تعيش الأمة الإسلامية والعربية، حالة من الضعف والمرض، بين الأمم والشعوب، تلك حقيقة مؤلمة، ليس لنا في السياسة العالمية كلمة، ولا على مستوى القضية التي تهمنا وتخصنا، فدومًا تُملى علينا القرارات والاتفاقيات، ونحن ضيوف شرف، ومن المفروض أن نكون نحن أصحاب القضية، فلا سياسة قوية، ولا اقتصادًا قويًا، ولا ثقافة مؤثرة، ولا جيلًا ومجتمع بناء ذا خلق وقيم، وأصحاب مسؤولية، فلنسأل جميعًا، ما الذي أصابنا؟، ما هي حالة النوم العميق التي أصابتنا جميعًا؟، ونحن نمتلك القوة الحضارية من لغة وعرق وعقيدة، ونحن نمتلك كافة الموارد الطبيعية والثروات المعدنية، ونحن نمتلك البحار والمحيطات، والموقع المتوسط، ما الذي حدث؟، كان لنا عزة، والآن لا نمتلك قرارنا، ولا حتى غذاءنا ودواءنا ولا حتى سلاحنا، وفي وقت من الأوقات كنا أمة تركع ملوك الأرض أمام شبابها قبل كبرائها، نمتلك الأرض من مشارقها إلى مغاربها، فكانت أمتنا من الصين شرقًا إلى الأطلسي غربًا، ومن الأندلس شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا.

فالسؤال يبقى، ما هو السبب في تراجعنا وضعفنا؟ هل هو الدين كما يقول البعض؟؛ هل لا تمتلك الأمة فكرًا سياسيًا، هل ليس لدى الأمة الإسلامية مفكر ومؤسس أول لمنهج وفكر سياسي؟

الحقيقة الإسلام يمتلك مناهج كاملة فكرية لصناعة الدول، سواء اقتصادية أو علمية أو سياسية، ولعل أبرز تلك الأمثلة هو فكر المؤسس الأول للدولة الإسلامية الأولى الرسول الكريم، حيث وضع لنا النهج والطريق لكي نسير أمور الدولة، ووضح لنا كيف نبنيها ونتخطى حالات الضعف التي تصيبها؟

حيث إن تشكيل الأُمّة الإسلاميَّة في ذلك الوقت كان صعبًا، ولكن بفضل الله وفكر الرسول الكريم، وانتشار السلوك المعنويّ والاجتماعيّ الإسلاميّ، وببركة الإسلام والإيمان، في أوساط العرب المشتَّتين والمتفرِّقين، جعل هذه الأُمّة تتمتع بحكومة مركزيَّة. فليس هناك من يسعه إنكار أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صنع أُمّة واحدة من تلك القبائل المتعدِّدة والمشتَّتة، حيث إن تلك الأُمّة لم تكن فاقدة للسلطة السِّياسيَّة. والواضح أن عنصر الحكومة كان موجودًا في تلك الأُمّة، وكانت تلك السلطة السِّياسيَّة وزعامة الأُمّة بيد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

والسبب وراء ذلك البساطة السائدة آنذاك في مجتمع الجزيرة العربيَّة، لم تكن تسمح بنظام دقيق ومعقَّد. ولقد اعتمد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما أمكنه. أفضل نظام سائد على عهده وأحسنه، خال من كلّ عيب. وإن افتقرت حكومته للنظام المعقَّد السائد اليوم لدى الحكومات المعاصرة، فذلك لأنّ هذا النظام لم يكن مناسبًا لذلك المجتمع الّذي عاش فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ومع هذا، فقد ابتكر نظامًا للدولة الإسلامية الأولى يناسبها، ووضع قانونًا مدنيًا، ودستورًا يناسب هذا المجتمع ويحدد العلاقة بين كل فئات سكان المدينة مسلمين وغير مسلمين، وأوجد تنظيمات إداريَّة وعسكريَّة في دولته الإسلاميَّة.

إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أقام سلطةً سياسيَّةً، وكيان حكومة مركزيَّة، تقوم بإدارة شؤون الدولة وتنظيمها، والعمل على حل مشاكلها، وكون مجلسًا استشاريًا له، ووزيرين هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لم تكن سلطات متدرجة وواضحة كما هو في عهدنا الحالي، وذلك الأمر طبيعي، لأن لكل شيء بداية، فوضع النبي البداية الصحيحة القوية، وجعل هذه البداية مجالًا لتطور بما يفيد الدولة والأمة، وفتح باب الاجتهاد من أجل مصلحة الدولة والأمة والعقيدة، ولعل الدليل على هذا الكلام وباب الاجتهاد للحاكم لمصلحة دولته وشعبه، حديث الاجتهاد الذي رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه وما جاء في معناه وهو في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)، فهنا جمال الفكر النبوي بإعمال العقول وفتح الاجتهاد لصالح العباد ومصالحهم، وليس الوقوف فقط على المنهج في الكتاب والسنة.

هناك فارق بين الحكم الواضح في الكتاب والسنة، وبين إنشاء حكم، فكلام الكتاب والسنة واضح لا يمكن تعديله، أما عند إنشاء نظام فهنا يقضي الفعل بالشورى والاجتهاد،فالرسول الكريم عندما كان يتصرف بالسياسة هو ينشئ حكمًا بالاجتهاد، فعندما يتصرف في مسائل الاقتصاد وإلى آخره فهنا ينشئ حكمًا، فمن هنا نجد فارقًا بين قطاعين من الأحكام، قطاع الرسول صل الله عليه وسلم يكشف فيه عن حكم الله ولا ينشئ من عنده لأنه يبلغ جزءًا من الرسالة، وقطاع آخر يُنشئ فيه أحكامًا بالاجتهادات حتى لو أخطأ في حكم من الأحكام وعتب رسول الله صل الله عليه وسلم في كثير من المواطن وجاء هذا في القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يوحى إليه بالصواب لا يقره على خطأ لأنه أسوة كي لا يكون أسوة إلا في الصواب الموافق للإرادة الإلهية.

وهنا دليل إلى حكام المسلمين اليوم، فكل معرض للخطأ في التصرف والحكم، فمن الحكمة الوقوف على هذا الخطأ وتعديله وليس التمادي فيه بما ينفع أمر الدولة ومصالح الشعب، ولا يتأتى ذلك إلا بنظام صالح أمين يخاف الله وليس يخاف المنصب ويرد الحاكم ويقومه عند خطئه ولا يساعده في التمادي في هذا الخطأ، حتى لا يضر الصالح العام في مقابل الحفاظ على ماء وجه، فلنا في رسول الله قدوة، حيث أدبه الله فأحسن تأديبه، ورده في خطئه أن أخطأ لأنه بشر، فلا يوجد بشر معصوم من الخطأ، وأخذ نهج النبي صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدين من بعده، وأهمهم خليفة رسول الله ابو بكر الذي وضع منهجًا لحكمه وحكومته في خطبة توليه الخلافة بعد بيعة السقيفة «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله وإن القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» فجعل نفسه عرضة للصواب والخطأ، وجعل الشعب هو الرقيب الأول في نجاحه في إقامة حكم الله، أو سبب في معصية الله وتمادي الظلم، وذلك لصمت الشعب عن قول كلمة الحق، وجعل نجاح الحكم بطاعة الله ورسوله، فوضع النبي وخلفاؤه أسس الحكم لحكام أمته، فأن أخذوا به نجوا، وأن لم يطيعوا الله والرسول هلكوا جميعًا.

فنجد أبرز معالم الفكر الإسلامي لبناء الدولة هو الشورى، والعمل على تفعيل هذه الشورى في كافة نواحي الحياة، فالشورى أمر عمل به النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقه الخلفاء الراشدين من بعده، تطبيق لا يناسب الهوى والأهواء الشخصية لهم، بل تطبيق يفيد الصالح العام للأمة الإسلامية، ويرضي الله ورسوله، فكانوا لا يخافون الا الله، ويعملون بما قال الله وقال الرسول، فنجحوا في بناء دولة تمتد حدودها من الصين شرقًا إلى الأطلسي غربًا، ولكن عندما تبعنا الغرب والهوى، فقدنا الأرض والعرض والكرامة، فعندما بعدنا عن منهج الله ورسوله وصحابته، أصبحنا من الدول التي لا تمتلك قرارها ولا فكرها ولا حل قضاياها، ولا تملك القدرة على تحرير نفسها ومقدساتها، ويزيد المأساة مأساة بأنها تفتخر بأفكار الغرب من أفكار رأسمالية وأفكار اشتراكية، ويفتخرون ليس بفكر نبيهم الكريم للأسف بل بفكر لينين وماركس وأدمز سميث، ويتناسون أن هؤلاء تعلموا في مدرسة الإسلام العملي والفكري.

وعلى سبيل المثال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يتصرف أو يقول قولا كان الصحابة يسألونه سؤالا تقليديًا تجده منتشرًا بالسيرة النبوية: (يا رسول الله أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟) يعني في غزوة بدر عندما نزل منزلًا سأله الخباب بن المنذر أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأي والحرب، قال هذا ليس لك بمنزل. نزل على الشورى في غزوة الأحزاب، وفي غزوة الخندق أراد أن يكسر الحصار الشركي من حول المدينة فتفاوض مع ممثله غطفان ونجد على ثلث ثمار المدينة في نظير فتح ثغرة في هذا الحصار، لكنه قبل أن يمضي المعاهدة يعني هنا أمام معاهدة بالأحرف الأولى لكنها ليست نهائية سأل سعد بن عبادة يا سعد بن معاذ، سألوه: أهذا وحي أم هذا رأي رأيته لنا؟ قال هذا رأي رأيته لكم، فقالوا إنهم مشركون لم يكونوا يتذوقون ثمار المدينة إلا بقرى الضيف أو بالتجارة، كيف نعطيهم ثلث ثمار المدينة بعد أن أعزنا الله بالإسلام، مزق مشروع المعاهدة، لماذا؟ لأنه هنا يجتهد، هنا ليس وحيًا، هنا ليس بلاغًا عن الله سبحانه وتعالى، في فارق بين الوحي، كان يسألون هو الوحي أم الرأي والمشورة، كان يدير السياسة سياسة الدولة بالشورى.

فمن هنا نجد أن أصول الشريعة القيم والأخلاق ليس فيها شورى فيها سمع وطاعة، ليس فيها إبداع ولا ابتداع وإنما فيها اتباع، أما عندما تكون الأمور سياسة فكان يستشير، عندما يقول: لو كنت مؤمرًا أحدًا دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد الله بن مسعود يعني تعيين أمير للجيش هذه سياسة يعينه بالشورى، عندما يقول لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما، أغلبية وأقلية، اثنين لواحد، كان أكثر الناس مشورة لأصحابه في السياسة وفي أمور الدولة وفروعها.

أما في الدين في العقائد وفي القيم والأخلاق وفي العبادات هنا لا توجد المشورة ولا تدخل من العقل البشري لأنه حتى ولو لم نفهم الحكم من هذه العبادات، وهذه العقائد فنحن نؤمن بأن أحكم الحاكمين يعرف هذه الأحكام، السياسة معللة بعلل ولذلك فيها الشورى وهي من الفروع، لأنها عند أهل السنة والجماعة السياسة الخلافة كل ما يتعلق بشؤون الدولة هو من الفروع والفقهيات، ولذلك ليس فيها تفسير، يعني الدين واحد لكن هل السياسة واحدة؟

[1] عبدالرازق السنهوري: فقه الخلافة، المرجع السابق، ص82.

[2] محمد عابد الجابري: الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية 1996، ص13

[3] محمد عمارة: التصرفات السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم، برنامج الشريعة والحياة، قناة الجزيرة، بتاريخ 18/4/2013.

[4]- محمد سليم العوا- النظام السياسي في الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد