على مر الوقت أصبح التناقض الثانوي داخل الجامعة المغربية هو الصراع المستمر بين من يحمل فكرة السعي المتدرج “نحو قضاء” مصالح الجماهير وإعادة الاعتبار لمركزية العلم كمبدأ مقدس ومطلب حضاري، وبين من يسعى في المقابل “إلى القضاء” على المصالح، وبالتالي طحن قيمة العلم وضربها في مقتل!

حتى وإن كان دائما ما يتغني بشعارات الثورة والوقوف إلى جانب الجماهير الكادحة، ولأجل ذلك أصبح من اللازم إعادة طرح سؤال من هو الثوري الحقيقي؟

أهو المهموم بالإصلاح والمنحاز إلى جانب الجماهير، أم المهووس بالغنائم الذي يركز نضاله حول ذاته؟

لا بد من الإشارة أولا إلى أن اختزال وتفسير الصراع في الجامعة بأنه مسألة “عنف ايديولوجي” قد أضحى أمرا متجاوزا، فهو قطعا ليس سلاحا تكتيكيا يستخدم كآلية ظرفية لجلب حقوق طبيعية قد حرمت منها فئة – طبقة – اجتماعية في ظروف معينة؛ بل إنّا نراه هو نفسه يوظف كآلية ضغط “لسلب” حقوق ومكتسبات مادية ومعنوية من أصحابها.

إن ما يحكم الصراع في الجامعة كما في السياسية، أن الذي يبرر الفساد على الحقيقة هو المصالح والنزعات والأهواء وليس الأيديولوجية!

ولقد أتى على “العنف الأيديولوجي” حين من الدهر استحال فيه إلى فكر مُعطّل “في قاعة الانتظار” للخدمة، ولأنه عنف “موسمي” عبارة عن رد فعل لقضايا لا تهم الجامعة ابتداء، فهو دائما متهم بكونه قنطرة لـ “تهريب” المعارك السياسية بشكل سافر إلى داخل الوسط الجامعي، بحسبانه ذلك المكان الملائم لتصفية الحسابات؛ لكن ليس بالأسلوب الكلامي الذي يطبع الحياة السياسية غالبا.

في قاعة الانتظار توجد هناك جماعة “بُوكُو سْيُوفْ” التي تكون دائما مستعدة للخدمة، إذ تتولى مهمة ترجمة “الكلام” السياسي إلى “فعل” إرهابي، هو “عُنفي”؛ لكنه يفضح حقيقة وطبيعة المنافسة السائدة، ولا يخفى على أحد أن المليشيات المتورطة فيه لا علاقة لها لا بالعلم ولا بالجامعة ولا بالأيديولوجية التي تختفي في ردائها؛ وإنما هي مجموعات منظمة على الطريقة “الداعشية” اتخذت من الجامعة “موقفا” للاسترزاق بطريقة تبعدها عن المحاسبة والمتابعة.

إن خصوصية الفضاء الجامعي تمكن “بوكو سيوف” من تأويل جرائمها وتبريرها بمبررات “نضالية” سخيفة مضحكة، ورغم أنها أصبحت بفعل التراكم الزمني مثار سخرية المجتمع الجامعي، إلا أنها تجد من يناصرها ويقف إلى جانبها ويوفر لها الحماية، والقصد هو إخفاء الحقيقة الساطعة وهي أن الجرائم التي تتولى تنفيذها تكون دائما متورطة بالأحداث السياسية والاجتماعية خارج الجامعة، فما يحصل في الجامعة إذا؛ هو “إرهاب قادم من السياسة إلى الجامعة” غير مفصول عن السياق العام الذي نبت فيه، لكنه يتخذ من الوسط الجامعي دائما “مسرحا للجريمة”.

وقد يكون من المفيد القول إن تنامي الوزن السياسي للتيار الإسلامي المغربي في السياسة والمجتمع، جعله دائما هو ضحية “بوكو سيوف” الأولى في الجامعة، لكن لماذا يتم توجيه وممارسة الإرهاب على الطلبة بالخصوص؟ هناك احتمالان: إما لأنهم نقطة ضعف ذلك التيار؟ وإما لأنهم مصدر قوته؟

ويمكن القول على المستوى “التكتيكي” إن من يُرهب الطلبة فهو ينظر إليهم بحسبانهم نقطة ضعف، وذلك لعاملين أساسيين؛ الأول موضوعي: إذ الطلبة الإسلاميون هم فئة قُدّر لها أن تكون “شبه معزولة” حتى عن أصولها أحيانا، وهذا أمر تفرضه خصوصية الفضاء الذي يتحركون فيه، وهو فضاء يستلزم “نضالا” من نوع خاص ليس محط إجماع، وهو ما يجعلهم يعيشون في “عزلة” تسهل الاعتداء المستمر عليهم.

أما العامل الذاتي؛ فيتجلى في كون الطلبة الإسلاميين غير مؤمنين؛ بل ليست عندهم رغبة في خلق أي “توازن للرعب” داخل الوسط الجامعي بالأسلوب البدائي المتخلف الذي تريده وتنهجه جماعة “بُوكُو سْيوف”؛ لأن العقيدة المؤطرة لتحركهم مبنية على نهج الحوار كمبدأ للتعامل مع الآخر، فعقيدة السّلم (حوار) إلى أقصى الحدود وقلم (علم) وحجاب (التزام)، هي الرأسمال الرمزي الذي يتسلحون به، رغم أن “بوكو سيوف” تستميت في محاولة جرهم إلى مستنقع العنف بمناسبة وبغير مناسبة، وهكذا فضريبة الحوار هي الإرهاب.

عامل موضوعي متمثل في العزلة، وعامل ذاتي، متمثل في عقيدة السّلم؛ هما إذا نقطعة ضعف اليتار الطلابي الإسلامي عند من يستهدفونهم، على أنه إذا كانت نقطة الضعف هذه بعامليها الذاتي والموضوعي تشكل مدخل التسلط على التيار الطلابي الإسلامي على المستوى التكتيكي، فإن ممارسة الإرهاب على هذا التيار تمليه اعتبارات استراتيجية واضحة، وبما أن القضية قضية قضية “تدافع مجتمعي” فالذي يرهب الطلاب يعلم أن هذه الفئة هي “المستقبل” الحقيقي لأي مشروع أو فكرة، ومن ثمة فاستهدافهم هو استهداف مباشر لروح المشروع والفكرة التي يحملون.

 

 
هل هناك ما يبرر اللجوء إلى استعمال الإرهاب السياسي داخل الجامعة المغربية غير الصراع حول المستقبل الذي تمليه الرغبة الجامحة في التطلع إلى إثبات الوجود وحماية الذات المتهالكة في وضع أصبحت فيه الأفكار والمصالح والقناعات التي سيطرت في وقت ما في مهب الريح؟

إن حماية الذات وصيانتها غاية تبرر وسيلتها، العنف الفصائلي؛ صانع القلاقل والتوترات التي تؤدي إلى الركود والجمود، الذي حتما هو فرصة الفساد للعيش والانتعاش!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد