مؤتمر فيينا، قمة العشرين، تصريحات أمريكية، تصريحات روسية، خطوط عريضة، ملامح لانتقال سياسي مبكر ولده المخاض الذي كلف السوريين خمس سنوات جعلت من سوريا بلاقعًا أثرية تصلح لوقفة طللية أو بكاء علی الديار لا أكثر، كل هذه الأحداث السريعة والمتعاقبة أشبه ببيوت الرمال التي تذهب سدی عند أول موجة، تحجم آمال الثورة السورية وتقولبها بقالب صهرته الأيادي الدولية في أتون المحرقة السورية.

إن الحديث الأخير عن حل سياسي مرحلة انتقالية كان أشبه برواية معقدة متشعبة التفاصيل وفجأة تختم بحل غير متناسب مع السرد القصي فيها، ولا موضح لطريقة الحل لتكون مقنعة أكثر، فالكلام عن مرحلة انتقالية تنهي هذا المشوار الطويل خرج من أروقة تجهل الواقع السوري أو تتجاهله،وعندما نؤمن به نحن كعرب أو كسوريين علی وجه الخصوص فهذا يعني أننا مازلنا نجهل المعضلة التي من أجلها قامت الثورات وتبدلت الأنظمة بأنظمة مثلت علی أقل تقدير دور سالفتها.

الكل يذكر الحل السياسي والعسكري في العراق سنة2003 عندما أطاح الأمريكيون بالرئيس العراقي صدام حسين علی اعتبار أنه هو الذي من جر العراق إلى ويلات الحروب السابقة، وأوصل العراق إلى درجة الحضيض من الفقر والجوع والتفكك البنيوي للشعب، فماذا كانت نتيجة هذا الحل الأمريكي؟

تشكيل حكومة عراقية جديدة، بناء جيش جديد، شعارات عن أخوة العراقيين، أملًا في عراق جديد قوي البنية والاقتصاد!

وهاهي قد مرت اثنتا عشرة سنة والعراق علی أقل تقدير يری بالعين المجردة لا المتفحصة أسوأ بكثير من عهد صدام، والتمزق الشعبي لم يعهد إلا في عهد النازية والبلشفية.

ثم من لا يتذكر الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت لأكثر من خمسة عشر عامًا كلفت لبنان ما كلفته حتی غدا اللبناني لا يتنقل من مدينة لأخری بل من بيت لآخر إلا ومنتطقًا بسلاحه علی أرض واحدة تخوله فيه هويتها أن يتنقل فيها متی شاء وكيفما شاء ثم ما لبثت هذه الحرب أن انتهت بحل سياسي عربي ودولي أفضی إلی تدخل الجيش السوري عسكريًّا في لبنان.

وهاقد مضى علی انتهاء الحرب اللبنانية خمسة وعشرون عامًا وكأن شيئًا لم يكن، فما زال التوتر اللبناني الطائفي  ينس في البيدر اللبناني بصورة أشد من الحرب الشاملة.

وكذلك حال اليمن قبل توحيده أيام كان فيه شماليًّا وجنوبيًّا فالكرة تعاد وتكرر بعد كل حل سياسي يفرض على الشعوب فرضًا وبشكل فجائي، فيا ترى مانفع الحل السياسي السوري وما جدواه في بيئة انهارت فيها المنظومة البعثية القمعية خلال الثورة مخلفة الأمراض والأوبئة التي نشرتها فيروسات البعث خلال نصف قرن.

علينا أن لا ننسی أن المياه السورية قد تأسنت بفعل سد البعث الذي أوقف جريانها الحضاري الممتد إلی أعماق التاريخ إلی أن تصدع ذلك السد فانهار كانهيار سد مأرب وخلف وراءه سيلًا عرمًا لم يبق ولم يذر، فمن أين أتت العصة السحرية الدولية التي ستنهي وتعالج كل جراح السوري بهذا الحل السريع.

صحيح أن الحل السياسي مطلوب ولايوجد سوري يمانعه، لكن أليس من الأحری أن يكون هذا الحل جاء نتيجة حل وتفاهم سوري سوري يتفق فيه السوريون وبكل صراحة علی عقد اجتماعي يوضح رابطة الأرض بالإنسان، فحمص ودمشق وحلب والجزيرة وغيرهن لأهلها الذين خرجوا منها كما أن الساحل لأهله ويحاسب المجرمين بحق السوريين انطلاقًا من مفهوم أنها ثورة شعب، فليس من المعقول أن يسمع السوري وهو في بلد اللجوء بالحل السياسي الذي ربما يتيح له الرجوع إلى بلده بقدر ماهو واجب أن يكون أول من وضع لبنات الحل السياسي إن كان فعلًا المقصود هو إنقاذ السوريين ورسم حياة لهم تليق بكرامتهم وتضحياتهم.

لايمكن لأي حل سياسي أن يصلح الفساد الاجتماعي الذي لم يكن حكرًا علی طرف في سوريا دون آخر إن لم يسع السوريون بأنفسهم لإصلاحه فلقد حان الوقت للسوري المتعب أن يتخلص من آفات الانحلال والتكفير ويلقي شعارات التبجيل والتعظيم، ويرى الواقع كما هو واقع لا كما هو متوقع، وإن كانت النظرة مؤلمة حتی يصل إلى حل به يفرض علی الدول العظمی القبول به لا أن تفرض الدول العظمی عليه حلًّا أشبه بإبر التسكين التي لا تلبث إلا برهة من الزمن، بعدها ترجع الآهات والآلام مجددًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد