إن محاولة التأصيل المفاهيمي لبعض السمات الحضارية، وعملية تقديم الشواهد على دور الحضارة الإسلامية الإنساني وعطائها المعرفي، وكذا دورها في تطوير العلوم والمعارف، وتخليصها من الثنائيات العقيمة التي وضعتها الفلسفات المادية وأدت إلى تشطيره قد تتطلب إيضاح الحالة السياسية في المجتمعات المعنية من منظور «التقابل الهوياتي» والمبني على «قراءة علائقية» للتصنيفات الهوياتية من حيث «التناول البنيوي» المتمثل في التقسيمات الاجتماعية باعتبارها وحدات ناجزة تخضع لمؤثرات اقتصادية أو سياسية من ناحية.

ومن ناحية أخرى، «التناول الثقافي» الذي يُعيد ظهور الطائفية إلى تأثير الخطاب والأفكار محاولة للتأصيل المفاهيمي لبعض السمات الحضارية ذات الصلة بالخلفية السياسية لمسألة الطائفية، والتي يُمكن أن نعتبر أن اهتزاز بنيان الثقافة كان له دور الريادة في ظهور الطائفية، وما نتج عنها من فكر وسلوك، وألقت بظلالها على «الثقافة الإسلامية».

ومن ذلك، لا أعتقد أنّ داعش مهتمّة بـ«تَديين» أفعالها وممارستها، مثلما يهتمّ بذلك نقّادها والمعلّقون عليها. فقد حُوججَ كثيرًا بأنّ داعش لا تمثّل الإسلام، أو أنّها خروج عن التقليد، لا امتدادًا له، أو على الجهة المقابلة، بأنّها تمثّل جوهر الإسلام الحقيقيّ الذي لا يمكن أن يُرقَّع بحججٍ إصلاحويّة يقدّمها علماء دين أو مفكّرون مسلمون (مثلما هو الحجاج العلمانيّ التقليديّ حول داعش). بيد أنّ التعامل معها في مثل هذه السياقات الدّوليّة والإقليميّة المعقّدة يجعل المرء مُستستخفًا لهذه الطروحات التي تقوم على أساس تديين الظواهر التي تدّعي كونها دينيّة، ومن ثمّ تبني تحالفاتها السياسيّة وفقًا لهذه النّظرة المُسبَقة منها كجماعة دينيّة.

وهكذا، يمضي الأمر وكأنّه بمثابة لعنة تُطارد كلّ مسلم أو مَن يحاجج بطرحٍ يخالف الطّروحات القائمة، لدرجة أنّ كثيرًا من حولنا يعتقدون، مستميتين في اعتقادهم هذا، بأنّ «إبراء الذمّة» من داعش وممارساتها هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقّى من إرث الإسلام، بحيث يغدو كلّ فعل تشنّه هذه الجماعة المجنونة حقًّا منـ«هم» وليس مـ«نّا»، في حين أنّ هذا المنطق نفسه هو الذي يدّعم ما تفعله داعش، لأنّها لا تدافع عن قطاعات من النّاس، وإنّما عن نفسها، وعن كيانها بالمقام الأوّل، كأيّ دولة قائمة حذو النّعل بالنّعل.

ولذلك، عندما يحاول أبناء المؤسّسة الدينيّة التقليديّة، أو نظراؤهم الدينيين، محاججة داعش على أسسٍ دينيّة، فهم ينجرّون في معركة خاسرة، وسيرجعون صفر اليدين، ولا رابح فيها إلّا داعش. إنّني لا ألغي الأبعاد الفكريّة في تكوين الأيديولوجيّات، لكنّني أُدرك أنّ هذه الأبعاد يُعاد إنتاجها وأنّها تُسيَّق بفعل فاعلين اجتماعيين، لا سيّما في نسق أيديولوجيّ كالذي بزغت منه داعش. وبالتالي، عندما ننقل الصراع من صراع سياقيّ-اجتماعيّ-سياسيّ-اقتصاديّ إلى نقاش بلاغيّ-أفكاريّ-رمزيّ، فإنّنا نفوّت كثيرًا على أنفسنا التي تقاسمها الاستبدادان الداخليّ والخارجيّ. ولا مناصَ من تَسييس الصّراع، والإدراك بأنّ قوى الإمبرياليّة واحدة، سواء تجلّت في شقّها الطائفيّ أو الخطابيّ أو العسكريّ التدخّليّ.

وأصبح من خلالها الخطاب الطائفي خطابًا متشابك الدلالات ومتداخل القضايا، يحتاج إلى مختلف أدوات تحليل الخطاب وتمثّله واستشراف مساراته.

ومن هذا المنطلق، كان ينبغي تبيان أثر الخطاب الاستشرافي/الاستشراقي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا لا انفصام له بخطط أوسع نطاقًا بكثير من تلك المقترنة بمتطلبات البحث والدراسة الاستشرافية من حيث هي، وعلاقتها بتحولات «الخطاب الديني» إلى «الخطاب الطائفي»، والذي ينبثق من اهتمامات ترتبط ارتباطًا وثيقًا باهتمامات عملية (براغماتية) تضرب بجذور عميقة في التاريخ الفكري والثقافي والسياسي الخاص بأوروبا؛ وكلا ذلكما الخطابين ( الاستشراقي / الطائفي ) لا يُمكن تصوره إلا في نطاق محدود باعتباره بحثًا عن المعرفة المنزهة عن الغرض.

وفي هذا الصدد، نشير إلى أهم هجوم مؤثر ومتسق فكريًا على تفسير الاستشراق تأسيسًا على مقولة «المعرفة الخالصة» جاء على لسان إدوارد سعيد .ويستهدف التصور وفق صياغته تأكيد هوية الغرب المتميزه، في إطار ما يُسمى «أسلمة المعارف» والتي نجم عنها آليات «الحضور والتضاد» و«الذاكرة المضادة»؛ ومنها ما يتم تناوله في بعض الأدبيات حول «مفاهيم معاصرة في ضوء الإسلام» إذ تُقدم هجومًا بلا هوادة ضد «المفاهيم والمصطلحات التي لم تنشأ في ظل النظام السياسي الإسلامي ولا في البيئة العربية والإسلامية؛ بل ظهرت في ظل الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في الغرب النصراني المتأثر بتراثه الروماني الإغريقي القديم». وهنا نرى كيف تلتقي سرديات بعض الإسلاميين مع سرديات اليسار ما بعد الكولونيالي الرافض لما هو غربي في العلوم الاجتماعية.

وفي هذا الإطار يرتبط مفهوم العلمانية بالإلحاد وطغيان الكنيسة والصراع بين الكنيسة والعلم والثورة الفرنسية ذات الشعارات «الخادعة» المتمثلة بـ«الحرية، المساواة والإخاء». وفي ذلك إشارة الى أن العلمانية تتعارض تمامًا مع الإسلام «فهي في صورتيها الملحدة وغير الملحدة وبمرحلتيها الجزئية والشاملة مخالفة لدين الإسلام جملة وتفصيلا. ولاغرابة في ذلك فإنها نبتة غريبة لم تظهر في بلاد الإسلام ولا بين أهله». ورغم أنني لست هنا في موضوع الدفاع عن العلمانية أو إدانتها (وخاصة عندما تكون مفرطة في نكائيتها وانخراطها في غول العولمة) ولكن على القارئ الانتباه الى جدية وحدته في آن واحد. ليعكس هذا الخطاب حالة تكفير أولئك الذين ربما وجدوا ببعض مظاهر العلمانية مخرجًا لمأزق الدولة الاستبدادية العربية أو الإسلامية. فمن منظور سوسيولوجي، نعثر على تعميمات مفرطة في مثل هذه السردية. فتركيا تحكم بالعلمانية ومن قبل حزب سياسي إسلامي، كما أن ما نَظَّرتْ له الكثير من الأحزاب السياسية الإسلامية عن الدولة المدنية ليس إلا تبن لبعض مفاهيم وأشكال فصل الدين عن الدولة لبناء دولة المواطنة لكل ساكنيها من مسلمين وغيرهم.
وكذا تعزيز هيمنة الغرب السياسية والثقافية على الشعوب العربية والآسيوية والإفريقية،ومن ثم فإن الاستشراق في نظر سعيد بنية صيغت في غمرة الصراع الاستعماري،ويعبر عن الجناح المسيطر .ولم تأت تلك الصياغة تعبيرًا عن دراسة عملية فقط، بل أيضًا عن دراسة إيديولوجية منحازة … تخفي الصراع وراء قناع عبارات أكاديمية وجمالية ومنتوجات دعائية.

لذلك – ووفق هذا التفسير – نخطئ إذ نتصور الاستشراق في صورة معرفة موضوعية منزهة عن الغرض – ويكون الخطأ أعظم حيث نفكر فيه في ضوء مزاج رومانسي يستهوي النفس، ولن يكون الاستشراق هنا فهمًا منهجيًا خاطئًا ولا تشويهًا عنصريًا للتقاليد وتراث الشرق، بل إنه في نظر سعيد ليس إلا تعبيرًا وتبريرًا للسلطة الكوكبية التي يُمارسها الغرب.

وفي إطار هذا السياق/الاتجاه، لئن أخفى الاستشراق القديم أهدافه السياسية وخلفياته التوسعية، فإن مراكز الفكر ومن ورائها الاستشراق الجديد وخبراء الشرق الأوسط تصرّح دون تردّد أو مجاملة بأن إعادة تقسيم بلاد المسلمين أصبحت ضرورة سياسية وأمنية، ولا بّد أن توجه الدراسات الاستشرافية/الاستشراقية الجديدة، نحو هذه الوجهة؛ لما قد تتمتع به هذه التوجهات من حدس سياسي حاد.

وعلى هذا الأساس، وضعت مراكز الفكر عدَة استراتيجيات تقوم أساسًا على إثارة النعرات الطائفية والدينية والمذهبية والقبلية والسياسية، قصد إعادة تشكيل الشرق الأوسط والمغرب العربي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية وأمن إسرائيل.

ومن ضمن تلك الاستراتيجيات إعادة صياغة مكونات الاجتماعي / الثقافي / الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، وإعادة تطور مجال القوة / القوى، وإعادة إنتاج الهوية الشيعية من خلال اقتراح تغيير الواقع الطائفي من حيث تكوين شبكة علاقات بديلة عبر مؤسسات مجتمع مدني تخلق مجالات قوة خارج مجال الطائفة والتي قد تتضح مؤشرات صياغتها من خلال تغيير الخريطة الديموغرافية بحسب إعمال «الخيال السوسيولوجي» سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات. ولعلّ خير مؤشر ما نتابعه اليوم من مشاهد الهجرات القسرية، وحركة اللاجئين هربًا من انعدام الأمن في أوطانهم. فضلًا عن تباين الأفكار والمعتقدات بين البشر.

وعلى ضوء تلك الاستراتيجيات يَكمن التساؤل الأهم:

هل «الطائفية» مفهوم ديني أم عرقي أم إثني أم ثقافي أم جيوسياسي؟

أم أن هنالك بعدًا آخر قد يعبر عن المنظور المشار إليه أعلاه؛ مما قد يتطلب دراسة أثر الدراسات الاستشراقية الجديدة في تشكيل الفضاء الهوياتي من خلال مقاربة ذلك المنظور مع تأثير نظرية الإمبريالية الثقافية، أو فرضية استعمار الكوكاكولا، التي تذهب إلى أن الولايات المتحدة وقلة غيرها من القليل من بلدان العالم تصدر أفلامها، وبرامجها التلفزيونية، وثقافتها الشعبية لبقية العالم تقوم بتصدير أيديولوجياتها الرأسمالية ومنظومات قيمها مع هذه المواد. معظم بلدان العالم الثالث لا تستطيع تغطية نفقات صناعة الأفلام والبرامج التلفزيونية. ومن الأرخص لها استيراد أعمال من دول العالم الأول، مع هذه الأعمال تحصل أيضًا على أيديولوجيات وقيم العالم الأول، من دون علمها بذلك.

وهكذا، فالثقافة الأمريكية وغيرها من ثقافات العالم الأول تهيمن فقط على ثقافات العالم الثالث الهشة، بل إنها تدمرها. ووفقًا لهذه النظرية، فإن انتشار أفلامنا، وبرامجنا التلفزيونية، ومطاعم همبرجر ماكدونالد، ومقاهي ستاربكس، يؤدي إلى نوع من التجانس الثقافي في جميع أنحاء العالم. وفي نهاية المطاف، وفقًا لمنطق هذه الحجة، سوف يبدو كل مكان شبيهًا بأي مكان آخر: الناس في كل مكان سيشربون كوكاكولا أو بيبسي، ويتناولون الطعام في مطاعم الوجبات السريعة نفسها، ويلبسون اللباس نفسه، ويشاهدون الأفلام والعروض التلفزيونية نفسها.
تفترض نظرية الإمبريالية الثقافية أن وسائل الإعلام قوية للغاية؛ وإذا لم تكن كذلك، فإن تأثيرات وسائل الإعلام لن تكون ذات شأن، وستكون وسائل الإعلام الأمريكية فقط مصدرًا رئيسيًا للتسلية وليست قوة للأمركة، ولتغيير نظم القيم الأساسية لهذه الثقافات.

*للتأمل:
«أنا أنت، أن كنت أنا». *بول سيلان Paul Celan

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, سياسة, فكر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد