركة يديهما جاءت كنايةً عن الصقر الذي يزيّن علم ألبانيا، والتي ينتمي معظم سكّانها إلى كوسوفو التي ترجع أصول 92% من مواطنيها إلى ألبانيا، ولم تستقل عن صربيا إلا قبل 10 أعوام، حيث خاضت حرب استقلال دامية ضد يوغوسلافيا بدأت في العام 1990 وانتهت في العام 2000 بحصولها على الحكم الذاتي، قبل أن يقرر مواطنوها الانفصال كليًا عن صربيًا في العام 2008.

ماكرون وكوليندا والمكسب السياسي الأهم

أعلن مونديال روسيا 2018 عن متوج عائد من جديد للمنصة ممثلا بالمنتخب الفرنسي الذي استرجع اللقب الذي غاب عنه منذ 20 سنة، حين قاده زين الدين زيدان ذو الأصول الجزائرية للتتويج، وها هو الآن كيليان مبابي ذو الأصول الجزائرية – الكامرونية وغيره كثر من أصول أخرى يقودون الديكة أيضًا للتتويج مرة أخرى، ويمنحون ماكرون حقًا للتفاخر أنه تتويج في سنوات حكمه للبلد وفي ظل رعايته للرياضة عموما وكرة القدم خصوصا، وقد تجعله ايضا يحترم ويطبق فعلا الوعود التي أطلقها تجاه المهاجرين هناك والتي سبقت فوزه بالرئاسيات، في حين كان لكرواتيا المركز الثاني في النهائيات وكان لرئيستها كوليندا غارابار الشهرة الأكبر والاستحسان الأعظم من الجماهير العالمية خارج البلد ومن شعبها داخله، حيث كسبت تأييدًا جديداً أوسع من هذا الاخير باستغلال هذا الإنجاز والذي يجعلها تكسب مؤيدين أكثر نظرًا للإصلاحات التي قامت بها وأيضًا تمحو قليلًا من ذنوب اتهامها بقضايا فساد وحماية فاسدين داخل كرواتيا وتنافس مجددًا على عهدة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد