كانت الطريق التي يختارها عم سعيد كل يوم بنفس الابتسامة والروح الشابة لكي يذهب إلى عمله، هي ذات الطريق التي يقف فيها عم محمد ليبيع الفول على عربته، ويصطف حولها الموظفون، مصطفى يجلب معه قصص أبنائها لكي تسد شهية زملائه، وعادل يتحدث عن خطيبته وحماته وغيرهم، وعم محمد، وقد كانت الطريق أيضًا تعبر فيها ناهد، ناهد ذات النهدين وذات الفخذين في نظر خطيبها القادم من الخليج، وناهد ذات الشهادة الجامعية في نظر أمها وأبيها، وناهد التي معها علبة تونة بالنسبة لزميلاتها في العمل، وقد عبرت سيارات كثيرة، ولكن وقع الاختيار على سيارة ابن منصور بك، لكي تدهس عظام ممدوح الشاب الذي لم يكن قادرًا بعدها أن يتم عامه العشرين.

هل سأل فيه أحد؟ هل اختار عم سعيد أن يدرك أن لا شئ يستحق الابتسامة والحيوية في هذا البلد؟ وهل أدرك عم محمد أنه ربما كان قادرًا أن يترك عربة الفول لدقائق، وينقذ إنسان لن يكون زبونًا عنده؟ وهل أدرك الموظفون أن بجوارهم شخصًا يحتاج إلى من يتصل بالإسعاف أو حتى يغطي رأسه؛ لأنه تقريبًا مات؟ وهل ناهد الحلم والجهد والمطعم علمت أن تحت قدمها شخص لا يعشقها؟ ولكنه في الحقيقة يموت، وهل توقف ابن منصور بك لينظف حتى عجلات سيارته؟

هكذا أصبحنا اليوم، الكل يتحدث طوال ثلاثة أعوام عن ماذا؟ عن علبة التونة التي أسقطتها ناهد من يدها، أو أن عم محمد طغي وفسد في الأرض، وجعل سعر الطلب الحلو بعشر جنيهات دفعة واحدة، نحن تركنا في الحقيقة أكثرنا حاجة إلى آرائنا واهتمامنا مقابل أشياء لا قيمة دائمة لها، وإذا لم تفهم المعنى، حسنًا هأنا أوضح لك المعنى ببعض عناوين الجرائد لليوم السابع من مارس (أذار) سنة 2017.

كتبت جريدة الأهرام: إعفاء السكر الخام من الضرائب، زراعة 100 مليون شجرة زيتون في المحافظات، الفريق أول صدقي صبحي يلتقي وزير الزراعة و الأغذية البيلاروسي، بتوجيهات من الرئيس توزيع مليون عبوة غذائية بالمناطق الأكثر احتياجًا، عدم إلغاء نقاط الخبز أو تقليل صرف عدد الأرغفة.

كتبت جريدة المصري اليوم: احتجاجات في 3 محافظات على إلغاء كارت الخبز، وكتب على الصورة المرفقة أنهم مئات، وقمت بعدهم بنفسي، واتضح أنهم فقط ثلاثة وسبعون شخصًا، الجنون يصيب أسعار الدواجن: 34 جنيهًا الكيلو.

كتبت جريدة الشروق: وزير التموين يدعو أصحاب مضارب الأرز لمساندة الدولة، وصاحب المضرب: وافقنا خوفًا من المضايقات، وكررت بعض الأخبار السابقة.

قانون التظاهر اختفي فجأة من الإعلام والرأي العام، حتى بعد تصريح عدم دستورية بعض المواد فيه، التي بموجبها هناك أحرار في السجون المصرية، لا أحد يبالي ماذا يحدث في المسرح السياسي قدر اهتمامه بالمطبخ السياسي هذه الأيام، عندما ذهبت مثل أي يوم لكي أشتري الجرائد، لم ينظر الناس إلا للجريد الأكثر عددًا من حيث الأوراق والاقل ثمنًا، فازت الأهرام والجمهورية مقابل أربعة جنيهات، وليس لجدوى ما فيها، ولكن لكي يوضع عليها الطعام.

هناك أنباء من المحافظات أن هناك حراكًا شعبيًا نتيجة خطوات وزارة التموين وغلاء الأسعار، يسمون الناس مثل هذه الأشياء بثورات الخبز، البلاد العربية حدث فيها العديد من الأمثلة في مثل هذا النوع، أحداث السبعينات أيام السادات كانت قريبة من اعتقال السادات إلى دكاترة الجامعة، وكانت في تونس في أوسط عهد بورقيبة متزامنة من امتداد قراراته الجنونية وحملاته في اعتقال أي شخص وهوسه بذلك، وغيرها من الأمثلة الكثيرة الذي توجه فيها الرأي العام بعيدًا عن المسرح ذاهبًا إلى المطبخ.

أنا لا أطالب أحدًا بألا يشتكي سعر أي شيء، هذا حقه المشروع، ولكن أطالب الناس أن تتذكر أنه مر على اعتقال ثروات الوطن منذ تاريخ الثورة حتى اليوم تقريبًا، وأن ثروات الوطن يُبني لها كل يوم سجون جديدة، وأن حلم الوطن الذي يجب أن يحلم به هو إطلاق صراح هولاء، هم الذين رفضوا العمل الصوري، ورفضوا كل أشكال الفساد التي تحول الإنسان إلى حيوان سيئ يأكل ويشرب ويعيش بين القمامة وعوادم السيارات الفارهة التي لن يحلم بامتلاكها في أي يوم.

حتي وإن كنت مؤيدًا لاعتقال شباب مصر وثروتها في السجون، فهل ترى أن البرلمان يقوم بدوره حقًا؟ أم تهتم فقط بدروس ابنك الخصوصية التي إن كان البرلمان يعمل جيدًا ويراقب وزارة التربية والتعليم جيدًا، لم يكن لابنك أية حاجة في تلك الدروس؟ كم مرة سألت لماذا لا تذاع جلسات مجلس الشعب! أو مثلًا: كم مرة دعى مجلس الشعب الحكومة لكي يسائلها؟

مجلس الشعب يا عزيزي القارئ والمواطن الآن مر عليه عام وأكثر في حالة من تصفية الخلافات، في ثلاث حادثات قد توضح لك ماذا يحدث بالضبط، تم الاطاحة في أوائل مجلس النواب بأحد نائبيه، وهو أحمد مرتضى منصور، ومن ثم الاتجاه إلى الضغط على أبيه الذي كان من الصعب إزاحته، أما الحادثة الثانية، فهي التي بدأتها الدستورية بالإفصاح عن عدم دستورية بعض عضويات النواب في مجلس الشعب، وبالتالي هناك نواب قدموا طعنًا، وقبل منهم الطعن، ونواب لم يقبل منهم الطعن، والحادثة الثالثة هي التي تدور الآن، والتي تتحدث عن عدم السماع لبعض النواب لعدم الاعتراف بهم من قبل المجلس نفسه، وعلى الرغم من قبول طعونهم في المحاكم المصرية.

إذا كان الأمر معقدًا بالنسبة لك، أثناء محاولاتك لاستخراج بطاقة هوية، أنت مطالب باستخراج أوراق حكومية من مكاتب حكومية، لكي تعطيه إلى مكاتب حكومية أيضًا، أي أنك ستأخذ من منزلك حلة محشي، وترجع بها مجددًا إلى منزلك لكي تأكل مع أبنائك، الدولة لا تعمل مع بعضها، ويشغلها صراعات تعطل كل شيء حولها، بينما كانوا النواب يتشاجرون، لم يطلبوا حتى اليوم أوراق قرض صندوق النقد الدولي الذي تسلمنا اول دفعة فيه، والذي يعد أكبر قرض تأخذه مصر في تاريخها، ولم يطلبوا من الحكومة أي استجواب حتى اليوم، أو حتى لم يسألوا عن ملف تيران وصنافير، ولم يطلب أحدهم تعديل قانون التظاهر حتى الآن الذي يعتقل ببعض قوانينه غير الدستورية ثروة الوطن الحقيقية التي لا تعوض.

يبدو أن مثل هذه الأشياء قد تكون مرهقة للقارئ، سأعود إلى هوايتي المفضلة، وهي الحكايات، وقد استمر اليوم عاديًا لناهد في عملها، تعمل ناهد في مدرسة حكومية مدرسة حاسب آلي، بعد أن انتهت من جعل أحد غيرها يستلم منها حصصها، ذهبت لتكلم مدحت في التليفون المحمول المشبوك في الطرحة الإسبانش، وعم محمد أغلق عربة الفول، ورحل إلى منزله، أما عم سعيد رجع من عمله إلى المقهى، وابن منصور بك كان غير سعيد لأن صديقته قفشت بعض الشيء نتيجة تأخره عليها، وأما ممدوح، فقصته طويلة.

باختصار شديد ، سقط على الأسفلت ممدوح، وعبر فوقه سيارات كثيرة لمدة ثلاثة أعوام تقريبًا، وبعضهم قال إن ممدوحًا يدهس منذ خمسة أعوام، ناهد تزوجت ورحلت مع زوجها إلى بلاد الكفيل، وأما عم محمد استمر في حالة من الأرستقراطية الظاهرية؛ لأنه يتناول فطوره مجانًا، وعم سعيد ظل يضحك كل يوم وهو في طريقه إلى العمل، ولم يبالِ أحد بما يحدث تحت أقدامهم وأمام أعينهم، وعجبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد